dark_mode
Image
Sunday, 27 November 2022
أثر تعدُّد الجيوش على مُستقبل العمليّة السِّياسيَّة في السُّودان

أثر تعدُّد الجيوش على مُستقبل العمليّة السِّياسيَّة في السُّودان

 

 

الخرطوم: خالد فتحي 

 

شكّلت ثورات الربيع العربي،نقطة تحوُّل في دور الجيوشببلدان المنطقة العربية والشرقالأوسط، تلك الثورات أعادتالجيوش إلى الواجهة و أظهرتهاكواحدة من العوامل المؤثرة فيالعملية السياسية. بعد فترةطويلة نسبياً من النسيانوالإهمال في السنوات التيأعقبت التحرر والاستقلال التيلعبت فيها الجيوش أدواراًمفصلية، حدث هذا في تونسومصر ونجح إلى حد كبير، دونأن يحالفه النجاح في اليمنوسوريا وليبيا، فانزلق الصراعالسياسي إلى أتون حرب أهلية. 

 

 هنا في السودان، ارتفع الحديثعن الجيش بعد خروج المتظاهرينتوالياً ضد نظام البشير لـ"113"يوماً ابتداءً من ديسمبر 2018محتى أبريل 2019. تلك الأيام التيتُوِّجت بتنظيم اعتصام أمام مقرالقيادة العامة للجيش بالخرطوم. لكن المشهد في السودان لم يكنمثالياً فبعد 58 ، وقعت مجزرةمُروّعة ضد المعتصمين أمام قيادةالجيش ومن وقتها لم يعدالمتظاهرون يعولون على الجيشكثيراً كما سلف.

 

 المشهد ازداد تعقيداً بعد تدبيرقائد الجيش عبد الفتاح البرهانلانقلاب عسكري ضد حكومةرئيس الوزراء عبد الله حمدوك في25 أكتوبر 2021م، ولم تتحرّكقيادة الجيش إلا بعد أن تلقتنوعاً من إشارات الرضا من قادةالحركات المسلحة التي انضمتإلى حكومة الفترة الانتقالية بعدتوقيع اتفاق سلام جوبا في 3 أكتوبر 2020م. 

 

 بموجب اتفاق جوبا، تحوّلتجيوش الحركات المسلحة منقوات متمردة إلى قوات تتمتعبغطاء قانوني في انتظار إنفاذالترتيبات الأمنية. وهكذا صارتأشبه بجيوش موازية بقياداتمستقلة عن رأس الدولة. بصورةتشابه إلى حد كبير تعقيداتالمشهد في لبنان وجنوبالسودان وفي إثيوبيا حيث المثالالأوضح لذلك.

 

 في خضم تعقيدات المشهد تلك،تبرز ثمة تساؤلات تطرح بقوة عنأثر تعدُّد الجيوش على العمليةالسياسية في السودان؟ وإلى أيِّمدىً أسهم وجود الجيوش وحَمَلَةالسلاح على الأثر السياسيللقوى المدنية؟ وما هي الدوافعوراء التحالف بين القوىالعسكرية، الذي أسهم بشكلٍمباشرٍ في التمهيد للانقلابالعسكري وتفويض عمليةالانتقال؟ مع الأخذ في الاعتبار أنهذه القوى تنطلق من رؤىومنطلقات سياسية وفكريةمُختلفة وظلّت في حالة عداءٍواقتتال لسنوات طويلة، فكيفإلى رؤى مشتركة ووحدة انتهتإلى تحالف انقلابي؟ ما هيالروابط المُشتركة التي جَمعت هذهالقِوى المُتباينة ووحّدتها ضدالمدنيين انتهت بالاستيلاء علىالسُّلطة؟ كيف يُمكن تحصينعملية الانتقال وما بعده في ظلوجود هذه الجيوش؟ هل يُمكن أنتكون برامج DDR ذات تأثير قويفي الحالة السودانية.؟

 

وحسب كثير من المُتابعين، فإنّتلك التجارب ليست إيجابيةوتنذر بكثير من الخطر. فماالعمل؟! سيّما أنّ تعدُّد الجيوشأصبح واقعاً، فيبقى السؤال إلىأيِّ مدىً يُمكن أن تؤثر علىمستقبل العملية السياسية فيالسودان أثناء الانتقال وما بعده؟لأنه من الصعوبة وربما منالمستحيل إجراء عملية سياسيةتفضي إلى دولة مدنية ديمقراطيةعندما يظل الجانب العسكريمزيجاً غامضاً من المسلحين،سيّما وأنّ التحالفات السياسيةيُمكن أن تتبدّل وتتغيّر في أيِّوقتٍ. 

