dark_mode
Image
Sunday, 27 November 2022
فعالية المرأة ودورها في التنمية: المرأة الخليجية بين سندان القوانين المدنية ومطرقةالقبيلة

فعالية المرأة ودورها في التنمية: المرأة الخليجية بين سندان القوانين المدنية ومطرقةالقبيلة

 القبيلة

قراءة في كتاب: عبد الله الفكي البشير، أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية: التنمية حرية- محمود محمد طه وأمارتيا كومار سن، (مقاربة)، 2022

(1-2)

بقلم أحلام الظفيري

باحثة كويتية

ماجستير دراسات نقدية، معهد الدوحة للدراسات العليا

مدخل

يقدم هذا المقال إضاءة حول فعالية المرأة ودورها في التنمية، مع التركيز على المرأة الخليجيةوهي بين سندان القوانين المدنية ومطرقة هيمنة القبيلة. انطلقالمقال في مفهومه للتنمية من المقاربة التي قدمتها الدكتور عبد الله الفكي البشير وجاءت بعنوان: أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية: التنمية حرية- محمود محمد طه و أمارتيا كومار سن، (مقاربة)، 2022. قارن الدكتور البشير بين رؤيتين تجاه التنميةمثلت إحداهما، آخر أطروحات الفكر التنموي، كما وصفها أهل الاختصاص (عبدالله الفكي البشير، 2022: ص 40، 252)، وهي للفيلسوف الهندي أمارتيا سن، الأستاذ فيجامعة هارفارد، والحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 1998. قدم سن رؤيته في كتابه: Development as Freedom (1999). وجاءت الترجمة إلى اللغة العربية عام 2004، عن سلسلة عالم المعرفة (303)، الكويت، بعنوان: التنمية حرية: مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر. وكانت الرؤية الثانية للمفكر السوداني محمود محمد طه (1909- 1985)، الذي واجه تنفيذ حكم الإعدام عليه بثبات مدهش وابتسامة خالدة، وذلك بمدينة الخرطوم في 18 يناير 1985. اشتملت مقاربة الدكتور البشير على ثمانية فصول، ومقدمة، وخاتمة، إلى جانب فهرس للأعلام، وقائمة المصادر والمراجع، وجاءت في (284) صفحة من القطع المتوسط. خصص البشير الفصل السادس من مقاربته لفعالية المرأة ودورها في التنمية والتغيير الاجتماعي، فتناول الحرية التي تعني المسؤولية، واستقلال المرأة الاقتصادي، والعمل، والإنتاج، والاختيار، استناداً على رؤيتي طه وسن. يحاول هذا المقال التركيز على واقع وفعالية المرأة في بلدان الخليج العربي بشكل خاص، وسوف يتم تسليط الضوء بشكل أدق على ما تعانيه النساء في المجتمعات الخليجية في ظل سطوة القبيلة في هذه المجتمعات، إلى جانب الإشارة إلى مجموعة من التحديات التي تقف عقبة أمام نيل المرأة لحريتها وحقوقها الأساسية كمواطنة في تلك المجتمعات.

