dark_mode
Image
Saturday, 04 February 2023
الرجاء إبراز

الرجاء إبراز "السيد"..

 

زمان و أنا طالب في الجامعة بجمهورية مصر العربية كنت رئيساً لتحرير مجلة "الثقافي" التي صدرت لأكثر من أربع سنوات وكانت تتفوق في مستواها التحريري والإخراجي على كثير من المجلات التي صدرت من مؤسسات محترفة.. كنت مولعاً بالحوارات الصحفية ومن ضمنها أجريت حواراً صحفياً مع السيد أبو القاسم محمد إبراهيم وكان خارجاً للتو من منصب نائب رئيس الجمهورية وانتشرت إشاعة عن نيته تكوين تيار مناويء لرئيسه جعفر نميري.

سألته عن صحة هذه المعلومات ولا زلت أذكر إجابته رغم كل هذه السنوات التي مرت، قال لي ( من كان يبحث عن سيد، فليبحث عن سيد غيري)..

أبو القاسم محمد إبراهيم قصد بهذه الجملة رفيعة المعاني حسم الإشاعة بلسان مبين وقاطع إلا أنها تحمل في طياتها فكرة عظيمة تتجاوز موضوع سؤالي وإجابته..

لحساسية الموضوع أرجوك ركز معي ..

تعالوا نرسم خارطة العلاقات المتصلة بالمواطن السوداني، بمعنى أن نرسم لوحة لجسم الإنسان مثل تلك التي تستخدم في الشرح لطلاب الطب و نحدد العلاقات في شكل أسهم خارجة منه وأخرى داخلة اليه تبين طبيعة علاقة الإنسان السوداني بالمنظومة الإدارية و الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

بنظرة واحدة ستكتشف الخلل العظيم في هذه العلاقات..

الإنسان السوداني محكوم بمعادلة من كفتين، كفة الحقوق ، وكفة الواجبات.

نبدأ بالأخيرة، في كفة الواجبات رسمياً محاصر بقائمة طويلة بلا نهاية، في نفسه وأسرته وممتلكاته وحركته وسكونه والإجراءات الرسمية بما فيها وثائق إثبات الهوية أو رخص العمل وممارسة النشاط العام مثل قيادة السيارة.. القائمة لا نهاية لها.. وهي في إلزاميتها واضحة بغير لبس وأي تفريط أو تقصير فيها يتحمل المواطن السوداني تبعاته بصورة مباشرة..

أما الكفة الثانية وهي الحقوق فهنا الأزمة الحقيقية...

ما أن تأتي لحظة التحديق في حقوق المواطن السوداني تختفي شخصيته المباشرة وتظهر الوكالة التي تنوب عنه.. وهي ما سماها أبو القاسم محمد إبراهيم (من كان يبحث عن سيد، فليبحث له عن سيد غيري).. لماذا يبحث الإنسان السوداني عن سيد؟ لأن الحقوق لا تأتي إلا عبر سيد..

فهو في المغرم محاسب بشخصه مباشرة.. وفي المغنم لابد من سيد يمثله..

هذا السيد قد يكون حزباً سياسياً، ناظراً أو عمدة أو نقابة أو أي مسمى آخر يستمد شرعيته ليس من تمثيل المواطن بل من اختطاف صوته وقراره بحجة تمثيل مصالحه..

و عندما يجد "الوكيل" نفسه مالكاً لأمر مصالح آخرين فإن الشيطان يفتح أمامه ألف باب لاستخدام هذه الوكالة أصالة عن نفسه ونيابة عن مصالح مرتبط بها هو شخصياً أو سياسياً أو اجتماعياً ..

كثير من مشاكل السودان التي يعاني منها اليوم ناشئة من "توكيل" الحقوق لآخرين.. بينما يظل المواطن محاسباً بالواجبات..

عند المغنم أبحث عن السيد.. و عند المغرم (كل شاة معلقة من عصبتها)..

فكيف يستقيم أمر الوطن بميزان مختل..

comment / reply_from

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة التيار