dark_mode
Image
Sunday, 27 November 2022
إنقلاب الفريق عبود في 17 نوفمبر 1958 ووصاية الجيش على الحكم في السودان (1-2)عبد الله علي إبراهيم 

إنقلاب الفريق عبود في 17 نوفمبر 1958 ووصاية الجيش على الحكم في السودان (1-2)عبد الله علي إبراهيم 

 

مرت بيوم 17 نوفمبر الماضي الذكرى الرابعة والستين لانقلاب الفريق إبراهيم عبود في 1958 بعد عامين من استقلال السودان في 1956. وبدأت بذلك عهود النظم العسكرية كان هو فيها الأول من ثلاث حكمت لثلاثة وخمسين عاماً من سنوات استقلال السودان الست وستين. وتخللتها ثورات للديمقراطية أطاحت بها واحداً بعد الآخر. ولم تدم النظم الديمقراطية العاقبة لسوى ثلاثة عشر عاماً في الحكم.  قال الفريق عبود في بيانه الأول الذي استنسخته بيانات الانقلابات اللاحقة:  كلكم يعرف ويدرك ما وصلت إليه البلاد من اضطراب وفوضى. وإننا إذ نقوم بهذا التغيير لا نرجو من ذلك نفعاً ولا كسباً، ولا نضمر لأحد عداء، ولا نحمل حقداً. ولذا أطلب من الجميع أن يلزموا السكينة والهدوء. كل يقوم بعمله بإخلاص تام للدولة . . . كان الجيش يراقب أملاً أن ينصلح الحال، وتتغير الأوضاع إلى ما هو أحسن. ولكن وصل الحال إلى مرحلة لم يعد فيها رجال الجيش قادرين التحمل والسكوت. لم يكن أمام القوات المسلحة غير التقدم واستلام زمام الأمر لتصحيح الأوضاع ووضع حد للفوضى، وإعادة الأمن والنظام".   ووصاية الجيش على الوطن حين تضطرب البلاد وتضربها الفوضى مما تسمعه ليومنا من الفريق ركن عبد الفتاح البرهان في خطاباته للشعب والجيش. وأركان هذه القوامة صدق حس الجيش بنذر الخطر على أمن البلاد واستقرارها جراء عجز السياسيين في الحكم. وهي قوامة، من الجانب الآخر، لها ما يبررها لأن الجيش خلا من الغرض السياسي فلا ينتظر من قوامته "نفعاً ولا كسباً" من ذلك الذي يكدر حكم السياسيين.  لم يكن عبود وحده من اقتنع أن الديمقراطية فشلت فشلاً مؤذناً بالخراب وأن الجيش المبرأ من السياسة لها يستنقذ البلاد من شرورها. ففكرنا السياسي في غالبه مطابق لعقيدة الجيش عن نفسه أي من خلو وفاضه من السياسة. وترجع هذه المسألة إلى ملابسات اتصلت بانقلاب عبود. فاشتهر الانقلاب بأنه كان "عملية تسليم وتسلم". فوقع الانقلاب إثر خصومة سياسية أزعجت عبد الله خليل رئيس الوزراء ووزير الدفاع عن حزب الأمة. فطلب من عبود تسلم الحكم في صلاحية الطوارئ حتى يصفو الجو السياسي. ولتحول ذلك الأمر بالطوارئ من وزير الدفاع إلى انقلاب كامل الدسم قصة تطول. وكانت واقعة تسليم الحكم من سياسي حاقن على بيئة الديمقراطية وشقاقها وتسلمه من الجيش هي التي روج لها فكرنا السياسي برهاناً على أن السياسة مما يهب على الجيش من المدنيين.   وجاءت الانقلابات اللاحقة في 25 مايو 1969 و30 يونيو 1989 بما عزز فكرة إيحاء المدنيين للجيش بالانقلاب التي كان مبتدأها في "تسليم وتسلم" عبد الله خليل للفريق عبود في 1958.    فتواضعنا على أن الشيوعيين هم من أوحوا للجيش بانقلاب 25 مايو كما أوحى الإسلاميون للجيش بانقلاب 1989. والدلائل على خلطة الشيوعيين والإسلاميين بالانقلابيين قائمة. ولكنها دون ترجيح القبول بعقيدة أن لوح الجيش خال من السياسة تماماً، وأنه تحت الخدمة متى وسوس له مدني بالانقلاب.  لا تتفق الأدبيات السياسة اللاحقة مع قولنا بخلو الجيش من السياسة ونعراتها مع ما يبدو وضوح عملية "التسليم والتسلم" في 1958.  فقالت بعض الأدبيات إن "بريق الانقلابات العربية والأفريقية"، في قول أحد الضباط، مما اعشى عيون صفوة الضباط في الخمسينات. وكان أحد ضباط الانقلاب وسكرتير المجلس الانقلابي، العقيد حسين على كرار، قد عاد من مصر وقتها مبهوراً بما رآه من منزلة الجيش في المجتمع. وقال في التحقيق معه بعد سقوط النظام في 1964 إنه عاد من مصر ووجد مناخاً للانقلابات يريد به الناس تدخل الجيش لينعموا منه بما نعم به شعب مصر تحت حكم الجيش. وقال زميل له أن كراراً زاره في موقع عمله خارج الخرطوم "وجس نبضه عن الانقلاب".  ونواصل

 

 

 

comment / reply_from

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة التيار