ينطلق طه في رؤيته تجاه التنمية من العلم التجريبي الروحي حيث الدين والقرآن في مستوى آيات الأصول (الآيات المكية)، بينما ينطلق سن من رؤية تقوم على العلم التجريبي المادي والخبرة العملية، دون اعتبار للدين. فقد وصف أمارتيا سن نفسه، قائلاً: “As a nonreligious person” أي "لا ديني" (البشير، 2022: ص 252). سعى كل منهما على تأكيد دور المرأة المهم في التنمية.. كما قدم كل منهما رؤيته لكيفية تعزيز دور المرأة في التغيير الاجتماعي وتحقيق التنمية.. وأوضح كل منهما بأن محور التنمية وغايتها هو الإنسان، من حيث هو إنسان، امرأة أو رجل. وكان هدف التنمية عند كليهما هو تحرير الإنسان من المرض والجهل والفقر، وأضاف طه أن التحرير يكون من الخوف كذلك. وجاء عندهما أن تحرير الإنسان يكون عبر تمليكه للقدرة، فامتلاك القدرة هو مقياس للتنمية أو أكثر من الفقر. وقد أشار البعض أن هذه المعنى هو آخر ما وصل له الفكر التنموي في العالم (البشير، 2022: ص 40، 252). كان طه أسبق من سن فقد طرح رؤيته في كتبه منذ خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي، بينما جاءت رؤية سن في العام 1999. ففي الوقت الذي لا يعطي فيه سن اعتباراً للجانب الروحي، فإن طه يرى بأن البيئة التي يعيش فيها الإنسان هي بيئة روحية ذات مظهر مادي.وأن الاضطرابات التي يشهدها عالم اليوم، ترجع إلى سبب أساسي، وهو مدى التخلف بين تقدم العلم التجريبي، وتخلف الأخلاق البشرية. ويرى بإن العلم التجريبي الحديث رد مظاهر المادة المختلفة، التي تزخر بها العوالم جميعها، إلى أصل واحد، هذا الاكتشاف الجديد، كما يرى طه، يواجه الإنسان المعاصر بتحد حاسم، فالعلم المادي التجريبي، والعلم الروحي التجريبي، التوحيدي، اتحدا اليوم في الدلالة على وحدة الوجود. ولهذا فإن عليه أن يوائم بين حياته وبين بيئته هذه القديمة الجديدة، وبهذه المواءمة والتناسق يكون الرجوع إلى الله بعقولنا، بل وبكل كياننا، حتى نحقق العبودية لله. والعبودية لله، عند طه، هي غاية الحرية، وكلما زاد العبد في التخضع لله، كلما زادت حريته. فبالعلم التجريبي لا نستطيع الرجوع إلى الله، وإنما أسرع الطرق للرجوع لله يكون عن طريق الفكر، النابت في البيئة الروحية. والفكر، كما يرى طه، أسرع من الضوء، وبالطبع أسرع من الآلة التي ينجزها العلم التجريبي. ولهذا فإن قواعد الأخلاق البشرية إذا لم ترتفع إلى هذا المستوى فترد جميعها إلى أصل واحد، الأصل الروحي، كما ردت ظواهر الكون المادي إلى أصل واحد، فإن التـواؤم بين البيئـة، وبيـن الحيـاة البشرية، سيظـل ناقصاً، وسيبـقى الاضطراب الذي يعيشه عالم اليوم مهدداً الحياة الإنسانية على هـذا الكوكب بالعجـز، والقصـور، في أول الأمر، ثم بالفناء والدثور، في آخر الأمر(البشير، 2022: ص 257- 258).

حو ل واقع المرأة

إنما يحدث للمرأة في الوطن العربي بشكل عام، والخليج العربي على وجه الخصوص، في ظل التوق لفعاليتها في التنمية، لوصمة عار يسجلها التاريخ، وقضية حقوقية يلاحق شبحها الحكومات العربية في المحافل الدولية، وفي حقيقة الأمر، فعلى الرغم من ملاحظة تقدم طفيف فيما يتعلق بالملف الحقوقي للمرأة الخليجية؛ إلا أنه تم رصد العديد من الانتهاكات المسجلة ضد المرأة، والتي تهدد أمنها الوجودي في بلدان الوطن العربي ، ومن هذا المنطلق، سوف أركز في هذا المقال على واقع المرأة في بلدان الخليج العربي بشكل خاص، وسوف يتم تسليط الضوء بشكل أدق على ما تعانيه النساء في المجتمعات الخليجية في ظل سطوة القبلية في تلك المجتمعات، فكما هو معروف إلى الآن، لا تزال القبيلة مكون أساسي للبناء السياسي والاجتماعي الخليجي، وتعتبر موجه رئيسي لأغلب السياسات والقرارات التي تتبناها هذه الدول، الأمر الذي خلق صداماً بين ما يجب أن يكون عليه وضع المرأة، وبين الواقع المعاش الذي تواجه فيه المرأة الخليجية مجموعة من التحديات الأمنية التي تقف عقبة أمام نيل المرأة لحريتها وحقوقها الأساسية كمواطنة في تلك المجتمعات .

