dark_mode
Image
Saturday, 04 February 2023
مداخل لإصلاح سياسة السودان الخارجية

مداخل لإصلاح سياسة السودان الخارجية

 

   لولا تأخر وتلكؤ عملية إصلاح سياسة السودان الخارجيةومؤسساتها بعد الثورة واصطدامها بحقيقة أن الإصلاح المؤسسيفي البلاد لن يفلح معه التعامل المجزأ مع كل مؤسسة على حدة،وإنما لا بد أن يكون شاملا وفق خطة متكاملة

د. الشفيع خضر سعيد

ما كان لنا أن نتطرق إلى مسألة إصلاح سياسة السودان الخارجية،لولا التخريب الذي مارسه نظام الإنقاذ البائد تجاهها عندما إنحرفبها خدمة لأيديولوجية الحزب الحاكم ومصالح شخوصه، غضالنظر عن تعارض ذلك مع مصالح الوطن ومواطنيه، وكذلك لولا تأخروتلكؤ عملية إصلاح سياسة السودان الخارجية ومؤسساتها بعدالثورة واصطدامها بحقيقة أن الإصلاح المؤسسي في البلاد لنيفلح معه التعامل المجزأ مع كل مؤسسة على حدة، وإنما لا بد أنيكون شاملا وفق خطة متكاملة، ظلت غائبة حتى اليوم، لإصلاح كلمؤسسات الدولة. أيضا تصطدم عملية الإصلاح بحالة الاضطرابالسياسي السائد اليوم في البلاد والتي تكاد تنزلق إلى مستنقع«دولة اللادولة» بعد إنقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021. ولعلالمؤسسات المعنية بسياسة السودان الخارجية، كوزارة الخارجيةوالبعثات الدبلوماسية، تأتي في مقدمة مؤسسات الدولة السودانيةالتي إمتدت إليها أيادي الإنقاذ لتعمل فيها تخريبا وإفسادا، بعد أنكانت صرحا شامخا وقمة يُضرب بها المثل في كفاءة إدارة السياسةالخارجية وفنون العمل الدبلوماسي، وذلك منذ نشأتها في يوليو1954 بتعيين الدكتور عقيل أحمد عقيل ليكون أول وكيل وزارة فىالسودان للشؤون الخارجية وتعيين السفير خليفة عباس العبيدليكون نائبا له، وذلك بموجب اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصيرالتي نصت على إنشاء هذا المنصب ليتولاه سوداني يكون حلقةوصل بين أول حكومة وطنية فى السودان والحاكم العام فى بعضما يتعلق بشؤون السودان الخارجية، ونشر ذلك في «غازيتة»حكومة السودان بتاريخ 11 مارس1953. ففور إستيلائه علىالسلطة، عمد النظام إلى إحالة الكادر الدبلوماسي المؤهل مهنيا فيوزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية إلى التقاعد، وقام بتعيينكوادر الجبهة الإسلامية، على أساس الانتماء والولاء وليسالكفاءة، في الوظائف الدبلوماسية والإدارية التي أفرغت منمستحقيها، وما صاحب ذلك من عمليات فساد مالي وإداري غيرمسبوق في تاريخ السودان الحديث، مثلها في ذلك مثل كلالسياسات والمؤسسات الأخرى في البلد التي طالتها ذات ممارساتالإنقاذ.

ونحن عندما نشير إلى عمليات التخريب والتشويه والإفسادوتجريف الكفاءات التي نفذها نظام الإنقاذ

بحق سياسة السودان الخارجية ومؤسساتها، لابد أن نستدعي،تحسرا، التاريخ الناصع لأجيال من عظماء الدبلوماسية السودانيةظلوا بحق مفخرة للوطن ونبعا غنيا بكنوز المعرفة والثقافة والخبرةلأجيال لاحقة، كما لابد أن نستدعي صمود وبسالة مجموعاتالدبلوماسيين السودانيين الذين لم تلن عزيمتهم في مقاومةسياسات الإنقاذ المدمرة، سواء الدبلوماسيين الذين أبعدتهموفصلتهم الإنقاذ قسرا وتعسفا، أو الذين ظلوا في الخدمة حتىاليوم دون تلوث ويقاومون تلك السياسات من داخل مؤسساتها،فكانوا جميعهم بحق من ضمن جنود ثورة ديسمبر/ كانون الأولالعظيمة. ومع ذلك، وللأسف الشديد، تعرض معظم هولاء الشرفاءلذات العسف عقب إجراءات 25 أكتوبر2021 الإنقلابية.

