dark_mode
Image
Saturday, 04 February 2023
ماذا تُقدِّم العَلمانية لأصحاب السَعِية والنفوس الرضية؟

ماذا تُقدِّم العَلمانية لأصحاب السَعِية والنفوس الرضية؟

 

د. الوليد آدم مادبو

حالما عجزت (قحت) عن إقناع الكتلة الديموقراطية بالانضمام للاتفاق الإطاري لجأت لمحاولة في استبدالها بجماعة الحلو الذي ما زال متمسكاً بخياري العلمانية وتقرير المصير. يجب أن نفكِّر في السبل الدستورية التي ستحقق الفيدرالية الثقافية والسياسية والاقتصادية ففكرة استبدال مجموعة بأخرى حيل إنقاذية قديمة أثبتت عدم جدواها طيلة الثلاثة عقود . إن أنجع السبل في العمل السياسي تكمن في أهمية مواجهة المشكلة وضرورة التفكير بجرأة وواقعية لإيجاد الحلول لها في حينها لأن التسويف لا يزيد المشاكل إلا تعقيداً وقد دلت التجارب كافة على ذلك.

إن كادر حزب الأمة الذي انتدب للقاء قيادات الحركة الشعبية مؤخراً لا يملك المقدرة الفكرية لنقد العلمانية -الأريحية وحدها لا تكفي، وجماعة الحلو يتبنون الفكرة بصورة دوغمائية لا تراعي مستوى وعي المواطن أو دائرة اهتمامته المعيشية. من الناحية العملية الإجرائية، هل هناك مِشرط سحري يمكنا فصل الدين به عن الدولة (قد يكون موجوداً في شنطة أحدهم، ابحثوا عنه)؟ كيف يمكن فصل القيم عن تصميم وتنفيذ السياسات؟ هل تشمل القيم الدين أم أن هناك قيماً عالمية يلزمنا الاحتكام إليها؟ إذا كان الدين هو حيلة الكثيرين للوصول إلى مرتقى الإنسانية، فما هو موقف الآخرين، جماعة الكجور مثلاً؟

إلى حين الوصول للإجابة على هذه الأسئلة الفلسفية الوجودية حتكون "عين المواطن" طلعت. بالله عليك، ماذا تقدم العلمانية لأصحاب السَعِية والنفوس الرضية الذين يقطنون الجبال أو الوديان؟ الفيدرالية ستحقق الاستقلالية للولايات دون داعي للمماحكة أو اللغط. لا داعي إذاً للمشاكسة أو الإمعان في الاختلاف بمحاولة خلق إشكالية حول المصطلحات. السؤال: هل لدينا القدرة المؤسسية لضمان الشفافية المالية والكفاءة الإدارية حال تطبيق الفدرالية أم إننا سنعين "حاكماً عاماً" لكل اقليم كي نحقق لبعض الأشخاص أحلامهم الطفولية ونرهق كاهل المواطن بضرائب كي نضمن الرفاهية لهؤلاء المحرومين -عيال الحدادين- على حساب الغلابة من السودانيين؟ إن أسطول العربات الذي تملكه حكومة دارفور الوهمية قد لا يكفي لتشييد مدارس ومشافي لأهلنا في المعسكرات لكنّه يؤكد بأن قُطاع الطريق هؤلاء لا يمكن أن يكونوا قادة لأنهم يفتقرون للأهلية الأخلاقية والقدوة الإنسانية.

الفيدرالية الاقتصادية تعني أن لكل ولاية أو إقليم الحق في التصرف في موارد الإقليم بما يحقق مصلحة الأهالي وليس العصابات التي استولت عليه بوضع اليد (اتفاقية جوبا أنموذجاً). الفيدرالية الثقافية والسياسية تعني ببساطة أن لكل جماعة الحق في الاحتكام للمنظومة القيمية التي تعنيهم. كان المرحوم أحمد إبراهيم دريج يمازحني يوماً فقال لي: نحن أهلك الفور نشرب مُر ونكتب مر، يعني يشربوا البغو ويكتبوا المحاية. قال لي أحدهم كلام شبيه هذه الظهيرة: لو ناس الشمالية رجعوا لعرقيهم -دا لو خلوا أصلاً- وخلوا الوصاية على باقي أهل السودان، كان الأمور استعدلت. يقيني أن ناس الشمالية أنفسهم ضحايا الاستبداد الذي عانى منه بقية أهل السودان.