كثيرون من ينتقدون تأثير القبيلة في المجتمعات الخليجية، وفي الحقيقة لا أجد مسوغاً لهذا الأمر، وذلك بالنظر إلى حداثة نشأة الدول في الخليج العربي، ودور القبيلة في المحافظة على تماسكها واستقرارها، ولكن ما يزعج هو تدخل المكون القبلي في سياسات وقوانين أنظمة العدالة وتطبيقاتها، فضلا ًعن تدخل القبيلة في مجال السلطات الأمنية. يجدر الإشارة بأن هناك نمو في الوعي لدى النساء في المجتمعات الخليجية حول حقوقهن في الدستور الوطني، ولهذا الأمر، يجب الحديث بصوت أعلى عن تلك النسوة المهمشات، فهناك مسؤولية على كل امرأه نالت حقها بأن لا تنسى قريناتها، وهذه المسؤولية تتضاعف عندما نرى بأن هناك انتهاكات متزايدة على المرأة سواء من مجتمعها أو من سوء فهم البعض للدين الإسلامي، فهناك من يرى, وهم كثر, بأن المرأة لا زالت قاصر وبحاجة إلى من يقوم سلوكها، ويقيد تحركها كونها قد تجلب العار والعيب على أسرها، فلا الدين يقبل هذه النظرة للمرأة، ولا القانون الإنساني، والذي هو في حالة تطور مستمر.

التنمية في دول الخليج والمرأة

تتسابق اليوم دول الخليج على مشاريع التنمية والتطوير متناسين أهم جزء في كل مجالات التنمية، وهو قطاع المرأة فهي القادرة على صنع جيل يسهم في رفعة البلاد، أو جيل أخر يساهم في تدهور الأمة، ولهذا الامر يجب أن تكون المرأة ضمن أولويات الخطط التنموية لأي بلد، وهنا يمكن استدعاء مقولة طه: "أشرف مهنة في المجتمع مهنة الأمومة لأنها تصنع الرجال وقد تفردت بها المرأة فينبغي أن تلقى من المجتمع البر والكرامة ليجيء أبناؤها أبراراً كراماً" وقد أكد على دور وأهمية المرأة العديد من المفكرين والأدباء، منهم الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عبدالله الفكي البشير في مقاربته، آنفة الذكر، أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية: التنمية حرية، والتي ناقش فيها رؤية محمود محمد طه تجاه عمل المرأة وانتاجها في البيت، ورؤية أمارتيا سن ايضاً، وقد سعا كلاهما بطريقته للتركيز على أن يعتبر البيت مركزياً، وقد تناول الدكتور البشير هذا المعنى بتوسع في كتابه, وما أثار الإعجاب هو الشعور الواضح في الاقتباسات المطروحة في كتاب الدكتور البشير عن المفكر محمود محمد طه, التي تبين مدى حبه و احترامه للمرأة التي انجبته ومقدراً دورها في هذه الحياة، وهو ما قام بتأكيده ولطالما سألت مع كل من أقابل لماذا يخاف الرجل المرأة القوية وهي من ستنجب له أبناءً أقوياء؟ لماذا يخشى صاحبة القرار والحضور والتنوع الثقافي وهي من ستورثه لأبنائه؟

