dark_mode
Image
Saturday, 04 February 2023
مشروع الهواد  الحلقة الثانية

مشروع الهواد الحلقة الثانية

 

عثمان ميرغني

الدكتور محمد عطا المنان، يتولى منصب محافظ مشروع الهواد، وهو رَجُل شديد الإيمان بفكرة وجدوى هذا المشروع ويجتهد في تحويل الحلم إلى حقيقة بتخطى العوائق وتعظيم الفرص.

زرت الدكتور عطا المنان، في مكاتب رئاسة المشروع، في برج الساحل والصحراء بالخرطوم، وهي مكاتب تلائم هذا المشروع -حالياً- ولكن بالطبع سيكون للمشروع يوماً ما، "برج الهواد" الذي يليق به وفي أفخم المواقع بالخرطوم.

عطا المنان، مهتم بإرضاء المواطنين في كل المجتمعات المرتبطة بمنطقة المشروع، وبادر بعقد اجتماعات مع مكوِّنات عديدة منذ أن ظهرت فكرة المشروع قبل سنوات. ووجد قبولاً للفكرة من حيث المبدأ، لكن تظل التفاصيل دائماً هي الشيطان.

وبدأت الإجراءات الرسمية لمشروع وادي الهواد بتكوين لجنة عليا لتطوير وادي الهواد بولاية نهر النيل في السبت 10 أبريل 2016م، برئاسة وزير مجلس الوزراء ووزير ديوان الحكم الاتحادي رئيساً مناوباً وعضوية وزراء المالية، الزراعة والغابات، والاستثمار، بجانب والي نهر النيل، نافع علي نافع، أحمد علي قنيف، تاج السر مصطفى، ومحمد عطا المنان عضواً ومقررًا.

مهام اللجنة تصميم خطة لمشروع ضخم بالمنطقة وتوفير التمويل اللازم لإعداد الدراسات والمسوحات المتعلقة بالمشروع، والترويج له .

لكن الظروف السياسية وانشغالات النظام السابق بأولويات أخرى لم تحرِّك ساكن إجراءات المشروع وانحصرت في مداولات مع رموز وأهالي المنطقة حول المشروع دون الوصول إلى شكل نهائي يتفق عليه الجميع.

مليون مواطن في الهواد

عدد السكان المرتبطين بمناطق مشروع الهواد أكثر من مليون، يتوزعون بين ولايات نهر النيل وكسلا والقضارف والجزيرة والخرطوم.

هؤلاء المواطنين ارتباطهم بالأرض ليس مجرَّد ارتباط منفعة، فهي بالنسبة لهم التاريخ والإرث والهوى، بل والشرف، ولا سبيل لهذا المشروع لكي يخطو إلى الأمام دون رضاهم.

 ولحسن الحظ تتمتع ولاية نهر النيل التي يقع فيها غالب المشروع بمستوى استنارة عالي جاد، فهي من الولايات التي اشتهرت بالعلم منذ عصور قديمة وفي الستينيات والسبعينات كان غالبية المعلمين على مستوى السودان في مرحلة التعليم العام ينحدرون من هذه الولاية. فهم قادرون على إدارة التفاهم في جدوى المشروع بوعي كبير، لكن ذلك لا يعني أنهم قابلون للتنازل ليس عن الحق الخاص المباشر فحسب، بل الحق العام المرتبط بالأرض على مر الزمان، وليس في ذلك أي تناقض مع مصالح المشروع وجدواه الاقتصادية، بل من الممكن أن تصبح التركيبة السكانية في مناطقه من أهم عوامل نجاحه.

يقول الدكتور عطا المنان: إن المثلث الذي يعتمد عليه المشروع في نجاحه يتكوَّن من ثلاثة أضلاع هي:

الضلع الأول: الحكومة، بما يمكن أن توفره من تشريعات وتمويل وضمانات للتمويل وتنظيم العلاقات بين أصحاب المصلحة.