لقد درست في شيكاغو بالولايات المتحدة وعرفت أن ولاية إلينوي تمنع القمار والدعارة، بينما هناك ولايات مجاورة تبيح كل ذلك "وبالغانون". البارات لا تفتح يوم الأحد، لأنها عطلة مسيحية، وهناك محليات لا تسمح البتة ببيع الخمر. الملاحظ هنا أننا اقتصرنا مفهوم العلمانية على مسائل أخلاقية منها ما يدخل في دائرة المسؤولية الشخصية، لكننا لم نتناول القضايا المجتمعية والاقتصادية التي لم تنل قسطها في التداول -خاصة في المجتمعات الإسلامية- من منظور حداثي. هل هناك دراسات ميدانية لحجم الأضرار التي حققها ما يسمّى بالاقتصاد الإسلامي (الذي لم يتعد حدود المعاملات المصرفية) في بلدان مثل السودان منعت الازدواجية وحكمت على البنوك الغربية بأنها بنوك ربوية؟ إن أخر دراسة اطلعت عليها تفيد بأن حجم المعسرين في البنوك الرأسمالية في السودان كان ١٠٪؜، علماً بأن حجم المعسرين في البنوك المسمّاة إسلامية يكاد يفوق ٩٠٪؜. أكيد هناك أسباب هيكلية وبنيوية، لكن يبقى السؤال قائماً: هل ساعدت فكرة الاقتصاد الإسلامي في الحد من انتشار الفقر أم أن المال بقي دُولَة بين الأغنياء؟

قناعتي أن العلمانية المؤسسية (عدم تدخل الطائفة في شؤون الحزب مثلاً) وليس الوجودية (طالما أن هناك اتباعاً ومريدين فلن تمنعهم من هتاف "الله أكبر ولله الحمد" في الحملة الانتخابية) ستجعل الدين عقلانياً والسياسة أخلاقية لكنني أدرك -أيضاً- بأن ذلك يحتاج مستوى من الوعي لا يتحقق إلا بتحقق درجة من الازدهار الحضاري والمادي. بمعني أخر لا يمكن لمجتمع متخلف أن يعمل على فكرة الأنسنة (تجاوز انتمائه الأوَّلي إلى مستوى الانتماء الإنساني)، إنه إجراء يستغرق قروناً من الديموقرطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. التحضر لا يعني بالضرورة التخلص من الدين، لكنه يعني بالضرورة التحرر من التزمت وما شهدناه مؤخراً من محاولة أحدهم حرق المصحف تبقى حالةً نشازاً يمكن مقاومتها بالقانون الذي قد يمثل تحدياً للدستور العلماني في أوروبا المحتضرة روحياً وليس دينياً، أوروبا تحتاج إلى روحانية وليس وارثوذكسية دينية فقد تجاوزت هذه المحطات الأولية.

ختاماً، إن جهل (قحت) بخارطة دارفور وعدم إلمامها بتضاريس السودان التاريخية والاجتماعية جعلها تولي أهمية غير عادية لقادة الحركات، كلما تأخر موعد تنفيذ الاتفاق الإطاري كلما تأزم الوضع السياسي والاقتصادي وفقد الجمهور ثقته في إمكانية التغيير السلمي والديموقراطي. لن تستطيع هذه الحركات ومن عاداها يوماً تجاوز ظروف النشأة والتكوين التي جبلت فيها على الغنيمة (منهم من يملك منجماً للذهب، منهم من يملك مصرفاً، منهم من هو فاغرٌ فاه للتصرف في مال الشعب دون حسيب أو رقيب، منهم …..)، قد يأخذها وقت لغرس قيم الإيثار والوطنية فتمثيل الأقاليم ليس حكراً على أشخاص هم سبب دمار الهامش وأس البلاء فيه.

 

comment / reply_from

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة التيار