 

ميراث الحرب الأهلية

 

العضو السابق بمجلس السيادةالانتقالي، أحد أبرز مهندسياتفاق سلام جوبا محمد الحسنالتعايشي يقول لـ(دارفور 24): "ما نشاهده الآن هو ميراثالحرب الأهلية المتطاول فيالسودان، تدخُّل الجيش فيالسياسة، وفشل تنفيذ اتفاقاتالترتيبات الأمنية. تعدُّد الجيوشليس فقط مُهدِّداً للسلامالاجتماعي فحسب، بل هو عقبةحقيقية أمام بناء ديمقراطيةمستدامة في السودان".

 

يشير التعايشي إلى أن اتفاقجوبا برئٌ من زيادة التعقيداتفي الأزمة السياسية في السودان،ويقول: “جوهر الأزمة هو عدمالالتزام بما تم الاتفاق عليهوانعدام الإرادة في تنفيذ أحكاماتفاق الترتيبات الأمنية”. 

 

يضيف التعايشي: اتفاق جوبالسلام السودان، ربط ما بينقضايا السلام وقضية إكمالالبناء الديمقراطي، وقد ارتكز علىثلاثة مبادئ جوهرية، إكمالالترتيبات قبل الانتخابات، بناءجيش واحد وتشكيل آلياتمُحَدّدَة تقوم بمهام تفصيلية تمّتحديدها في الاتفاقية وهي كمايلي:-

 

 

إصلاح القطاع الأمني، بناءالجيش الواحد وتشكيل قوةمشتركة بعد التدريب لحفظ الأمنوحماية المدنيين عبر آليات القيادةوالسيطرة (المادة 25.2 مساردارفور) وهي:-

 

اللجنة العسكرية العلياالمشتركة ولجنة وقف إطلاق النارالدائم، تتم خلالهما إجراءاتتنظيم حركة القوات و المؤنوالإمدادات ومعايير ومناطقتجميع قوى الكفاح المسلحواستلام القوائم بأسماء المقاتلين.

 

المجلس الأعلى المشترك (المادة26.7) يشرف على عملية دمجقوات الحركات المسلحة فيالمؤسسة العسكرية والأجهزةالأمنية بتحديد مناطق التجميع،والإيواء ومعايير دمج الأفراد. 

 

 

نزع السلاح من المقاتلينوتسريحهم وإعادة دمجهم فيالمجتمع عبر المجلس الأعلى لنزعالسلاح والتسريح وإعادة الدمجالذي يختص بوضع سياساتنزع السلاح والتسريح وإعادةالدمج (المادة 30.4 مسار دارفور).

 

 

تشكيل قوة حفظ الأمن فيدارفور (المادة 29.1.1 مساردارفور) بقوام 12 ألف فرد قابلةللزيادة تتشكّل من (القواتالمسلحة السودانية، قوات الدعمالسريع، قوات الشرطة، قواتجهاز المخابرات العامة وقواتالحركات المسلحة الموقعة علىاتفاق مسار دارفور) بمهامواضحة تتمثل في حماية المدنيينوإسناد الدفاع المدني في حالاتالطوارئ البيئية والكوارثالطبيعية وجمع السلاح وتقنينالمركبات غير المُرخّصة ونشر قواتشرطية منها، لتأمين قُرى العودةالطوعية ومعسكرات النازحينوفتح المسارات بمناطق التماسبين المُزارعين والرُّعاة وغيرها منالمهام. 

 

 

 مجلس الأمن والدِّفاع 

 

يقوم بوضع وإجازة الخطةالعامة المتعلقة بالإصلاحوالتطوير والتحديث للمُؤسّسةالعسكرية والأجهزة الأمنيةالأخرى لإصلاح قوانين ولوائحالمؤسسة العسكرية والأجهزةالأمنية الأخرى وبناء جيشوطني مهني واحد بعقيدةعسكرية جديدة مُوحّدة يعكسالتنوُّع السُّكّاني ويدافع عنالمصالح العليا للسودان ومُتابعةالتنفيذ الذي يتم عبر المجلسالأعلى المُشترك، ومجلسيالسيادة والوزراء وتوفير المواردالمطلوبة لتنفيذ خُطة الإصلاحإضافة إلى لجنة الأمن والدفاعبالمجلس التشريعي أيضاً لمُراقبةتنفيذ الخُطة.

 

-  "لقد أعطت اتفاقية جوبا قضيةالترتيبات الأمنية أهميةخاصّة، ولكن أحكام الاتفاقيةدون إرادة حقيقية ستصبحمُجرّد نصوص".

