dark_mode
Image
Sunday, 27 November 2022
(ارفع كراعك من رِجِلي)

(ارفع كراعك من رِجِلي)

حديث المدينة الأحد 20 نوفمبر

2022 النكتة الشعبية الشهيرة تقول أن رجلاً يركب في الحافلة المزدحمة إحتج على جاره الذي يدوس على قدمه قائلاً (ارفع كراعك من رِجلي).. فغضب الرجل الآخر وقال له ( لن أفعل حتى أعرف ليه حقتي "كُراع" و حقتك "رِجِل")..

آخر تخريجات المشهد السياسي السوداني، قوى الحرية والتغيير قسمت ملعبها الداخلي إلى إثنين، قوى الثورة و قوى الانتقال.. الأولى قوى الثورة هي المكونات السياسية والمهنية والمجتمعية التي قادت النضال ضد النظام السابق إلى أن سقط.. أما الثانية، قوى الانتقال، فهم الذين كانوا في السفينة "ذات سقطة" عندما أطاح الشعب السوداني بالنظام البائد.

التقسيم ليس جغرافيا يوضح موقع كل مجموعة، بل تفضيلياً –فرز أول وثاني- يمنح قوى الثورة حصرياً القرار في تعيين رئيس الوزراء المقبل لاستكمال الفترة الانتقالية.

و دون حاجة لإضاعة الزمن في السؤال عن الحيثيات التي تجعل (دي كراع وديك رِجِل) من الحكمة أن نعود للسؤال عن المصطلح نفسه (الانتقال)!! من أين إلى أين؟

كلمة انتقال وانتقالية وقوى الانتقال شائعة الاستعمال سياسياً، وينطقها الجميع بمنتهى التسليم، فما معنى "الانتقال"؟

كلمة انتقال في المفاهيم اللغوية والفنية، تعني التحرك من نقطة "أ" إلى نقطة "ب" بشرط أن لا تتساوى "أ" مع "ب".

فيصبح السؤال الحتمي، ماهي النقطة "أ" و النقطة "ب" التي يود الساسة الإنتقال منها وإليها؟

ربما يقول البعض أن "أ" هي الدكتاتورية، و"ب" هي الديموقراطية،وهذا توصيف خطأ يؤدي إلى حركة"انتقال" خاطئة، تنجب مثل هذه الأوضاع الكارثية التي يكابدها السودان حالياً.

الانتقال في السياسة ليس حركة بين مكانين.. بل بين حالتين أشبه بانتقال الطائرة من الحركة الأرضية الأفقية إلى الحركة الجوية Aerodynamics الرأسية.. صحيح الطائرة تسرع في المدرج وترتفع سرعتها إلى اللحظة المناسبة التي تغادر فيها عجلاتها سطح الأرض، وهنا تصبح في الوضع الهوائي الذي تحكمه معادلات فيزيائية مختلفة تماماً..

 في حركة الطائرة "الانتقال" هو فقط اللحظة التي ترتفع فيها الطائرة من الأرض ولو لمتر واحد..

بالقياس مع الحالة السودانية فإن الانتقال اكتمل في الربع ساعة التي استغرقها خطاب الفريق أول عوض بن عوف في نهار سقوط النظام السابق، مجرد أن نطق الجنرال آخر كلمة في البيان، هنا يكتمل"الانتقال". من النقطة "أ" الدكتاتورية إلى "ب" الديموقراطية.

هنا قد يقول قائل، لكن الديموقراطية لم تكتمل بعد البيان، فتكون الإجابة ومن قال أن الديموقراطية أصلاً "تكتمل"؟ الديموقراطية عملية وممارسة وسلوك ممتد ليس فيه بداية ولا نهاية.. وإلا لكان ممكناً شراء "كيلو ديموقراطية" من السيوبرماركت أو أية كمية حسب الطلب..

في عز الديموقراطية عند الدول الديموقراطية المتقدمة قد تُرتكب أفعالاً وممارسات لا علاقة لها بالديموقراطية، مثل الهجوم على مبنى الكابيتول في واشنطون من جانب أنصار الرئيس المغادر دونالد ترمب، ففي واحة الديموقراطية إرتكب رأس الدولة فعلاً عالم ثالثياً شنيعاً.. دون أن يقول أحد أن دولة الديموقراطية سقطت.. اليدموقراطية عملية وسلوك وليست علامة تجارية Brand إلا عند الدول الدكتاتورية التي تحاول تزوير حالة كونها ديموقراطية مثلما فعل السودان في عهد الرئيس نميري عندما تحول الاسم إلى "جمهورية السودان الديموقراطية".

و مثل انتقال المادة من حالة "الجماد" إلى "سائل" ثم إلى "غاز"، كالثلج يتحول بالحرارة إلى ماء ثم مزيد من الحرارة يتبخر في الهواء.. فالانتقال هنا يحدث في لحظة قصيرة عندما تتحول الحالة إلى حالة.

أما ما يحدث بعد ذلك، فهو عملية بناء الدولة، وهي مستمرة لا تكتمل، فليس لها نقطة نهاية، فلا تزال ديموقراطية أمريكا وبعد أكثر من 250 سنة منذ تأسيسها تتطور و تتغير..

 

comment / reply_from

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة التيار