dark_mode
Image
Saturday, 04 February 2023
مشروع وادي الهواد

مشروع وادي الهواد

 

عثمان ميرغني

الحلقة الأولى

السودان على مفرق طرق، إما تنمية ونهضة عاجلة تستوعب موارده، أو يواجه تحدياً خطيراً في تمزق أوصاله نتيجة الاحساس المتنامي لبعض مناطق بالظلم و غياب التنمية والمشروعات والخدمات، بل والكرامة. ولحسن الطالع فإن فرص السودان لإنجاز مشروعات طموحة أكبر مما يتصور أهله، ولكن مع ذلك تبقى المعضلة في غياب الاستقرار السياسي مما يؤدي لحجب التفكير في الاستثمار أو حتى التخطيط للتنمية والنهضة.

مشروعات كثيرة تنتظر السودان في كل شبر من أرضه، الموانيء المطلة على خط التجارة الدولية في البحر الأحمر، وليصبح السودان واجهة بحرية لأكثر من 17 دولة أفريقية، والمشروعات الزراعية الضخمة Mega Projects مثل مشروع وادي الهواد الذي يفوق مساحة وإنتاجاً مشروع الجزيرة ، و مشروعات أخرى كثيرة تنتظر فقط لحظة إطلاق صافرة القطار، قطار النهضة السودانية.

عقلية الاستحواذ

مشروعات التنمية في السودان تواجه تحدياً داخلياً، أكثر منه خارجياً، تحد ناشئ من نظرة المواطن السوداني لهذه المشروعات، فلا تزال عقلية الاستحواذ المباشر هي التي تحرك دوافع الإنسان السوداني فبدلاً من تعظيم العائد بالمشروعات الكبيرة يظل التفكير متجهاً نحو الاستحواذ المباشر أو أحياناً المتوهم عندما يكون باسم القبيلة بلا عائد اقتصادي.

الأمن القومي السوداني

من أكبر الثغرات في الأمن القومي السوداني الفراغات السكانية الشاسعة الناجمة من غياب التنمية والبنى التحتية في بعض مناطق السودان، رغم توفر الموارد الطبيعية وفرص الاستثمار فيها.

وادي الهواد يشق منطقة "البطانة" من الشرق منحدراً غرباً ليصب في نهر النيل ، ويستوعب مياه الأمطار الموسمية التي تشكل واحداً من موارد مياه نهر النيل. المنطقة شاسعة ومترامية الأطراف وتكاد تكون خالية من السكان قياساً بمساحة الأرض، مما يخلق فراغاً مهدداً للأمن القومي السوداني على المدى البعيد.

"مشروع الهواد" ، المشروع الزراعي الضخم المقترح استمد اسمه من هذا الوادي الذي يعد الأكبر على نطاق السودان كله ويتغذى مباشرة من حوالى 60 وادياً صغيراً تصب فيه، و يشكل مع مجموعة أودية قريبة الشبه به حزمة أنهار تتدفق بالماء من سهول البطانة لتصب في نهر النيل.

مشروع وادي الهواد يتمدد في مساحات شاسعة تمثل 4 ولايات هي نهر النيل التي تستأثر بنصيب الأسد من مساحته وولايات كسلا والقضارف والخرطوم، وفي مرحلة لاحقة يمكن أن يتمدد الى ولايات البحر الأحمر وسنار والجزيرة ليقفز بالمساحة الكلية إلى أكثر من 5 ملايين فدان، تجاور مشروعات قومية أخرى قائمة مثل مشروع الجزيرة والجنيد والرهد ومشروعات قادمة في الطريق في منطقة الفشقة المحاددة للجارة الشرقية إثيوبيا.

بدأ التفكير في هذا المشروع في العام 1937 خلال فترة الإدارة البريطانية و استكشفت أراضيه بصورة مبدئية لكن ظروف الحرب العالمية الثانية ثم ما تلاها من آثارها خاصة المرتبطة بالأزمة الاقتصادية التي عانت منها دول أوروبا أعاقت تقدم الفكرة.

و في العهد الحزبي الثاني (1964-1969) أعيد فتح ملف هذا المشروع وكان السيد الشريف حسين الهندي وزير المالية من المتحمسين له، لكن طبيعة الحكومات الحزبية في ذلك الوقت لم تكن تملك وقتاً كبيراً للتفكير الجاد في مشروعات التنمية، خاصة مع تواتر المناكفات السياسية التي أدت للتغيير 4 حكومات في هذه الفترة القصيرة.

وفي عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري بدأت محاولة جادة للعمل في المشروع وتكون إدارة خاصة به لكن الاهتمام تراجع ثم توقف تماماً.

وفي العشرية الأخيرة للإنقاذ أعيد فتح الملف وتكونت إدارة للمشروع وأجريت دراسات للتربة ولكن العمل لم يتقدم أكثر من ذلك.

الهواد، كنز السودان.

مشروع الهواد رغم ارتباطه بالزراعة في المقام الرئيسي إلا أنه متنوع في نشاطاته الاقتصادية، فهو يضم مساحات للرعي الطبيعي بجانب أخرى لتربية الحيوان وزراعات الأسماك وتربية النحل وغيرها، مما يسمح بتخصيص مناطق للصناعات التحويلية الغذائية.