 

 

- "الحركات المسلحة عادةً ماتشترط الاحتفاظ بقواتهاكضامن لتنفيذ أي اتفاق سلاممع السلطة القائمة، إلى أيِّمدىً يُمكن أن يُعطِّل هذاعمليات نزع السلاح والدمج؟يجيب التعايشي: الأحكاموالنصوص بشأن الاتفاقيةواضحة وضوح الشمس بشأن
- الترتيبات الأمنية كما بيّنت ذلكفي السؤال السابق، ولكنالحركات المسلحة لم تظهرأدنى حد من الجدية والاهتماموالإرادة لتنفيذ أحكام الاتفاقوالتي إذا ما طبقت بعد عامينمن التوقيع لكانت الأوضاعالأمنية وقضايا النازحين وكلالمجتمعات في مناطق النزاعتحسنت كثيرًا”. 

 

 

وسط هذا المشهد المعقد يرىالتعايشي: “أن أفق الحل يكمنفعلاً في تبني سياسات خلاقةوفعالة تجاه الذين يتم تسريحهم. إعادة المُسرّحين إلى المجتمع دونبرامج وشروط تأقلم غير مفيدة ولاتعالج المشكلات الاقتصاديةوالاجتماعية، هناك فرصٌ للتدريبالفني والمهني، وكذلك بناءمشروعات إنتاجية مرتبطةبطبيعة الإنتاج لكل مجتمع هذاهو التوجه الجديد لضمان عدمتدوير العنف. إنجاح هذه الرؤىيكمن في العودة إلى المسارالصحيح لتنفيذ الاتفاق، الاتفاقيةصُمِّمت لتسير جنباً إلى جنب معالانتقال الديمقراطي، المناخالانقلابي الحالي غير صالحلتنفيذ أية جزئية من جزئياتالاتفاق. ثم ضرورة الاتفاق علىمصفوفة جديدة للتنفيذ. وتشكيلجميع الآليات والتي لم يُشكّلمنها ولا 1%.

 

الحركات المسلحة أجسام شائهة

 

المقدم بحري المتقاعد عمر أربابوهو شخصية عسكرية نشطة،تعرّض للإيقاف الشديد قبلالإحالة إلى التقاعد عن الخدمةالعسكرية في 2019م بسببمواقفه المناهضة تنكيل نظامالرئيس البشير المتظاهرين ضده. 

 

 

يقول المقدم أرباب لـ(دارفور 24): "إن الحركات المسلحة أجسامشائهة ليست أحزابا سياسية ولاجيشاً نظامياً وتحمل البُعدالقبلي والسياسي والعسكري،بالتالي إن الحركات ترى العسكرأقرب إليهم أكثر من المدنيين.

 

 

وأوضح أرباب أن قادة هذهالحركات يعتقدون أنّ في مرحلةالتفاوض الأولى تم تهميشهم مماقادهم إلى تحالف مع العسكر،مُضيفاً أنّ هذه الأسباب ليستمُقنعة في سبيل التحالف معالمؤسسة العسكرية لإجهاضالممارسة الديمقراطية خلال الفترةالانتقالية.

 

 وعن تعدُّد الجيوش بعد اتفاقجوبا يرى عمر ارباب أن الفترةالانتقالية يجب أن تكون فترةلتمهيد الطريق لممارسةديمقراطية حرة ونزيهة بعيدة عنأي أطر، واعتبر الحديث عن سلاحلخوض الانتخابات ينافيالديمقراطية نفسها والعمليةالسياسية المنطقية، بالتاليعملية الإصلاح وإعادة الهيكلةودمج المليشيات بما فيها الدعمالسريع داخل جيش واحد، لافتاًإلى ضرورة أن  تتساوى الأحزابالسياسية في التنافس.

 

إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية

 

وقال المقدم أرباب، إن الوضعالمثالي الذي يجب أن تتساوىعليه كل القوى السياسية لتوحيدالجيش وطني وأحزاب سياسيةمدنية تتنافس على العمليةالانتخابية، وأضاف وجود حركاتمسلحة تحمل السلاح وتنافسفي صناديق الاقتراح هذا لا يقودإلى عملية ديمقراطية، واعتبر مَنيرفض نتيجة الانتخاب لا يلجأللأجهزة العدلية ويذهب لحملالسلاح والتمرد.

 

ويشير إلى أن قياس الانتخاباتفي ظل هذا الوضع يُعتبر أمراًغير رشيد ولا يخدم الديمقراطية،ولا بد من حل المليشيات باعتبارهاواحدة من أهداف ثورة ديسمبرالتي ينبغي أن تعمل عليهاالحركات.

