إلى ذلك // عبدالله على ابراهيم ( يونيو 1969: عيد للوحدة . . . بأية حال )

0
15

 

 

(يمر علينا غداً التاسع من يونيو وهو يوم تلزم الفطنة السياسية أن نرعى حقه. فهو يوم من أيام أعياد الفكر الماركسي في السودان بعد نحو ربع قرن من قدومه للسودان.  ففي هذا اليوم من عام ١٩٦٩، وبعد انقلاب مايو، صدر الإعلان الأول في الدولة السودانية لتقوم على مفهوم التنوع الثقافي وحسن إدارته. وجاء الشيوعيون بهذا الخيال لبناء الأمة التي طغت الإسلاموعربية (بمصطلح اليوم) هوية للأمة بين صفوتها في مؤتمر الخريجين. كان يوماً استثنائياً للحفاوة بالتنوع.  وكتبت هذه الكلمة عن موكب للجنوبيين في ذات اليوم من عام 2009 يدعون للانفصال. لم يسقط 9 يونيو لا بالتقادم ولا بالهرج. ولن يسقط (.

كنت أنوي الكتابة عن الأستاذ محمد حسنين هيكل وكيف “يَطَلِع” زيت التاريخ منا متى تناول ماضينا. فمتى خاض في تاريخنا تذكرنا بصورة مفاجئة أن لنا تاريخاً بالفعل يتطفل عليه هذا “الود بمبا”. وهذا الطقس الفكري المعادي لهيكل “حالة” تاريخية لا شغل تاريخي. وصفته في مقال قديم بكتابي “الثقافة والديمقراطية” (1996) وقلت إنه ينتمي إلى خطاب مصري-سوداني سميته “دفع الافتراء” من عنوان كتاب للمؤرخ محمد عبد الرحيم رد فيه على “افتراءات” هيكل مصري آخر هو محمد حسين هيكل باشا في كتابه “عشرة أيام في السودان” (1926؟).

ولكن وجدت في موكب جوبا “الانتباهي الجنوبي” قبل أيام سبباً أدق للحديث عن غفلتنا عن التاريخ. وهو موكب أطلقت به جماعة “شباب من أجل الانفصال” الجنوبية صافرة التصويت الباكرة لقسمة البلد في “نفرة الانفصال”. ووددت من صحافتنا أن لو كانت أكثر دقة في تقدير حجم التظاهرة بما يتجاوز “حاشد” و”آلاف” إلى حساب خبير دقيق. فطالما نحن قبائل استفتاء فالعدد في الليمون أيضاً. وهو موكب غير بريء أو شبابي تلقائي. فقد نَفَّرهم إليه بالواضح السيد بيتر قاباندا أمين المجلس التشريعي في الجنوب مثل ما يفعل بنا اتحاد المحامين في مناسبات النظام المعلومة.

لا أعرف لو توقف شباب النفرة عند يوم موكبهم: التاسع من يونيو. ولا أدرى إن كان قد ترامى نحوهم صدى من التاريخ عن اليوم. فالتاسع من يونيو واحد من أعياد جيلنا التقدمي الغراء لوحدة السودان. ففي 9 يونيو 1969 تحديداً صدر ما عُرف ب “إعلان التاسع من يونيو” كأول إعلان يصدر أبداً من “السلطان” في الخرطوم عن بناء السودان الجديد (لو شئت) باعتبار للتنوع الذي يسم أهله. ففيه اعترفت حكومة مايو (بعد مرور أسبوعين من انقلابها) بالتباين التاريخي والثقافي بين الشمال والجنوب وأن بناء الوطن المتآخي لا يتم إلا باعتبار هذه الحقائق الموضوعية. وأَمَن الإعلان على حق الجنوبيين في تنمية ثقافاتهم في سودان اشتراكي متحد. وسيكون منح الجنوب الحكم الذاتي الإقليمي هو الإطار السياسي لذلك البعث للجنوب وللوطن. واشترط الإعلان لنجاح ذلك الحكم أن تتمتع الجماهير بالديمقراطية وبالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وقال د. أحمد سكينجا بحق إن ذلك الإعلان خرج من “فرث ودم” فكر الشيوعية السودانية وممارستها. وبنبرة شخصية أذكر مجلسي في يوم تال للإعلان إلى أستاذنا عبد الخالق محجوب والرفيق جوزيف قرنق، وزير شئون الجنوب بحكومة نميري وعضو مكتب حزبنا السياسي، بعيادة الدكتور عز الدين على عامر ببيوت الأوقاف جنوبي ميدان أبو جنزير. وكانوا استدعوني لتعريب الإعلان من نصه الإنجليزي الذي وضعه قرنق. وحكيت لكم قبلاً كيف توقفنا عند أفضل السبل لتعريب عبارة ما. وهذه مجامع أستاذنا والرعيل فجئني بمثلهم! (الزينين الكملو الضَلو وراهم هِملو.)

وأحسن سكينجا مرة أخرى حين قال إن اتفاقية أديس أبابا 1972، التي أنهت دورة أخرى من الحرب الأهلية، قد خرجت من “فرث ودم” ذلك الإعلان. ولم ير الشيوعيون أنفسهم في تلك الاتفاقية إيجابية واحدة بغض النظر وناصبوها العداء. فتفرق التاريخ. وصار إعلان التاسع من يونيو نسياً منسياً.

لم يطرأ هذا التاريخ بالطبع لأهل المظاهرة. فالذي ألهمهم اليوم الموعود هو “المستقبل”. ففي التاسع من يناير 2011 سيكون الاستفتاء على تقرير المصير. وعزم المتظاهرون أن يخرجوا في التاسع من يونيو وكل شهر قادم ليعطوا “النقارة عصا والحلة عيطة”: وآ انفصالاه. والانفصال الخارج من “فرث ودم” تقرير المصير حرية كما سبقت إلى تكرار ذلك. وكحرية فالانفصال لا يقوم إلا على بصر حديد بالماضي. ولذا كانت تظاهرة جوبا قفزة في الظلام.

وددت فقط لو ذكر الشانئون لنا إعلان 9 يونيو 1969كخدمة استثنائية للوطن المتنوع طالما وقع انقلاب مايو ودولته من السماء وتحمله الحزب الشيوعي.

 

 

اترك رد