و علاوة على ذلك تعتبر هذه المنطقة من أغنى آثار السودان التاريخية، فقد ضمت كثيراً من الممالك التي نشأت على ضفاف نهر النيل والوديان والسهول المنحدرة من الشرق، فهي منطقة سياحية عالية القيمة وقادرة على توفير منتجعات طبيعية خاصة في منطقة "السبلوقة" التي منها يبدأ نظام الري المقترح .

مجتمعات وادي الهواد

التركيبة السكانية في المناطق التي يمتد إليها المشروع متنوعة وتضم قوميات سودانية عريقة ظلت منذ آلاف السنين تتحرك وتتشارك الحياة، وترتبط هذه القوميات بالأرض تاريخياً ونفسياً وتذخر أدبياتها بتمجيد الأرض التي تنحدر منها سلالاتهم منذ القدم، ورغم الحراك السكاني الكبير على مستوى السودان لكن وعورة العيش في المناطق الشاسعة البعيدة عن المدن شكل عائقاً أمام التداخل السكاني.

نظام الري المقترح، يبدأ من منطقة الشلال السادس "السبلوقة" عبر أنبوب طوله 90 كيومتراً يتجه شرقا ليغذي ترعة صناعية تخترق مشروع الهواد وتمده بالماء (انظر الخارطة) الترعة الرئيسية أشبه بنهير ممتد في منتصف المشروع لمسافة كافية لتوفير الماء، ولمزيد من استغلال مياه الأمطار يحتوي المشروع على ثلاث بحيرات صناعية ضخمة، تتغذى من المياه المنحدرة موسمياً ومن نهر النيل أيضاً. وعلاوة على ما توفره هذه البحيرات من مياه فهي تعتبر منتجعات سياحية ستكون جاذبة للسياحة الداخلية والخارجية على حد سواء.

أفضل تربة

التربة الزراعية تعتبر الأفضل في السودان، فهي تتنوع من طينية خفيفة وثقيلة الى حمراء غنية بالعناصر المعدنية المطلوبة للمحاصيل الزراعية، وتسمح بزراعة كل المحاصيل المعروفة و أخرى لم تكن معروفة كثيراً مثل العدس والمحاصيل البستانية .

الجدوى الاقتصادية للمشروع عالية للغالية تسمح باسترداد تكاليف تشييد البنى التحتية وغيرها في وقت وجيز، مما يجعله جاذباً للاستثمار المحلي والأجنبي.

الأرض.. قيمة مجتمعية.

من أهم التحديات التي تواجه المشروع هو "الأرض"، فالمجتمعات التي ظلت تعيش في هذه المناطق منذ آلاف السنوات ارتبطت بالأرض ليس لكونها مورداً اقتصادياً يساهم في توفر كسب العيش فحسب، بل ولكون الأرض عند هذه المجتمعات ترتبط بالشرف والفخر والوجدان الذي خلدها في أدبيات هذه القبائل الشفهية والمكتوبة.

عشرات القرى تنتشر في منطقة مشروع وادي الهواد، تكابد أسوأ ظروف الحياة لغياب الخدمات العصرية من مياه وكهرباء وتعليم وصحة وغيرها، ومع ذلك ترفض هذه المجتمعات الزراعية والرعوية البحث عن مناط أخرى أكثر قرباً للمدن والعمران والخدمات.

الحديث عن بدء العمل في مشروع وادي الهواد لمس الوتر الحساس "الأرض" وارتباط المجتمعات في المنطقة بها. و بدأت هواجس الريبة والظنون ترتفع وتحمل كثيراً من الإشاعات التي قد تصدق في بعض جوانبها وتبالغ في التوجس في غالبها.

كثرة التجارب التي اصطدمت فيها مشروعات حديثة برغبات و ارتباطات المواطنين أدت لفقدان الثقة في تقديرات الحكومة لدى المواطنين، وأصبحت القاعدة "الحكومة متهمة، حتى تثبت إدانتها".

إنتشرت إشاعات كثيرة عن بيع المشروع –وهو في المهد صبياً- الى دول أخرى، أو اتفاقيات تعقد في ظلام كفيف البصر خلف الغرف المغلقة، ومع نمو هذه الإشاعات بدأت دائرة رفض لأي انفراد بالقرار من الجانب الرسمي في غياب تمثيل واضح ومتوافق عليه للجانب الشعبي.

حسب الأرقام الرسمية السكان يمتلكون حيازات زراعية في حدود 300 ألف فدان، وهو رقم يمثل 12.5% فقط من المساحة الكلية للمرحلة الأولى من المشروع وقدرها 2.4 مليون فدان، وهي حيازات تاريخية ثابتة و مستقرة بل ومتوارثة جيلاً بعد جيل بمعالم محددة.

هذه القضية تستحق هنا وقفة تفصيلية أكثر لأنها محور التحدي الأكبر الذي يواجه هذا المشروع بل ومشروعات أخرى كثيرة قد تنشأ في مناطق أخرى قابلة للاستفادة من نموذج العلاقة هنا بين الحكومة والمواطن والأرض والاقتصاد الكلي للمشروع.

نواصل الحلقة الثانية...

 

 

 

comment / reply_from

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة التيار