وقبل مواصلة النقاش والخوض في تفاصيل عملية إصلاحسياستنا الخارجية، لابد من التنبيه إلى حقيقة أننا من غيرالمتمكنين الملمين بتفاصيل أركان علوم الدبلوماسية والسياسةالخارجية، وكذلك لسنا من العارفين ببواطن ما يدور في مؤسساتالسياسة الخارجية من وزارة وبعثات دبلوماسية، ولكنا من المتابعيناللصيقين لهذه الجبهة بحكم نشاطنا وخبرتنا في العمل السياسيالعام. لذلك، ونحن نتأهب لكتابة هذه السلسلة من المقالات حولإصلاح سياسة السودان الخارجية، كان لابد من أن نتواصل معمجموعة من الدبلوماسيين السودانيين، في الخدمة وفي المعاشالقسري، نبتغي المعرفة بالتفاصيل والتاريخ، وننهل من رؤاهم حولكيفية الإصلاح، بإعتبار أن رؤاهم هذه هي الأقرب من غيرهم إلىالواقع والعلمية، وأنهم الأكثر تمكنا لتحويل الكلام العام حولإصلاح سياسة السودان الخارجية ومؤسساتها إلى بنود عململموسة وقابلة للتحقق. فلهم منا الشكر أجزله ومن الثناء أوفره.

ومواصلة لما تناولناه في نقاشنا في مقالنا السابق، نعتقد أنإصلاح السياسة الخارجية ومؤسساتها في السودان يتطلبالقناعة التامة بعدد من المداخل الهامة، منها: أولا، السياسةالخارجية للسودان، وفي الحقيقة لأي بلد، تمثل امتدادًا وانعكاسًالسياسته وأوضاعه الداخلية، ويتم رسمها تلبية للمتطلبات المحلية،وبالتالي فإن نقاط القوة أو الضعف في سياستنا الخارجية وفينشاطنا الدبلوماسي هي نتاج نقاط القوة والضعف في واقعناالداخلي، السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ثانيا، تلعبالسياسة الخارجية والدبلوماسية دورا قياديا لا يمكن الاستغناء عنهفي عمليات التنمية الاقتصادية في البلاد، وذلك عبر تطبيع علاقاتالسودان مع الدول والمؤسسات الدولية المانحة للمساعدات، إدماجالاقتصاد السوداني في الاقتصاد الدولي في مجالات التجارةوالاستثمار، إتخاذ التدابير التي تضمن إنتفاع السودان منالمبادرات الدولية كمبادرة إلغاء الدين الخارجي للبلدان المثقلةبالديون»الهيبك» ومبادرات البنك الدولي وصندوق النقد الدوليونادي باريس، التوقيع والمصادقة على اتفاقيات الشراكةالإقتصادية ووضع أسس راسخة للتكامل الإقليمي وتبادل المنافعمع كل دول الجوار..الخ. ثالثا، الدبلوماسية ليست وظيفة عاديةوإنما هي حرفة ومهنة، كمهنة الطب أو الهندسة أو غيرهما، منحيث التأهيل الأكاديمي والتدريب، وفوق كل ذلك هي مهنة حساسةجدا لها مواصفاتها ومتطلباتها الخاصة بها والتي يجب أن تتوفرفي المتقدمين للإلتحاق بها، لذلك تتشكل لجنة المعاينات لها منخبراء من أساتذة الجامعات يشرفون على وضع الامتحاناتالتحريرية، ويكون هناك طبيب نفسي من ضمن عضوية اللجنة،وكل ذلك حتى يتسنى اختيار أجود العناصر التي ستمثل البلادفي الخارج ولا تمثّل بها، مثلما حدث من ممارسات مؤسفة ومخجلةلم نسمع بها من قبل إلا إبان عهد الإنقاذ، عندما أصبحتالدبلوماسية مهنة يغشاها كل من هب ودب دون تمحيص فيكفاءتهم لهذه المهنة الحساسة، وكانت وزارة الخارجية محط أطماعسدنة النظام بما تحمله الدبلوماسية من بريق اجتماعي ومظانللدعة والعيش الرغيد والتسفار واكتشاف العالم. وسنواصلالنقاش.

comment / reply_from

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة التيار