dark_mode
Image
Saturday, 04 February 2023
صيانة بيت الخليفة

صيانة بيت الخليفة

 

 زرت مبنى البرلمان في ألمانيا " بنودستاج" قبل سنوات فلفت نظري كتابات على الجدران من آثار الحرب العالمية الثانية، عندما دخل الجيش الروسي عنوة واقتداراً إلى برلين واقتحم مقر البرلمان عبّر الجنود عن فرحتهم بشخبطة الجدران بعبارات بعضها يسييء لألمانيا – طبعاً وقتها كانت النازية- ومرت السنوات ولم تُمسح الكتابات، بل وُضع عليها مواداً حافظة حتى لا تفقد وضوحها مع الزمن.

 عندما سألت المرشدة السياحية لماذا تتركون هذه الإساءة في مقر البرلمان ردت نحن نحافظ على التاريخ كما هو.

في زيارتي لمقر وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" رأيت -أيضاً- مشهداً مماثلاً، النصب الذي يخلد ذكرى الهجوم الإرهابي على المبنى في 11 سبتمبر 2001 دوِّنت فيه أسماء جميع الضحايا الذين قتلوا داخل المبنى والذين كانوا ضمن ركاب الطائرة بما فيهم الخاطفون أنفسهم.. وعندما سألت كانت الإجابة أيضاً، نحن نسجل التاريخ كما هو، فالرصد هنا للأرواح التي قتلت هنا بغض النظر عن القاتل والمقتول.

هذا المعيار العالمي للنظر للتاريخ يجرِّده من العواطف والانتصار للذات ويجعله مجرد صفحة بالألوان الطبيعية دون تدخل من الفنان الذي يرسمها.

قبل أيام افتتح متحف بيت الخليفة بعد ترميمه بأموال بريطانية عبر المجلس الثقافي البريطاني.. فتساءل البعض، كيف تقتل بريطانيا الخليفة عبد الله التعايشي ثم تخلِّد ذكراه بصيانة بيته؟

والإجابة الحاضرة هي أن التخليد هنا للتاريخ وليس للشخص ولا منتصر مقابل مهزوم أو بطل مقابل خائن.

وهكذا يُقرأ التاريخ، فهو صحائف من الماضي ترصد الوقائع كما هي ولا دخل للحاضر بها.

وبكل أسف في سوداننا المدهش، التاريخ مهان إلى أقصى درجة، رغم كوننا شعب برصيد حضاري زاخر.. نملك حضارة عميقة الجذور تمتد لأكثر من 10 آلاف سنة في التاريخ الإنساني.. ومع ذلك نغمض أعيننا منها، بل ونطمسها طمساً.

 قبل سنوات ذهبت إلى مقر البرلمان السوداني "الجمعية التأسيسية" الذي احتضن مئات المواقف التاريخية المهمة.. وجدت التتار مروا من هناك، لم يتركوا فيه شيئاً، تدمير للقاعة الرئيسة وإبدالها بقاعة فقيرة الخيال والحال، حتى الصور القديمة التي كانت في أرشيفه محتها الأمطار وعوامل التعرية التي وجدتها في مخازن لا تحميها من عوامل الطبيعة.

مئات المواقع الأثرية متروكة في العراء بلا رقيب ولا أدنى اهتمام رغم كونها كنوز قادرة على رفد الخزينة العامة بعوائد لا تنضب مثلما تفعل الاهرامات وأبوالهول في مصر والتاج محل في الهند.

متى نتعلم أن نحمي التاريخ من رعونتنا الحضارية؟

///

comment / reply_from

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة التيار