 

واتّهم الحركات المسلحة بأنها غيرحريصة على العملية الديمقراطيةوتريد السلطة ولا وجود لهاسياسي، وجميع المكاسب تحققهابواسطة استخدام السلاحوالمزايدة السياسية بالعودةللحرب، وقال إنه الصوت الذيالأعلى الآن الذي ينطلق من قادةالحركات.

فيما يتعلق بإسهام وجودالجيوش وأثرها السياسي فيالقوى المدنية يشير  المقدم عمرأرباب إلى أن انضمام الحركاتالمسلحة للانقلاب العسكري أربكالمشهد السياسي بصورة كبيرةداخل القوى المدنية والحركاتالتي خسرت الكثير من الأراضيوالقيم التي كانت تُنادي منأجلها وهي ترفع السلاح، عملتالآن على انتهاكها.

 

ويقول إن الحركات ممارسةللفساد المُعلن بدون حياءٍ من قِبلقائد حركة مسلحة ووزير مالية،ويضيف أن شكل الدولة الآنأصبحت دولة مليشيات ولم تكنالأطراف جميعها سواء كانتمدنية أو عسكرية أو حركاتمسلحة حريصة على الترتيباتالأمنية التي تمّت في اتفاقيةجوبا، ولم تتخذ أية خطواتلعملية دمج القوات.

 

 ويشير أرباب إلى أن ما نفّذ مناتفاق سلام جوبا إعادة دمج قادةالحركات في السلطة، واصفاًالوضع في البلاد بالمُعقّد ولا يمكنالانتقال إلى دولة مدنية رشيدة مالم يتم تصحيح هذا الوضعبصورة كلية، وتابع: “خوضعملية انتخابية في ظل هذهالمرحلة يعتبر مجازفة كبيرة،وبالتالي لا يعبر عن إرادة الشعبولن تأتي بنتائج مقبولة لكلالأطراف مهدد للأمن القومي”.

 

 

 

وحذر حال لم يتم الوصول إلىجيش مهني موحد يصبحالسودان محفوفاً بالمخاطر،واصفاً حديث مبارك أردول عن أنالفترة الانتقالية ليست فترةإصلاح المؤسسة العسكرية بـ”الجهل” والتفكير السطحي، وقالإنه لم ينظر للقضية بصورةواضحة، وأضاف أن الفترةالانتقالية لترتيب هذه الأوضاعحتى يخوض الشعب الانتخاباتبفُرصٍ مُتساويةٍ.

 

ويضيف عمر ارباب: إن العمليةالانتخابية ستأتي بحزب لرئاسةالدولة ولن يتدخّل في إعادة هيكلةالمؤسسة العسكرية مهما كانالتفويض الممنوح لها، وإنالمؤسسة العسكرية يجب أن تكونبمعزل عن الجانب السياسي،وتساءل هل يتم في كل دورةانتخابية إعادة هيكلة القواتالمسلحة؟

 

وزاد: إن من أبرز مهام الفترةالانتقالية إصلاح الأجهزة العدليةوالأمنية، واعتبرها واحدةً منالأخطاء الكارثية في الوثيقةالدستورية التي تجاهلت إصلاحالأجهزة الأمنية التي أوكلتللمكون العسكري، لافتاً إلى أنهذه القضايا تحتاج إلىمؤتمرات يقودها أهل الشأن منالعسكر بالخدمة والمعاشوالاستعانة بخبراء أجانب ليتمإصلاح ودمج الجيوشوالترتيبات الأمنية وعملية دمجالجيوش والمناهج التعليميةوالتي تحتاج لمُعالجة بعيداً عنالصراع السياسية.

 

مخاطر تعدُّد الجيوش علىمستقبل العملية السياسية فيالسودان دفعت رئيس بعثةيونيتامس، فولكر بيرتس للحديثفي أكثر من مناسبة بأن السودانلن يشهد استقراراً مع تعدُّدالجيوش. وفي سبتمبر الماضي،قال فولكر في مقابلة مع قناة“الحدث” إن الجيش والعسكر لابد أن يكونا جزءاً من المؤسساتولكن خارج السياسة، وإنالسياسيين يجب ألا تكون لهمجيوش خاصة، وأشار إلى أنالحركات المسلحة لديها مشروعيةمعينة في اتفاق جوبا، وشدد فيذات الوقت على أن مستقبلاستقرار السودان لا يمكن أنيتحقّق وفي البلاد 5 إلى 7 جيوش.

 

وأضاف: "لذلك في إعلاندستوري أو سياسي سيكونهناك اتفاق على ما يسمىبإصلاح القطاع الأمني ودمجالقوات المختلفة

comment / reply_from

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة التيار