الضلع الثاني: المستثمرون، وهم الذين يوفِّرون المال والخبرة والتكنولوجيا والتسويق والسند الاقتصادي.

الضلع الثالث: وهو الأهم ويمثل قاعدة المثلث، هم أصحاب الأرض، وليس المقصود بعبارة "أصحاب الأرض" من يملكون حيازتها فحسب، بل من يملكون الاتصال التاريخي والوجداني بها أيضاً. ورغم أن مساحة المشروع 2.4 مليون فدن، إلا أن 1.5 مليون، منها مستغلة -حالياً- مراعي مترامية الأطراف، بينما 300 ألف فدان، فقط هي الحيازات الزراعية، مثبتة بالوثائق ومتوارثة منذ قديم الزمان.

وبصورة مبدئية تضم قائمة المحاصيل الزراعية التي تصلح لمشروع وادي الهواد الذرة والقمح والبقوليات والبطاطس والسمسم والبصل والثوم والمحاصيل البستانية، إضافة للإنتاج الحيواني والاستزراع السمكي.

مصادر المياه

واحدة من أهم التحديات التي تواجه مشروع وادي الهواد هي مصادر المياه للري وللشرب معاً.

وادي الهواد هو واحد من أكبر الأودية في السودان تصب فيه حوالي 60 من الخيران والأودية التي تتجمَّع مياهها وتنحدر نحو نهر النيل.

وتتوفر فرصة كبيرة لحصاد المياه في موسم الأمطار التي يمكن تخزينها لعام كامل حتى الموسم اللاحق.

كما تتوفر المياه الجوفية التي تمثل مخزوناً متجدداً استراتيجياً.

ولكن المورد الأساسي للري في مشروع وادي الهواد هو نهر النيل من منطقة الشلال السادس، "السبلوقة".

والفكرة تعتمد على تشييد أنبوب لمسافة 90 كيلومترًا، يمتد شرقاً إلى عمق مشروع واد الهواد، حيث يصب في بحيرة صناعية كبيرة، وهي واحدة من ثلاث بحيرات في مخطط المشروع.

يخرج من البحيرة نهير صغير يحمل الماء شاقاً منتصف المشروع من الجنوب إلى الشمال ليكون المورد الرئيس الذي تتفرَّع منه جداول أصغر تنقل المياه إلى المساحات الزراعية المختلفة.

فكرة الري هذه مستوحاة من مشروعات مماثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، والتي تنقل المياه لأضعاف المسافات والمساحات المستهدفة في مشروع وادي الهواد.

وهناك كثير من النماذج في العالم أشهرها قناة كلورادو في الولايات المتحدة الأمريكية بطول 550 كيلومتراً، وتخرج من نهر كلورادو لتصب في بحيرة صناعية.

وفي فرنسا قناة بروفينس في جنوب شرق فرنسا وتمتد بطول 270 كيلومتراً.

هذه البحيرات الصناعية الضخمة في مشروع الهواد ستضيف للعمق السياحي التاريخي والأثري من جمال الطبيعة الجاذبة ليس للسياحة الخارجية فحسب، بل حتى الداخلية خاصة لقربها من العاصمة الخرطوم.

الإنسان والأرض

أعود مرة أخرى لعلاقة الإنسان بالأرض في مناطق مشروع وادي الهواد، يرى الدكتور محمد عطا المنان، محافظ المشروع أن الأولوية لتثبيت الحيازات الأهلية في مناطق المشروع كافة، ويقدر المساحة الكلية لهذه الحيازات بـ300 ألف فدان.

ويجتهد عطا المنان في الوصول مع كل المكوِّنات المجتمعية لتراضي كامل حول المشروع لأنه بدون هذا التراضي ستعاد سيرة الوجع التي تسببت فيها محاولات الحكومة في السابق إجبار المواطنين في مناطق المشروعات وكسر خاطرهم بالقوة، مثلما حدث للمناصير في منطقة بحيرة سد مروي والتي في النهاية أفرزت هجرة جبرية خلفت كثيراً من المرارات حتى بين الأهل، والذين أصروا على البقاء في الأرض التي ألفوها وألفتهم يعانون حتى اليوم من شح الخدمات والإهمال المتعمد.