عن مقاربة فعالية المرأة ودورها في التنمية

يرى أمارتيا سن، كما أورد الدكتور البشير، بأن الدعوة إلى رفاه المرأة، والتي تتجلى في أطروحات الحركات النسائية اليوم، ليست كافية. ويرى بأن مهام هذه الحركات حتى إلى فترة قريبة، اعتمدت العمل أولاً وأساساً في سبيل إنجاز معاملة أفضل للمرأة في صورة صفقة عادلة ومتعادلة. وانصَبَّ الاهتمام أساساً على رفاه المرأة، بخطة كانت بمثابة تصحيح للأوضاع، غير أن الأهداف، كما يقول سن، تطورت واتسع نطاقها فانتقل على إثرها الاهتمام من الدعوة لأجل "الرفاه" إلى تجسيد فعالية المرأة وتأكيد دورها في التنمية. إن فعالية المرأة، كما يرى سن، لا يمكنها أن تغفل الأهمية الملحة لتصحيح مظاهر عدم المساواة التي تلقي بظلالها سلباً على رفاه المرأة، وتخضعها لمعاملة غير متكافئة. ويقول سن، إن أي محاولة عملية لتعزيز رفاه المرأة تتطلب الاعتماد على فعالية المرأة نفسها لإحداث التغيير. إن فهم دور الفعالية يمثل عنصراًمركزياً للاعتراف بالناس كأشخاص مسؤولين تجاه العمل والاختيار.ويتعين علينا، كما يرى، نساءً ورجالاً أن نضطلع بمسئولية الإنجاز من عدمه(البشير، 2022: ص 182).

أوضح البشير بإن رؤية سن تجاه فعالية المرأة، ودورها في التنمية وإحداث التغيير الاجتماعي، تشبه إلى حدّ بعيد ما طرحه محمود محمد طه فهو الذي أهتم بمكانة المرأة، وبإنسانيتها، ودعا إلى إعانة النساء على الخروج من مرحلة القصور، ليستأهلن حقهن الكامل في المسئولية، حتى تنهض المرأة، وتتصرف "كإنسان، لا كأنثى".ولما كان أساس التنمية، عنده، هو التنمية الاجتماعية، وغرضها تحرير الأفراد، ونهضة المجتمع، فإن نهوض المجتمع، عنده، مرهون بنهوض المرأة. ولا يكتمل، عنده، تحضُّر المجتمع وتمدُّنه، إلا بنَيْل النساء للحرية والحرمة والتشريف والكرامة، فالمرأة، كما يقول: "أكبر مظهر للمجتمع الناهض، المُنَمّى، في كَمِه وكَيْفِه". ونهضة المرأة تكون بتحقيق كرامتها وحريتها، والحرية تقتضي المسئولية. فكرامة المرأة تكون بحريتها، وهي حق أساسي، وحق إنساني. ويجب ألا تنتظر المرأة أن يُعطِيها الرجل الحق، فالحقوق تؤخذ. ومعنى تُؤخذ، كما يرى طه، أي يظهر الاستعداد لها، والاستعداد للحرية، كما يقول: يكون بتحمل المسئولية. إن المجتمع البشري نشأ في الغابة، وورث مخلفاتها، وهي مخلفات لا يزال يعيش أخرياتها. كان المجتمع في الماضي قائم على المنافسة في منادح الكسب وعلى المناجزة في مسالك الحياة فخضعت المرأة للرجل وباعته نفسها بيع السوام مقابل أن يغذيها وأن يحميها، وهذا الوضع، كما يقول، سيء ينبغيأن يتغير ويزول بشمول المساواة في الفرص للرجال والنساء على السواء وحينذاك لا تصبح المزيَّة قوة الساعد وإنما "قوة العقل وقوة الخلق". وإحداث التغيير يتصل بغرض التنمية الذي هو، كما يرى طه، نهضة المجتمع وتحرير الفرد من الجوع والجهل والمرض والخوف.إن فهم دور وفعالية المرأة في التنمية وإحداث التغيير، كما يرى طه، يتصل بالمسئولية الفردية، التي تقع على عاتق الرجل والمرأة، كما أن التغيير واجب فردي مباشر، ينشد التنمية التي هي نهضة المجتمع وحرية الأفراد. وللحرية ثمن وهو حسن التصرف الفرديوالجماعيفي تلك الحرية المكتسبة، وتحمل المسئولية عنها. ولهذا فإن دور المرأة وفعاليتها في التنمية وإحداث التغيير، كما يرى، وكما هو حال الفرد، عنده، سواء كان رجلاً أو امرأة، مرهون بتحمل المسئولية الفردية في القول والعمل والاختيار (البشير، 2022: ص 182- 183).

نواصل في الحلقة الثانية وهي الأخيرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

comment / reply_from

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة التيار