اجتمع عطا المنان يوم 9 يناير 2023 الماضي، بوفد من القطاع الجنوبي لمشروع الهواد (يمتد من وادي العوتيب وروافده حتى شرق السبلوقة) برئاسة الفريق حسن العمدة، وأكد في بيان صدر بعد الاجتماع أن أولويات المشروع الآن تقنين أراضي أصحاب الحقوق التاريخية وأن المشروع يقوم على مفهوم الشراكات التي يمثل فيها أصحاب الأرض الركيزة الأساسية، وأكد أن (المشروع لن يقوم دون موافقة الأهالي).

تحدثت إلى بعض القيادات المجتمعية في مناطق مشروع وادي الهواد، لم ألمس أية معارضة للمشروع من حيث المبدأ، بل ربما هناك حماس للفكرة، لكن دائماً العُقدة في الموازنة بين ما يطلبه المواطنون وما توافق عليه الحكومة.

المواطنون لديهم رأي واضح يتعلق في المحافظة على علاقتهم التاريخية بالأرض والمكان قبل أي تفكير في تصميم الخارطة الاقتصادية للمشروع. وهذا مطلب موضوعي ليس صعب المنال، لكنه بالضرورة يقتضي تغييراً جذرياً في رؤية المشروع ثم تصميم هياكله الإدارية والجغرافية والاقتصادية.

بصورة صريحة، لابد من إعادة دراسة الجوانب التالية.

أولاً: الرؤية التي يقوم عليها المشروع، هل هي محض عائد اقتصادي محلي للمجتمعات التي تقطن في المشروع، وقومي للبلاد؟ أم أن للمشروع بُعد ديموقرافيDemography يجب أن يوضع في الاعتبار.

ثانياً: ما هي الرؤية للخارطة العمرانية في المنطقة، وهنا يجدر الإشارة إلى الاتصال والتواصل الجغرافي والسكاني بين العمران الممتد على ضفتي نهر النيل بامتداد المشروع.

ثالثاً: العلاقة الكلية بين المواطن والمشروع، فوق العلاقة مع ممتلكاته الخاصة في المشروع.

رابعاً: العلاقة الإدارية بين المشروع، الممتد في عدة ولايات، وحكومات هذه الولايات أو الأقاليم إذا تغيَّر نظام الحكم الاتحادي.

ورغم أن الدكتور عطا المنان، صرَّح في لقائه بوفد القطاع الجنوبي أن الاستثمار الكلي في المشروع يبلغ 10 مليارات دولار، إلا أن هذا الرقم يبدو مجرَّد تقدير مبدئي لا تسنده دراسة دقيقة لتفاصيل المشروع العملاق. وقد يتطلب الأمر إسناده إلى بيوت خبرة استشارية تنظر بمعطيات الحاضر إلى مستقبل يتجاوز الواقع الذي تعيشه البلاد حالياً.

التمويل المطلوب لمشروع الهواد يتوقف على تصميم الخارطة الاستثمارية وفقاً للمستوى الذي تنشأ حوله الرؤية الكلية للمشروع، وللأسف في غالبية المشروعات السابقة كانت الرؤية دائماً تفتقر للطموح، فتركز على أقل مستوى ممكن باعتبار أن الواقع الاقتصادي يفرض ذلك.

سيكون مخيباً للآمال أن تتكون رؤية منهكة بآلام الواقع السوداني الراهن فلا تبتعد تصورات للمشروع عن النماذج المعروفة في السودان مثل مشروع الجزيرة أو بقية مشاريع الزراعة المروية في أنحاء السودان.

فما هي الرؤية الأمثل لمشروع الهواد؟

نواصل في الحلقة الثالثة

comment / reply_from

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة التيار