المسكوت عنه في الحياة السودانية..

0
31

 

من ودعدلان إلى زمن البرهان (18)

 

بقلم/ د. محمد قسم الله محمد إبراهيم

في مدينة مدني قبل سنوات كان أحد سائقي البصات القديمة العاملة بين حي المزاد والسوق الكبير يحتفي بعبارة مدهشة يكتبها بالخط العريض على خلفية البص (الصداقة راحات) ومنذ ذلك اليوم الذي رأيتُ فيه تلك العبارة أو ربما الحكمة أيقنتُ أنّ (الراحات) ليست فقط في (العمارات) ولا (المكيفات) فقد تكون كذلك في الصداقات، الشاهد إنّه حتى (الراحات) باتت اليوم في حياة الناس عسيرة المنال في ظل الواقع المعيشي الجامح الموسوم بمواسم الشدة منذ زمن كاتب الشونة مروراً بمجاعة سنة ستة ومجاعة زمن النميري، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور في زمن البرهان فإنّ شيئاً لم يتغير في مكابدة الحياة وشظفها لدى قطاعات عريضة من السودانيين.

وكأنّ لعنة الأرض قد أصابت هذا السودان،فاستكتبت هذه اللعنةعلى السودانيين رهق الحياة وعنتها لكافة السكان الذين استوطنوا هذه البقعة والتي لم تكن رغم اتساعها منبت وفرة وكفاية فائضة، بل كانت دوماً في مرمى سهام الفاقة والفقر وندرة الموارد وفشل الإدارة.

واللعنات في الميثولوجيا والميتافيزيقيا وحتى في الأديان والمعتقدات واردة تماماً ومثبتة ولا يُمكن إنكارها بأي حال،مثل اللعنة التي حلّت على الأفعى في إغوائها حواء لتأكل من الشجرة المحرمة ثم تعطي منها آدم وكانت سبباً في مفارقتهما الجنان، فصارت الأفاعي ملعونة تسعى على بطنها وتأكل التراب، ربما كانت لعنة قديمة أصابت هذه الأرض والعياذ بالله منذ أيام حام وكنعان بعد الطوفان والقصة طويلة على ما فيها من الإسرائيليات في هذا الخصوص.

مهما يكن من أمر فقد أضعنا مشروع الجزيرة والذهب الأبيض عماد اقتصاد السودان فالأراضي الشاسعة في هذا البلد بقطاعها التقليدي الزراعي هي التي طالما رفدت الخزينة العامة بالموارد المالية والمنتوجات الزراعية والحيوانية كانت ولا تزال هي العمود الفقري إذا تركنا الاستنكاف الذي اعترى اقتصادنا والمُنظِّرين فيه فراحوا يبحثون عن الذهب وأحلام الثراء في موارد لا تساوي شيئاً قياساً للثروات الكامنة في الماء والأرض والثروة الحيوانية المهملة، لماذا لا نُعيد تأهيل مشروعاتنا الضخمة في الجزيرة وامتداد المناقل والرهد ودلتا طوكر وخور أبوحبل والشمالية، ثروتنا في أرضنا قلّتْ أم كثُرت هي قسمتنا كشعب في هذا العالم أرض وزراعة وماء علينا أن نحسن استثمارها شئنا ام أبينا ، لم تهبنا الطبيعة آبار البترول والإنتاج الضخم مثل دول الخليج ولذلك لن يُجدي (التشعلق) بالدول المنتجة للبترول وإدعاء الرفاه، فإنتاجنا كان بائساً قياساً لما تنتجه الدول التي عبر منتوجها النفطي رسّخت للتنمية والبنيات الأساسية ووفرت لمواطنها مستوىً معيشياً مرفهاً بل انشأوا لمواطنيهم وزارات للسعادة، ليس أمامنا إلا هذه الأرض كي نفلحها لتدر علينا القليل من الموارد، وإلا فليس من طريق آخر إلا الاستدانة التي استمرأتها الحكومات واستسهلتها لتسددها الأجيال القادمة سيئة الحظ أو أن تسأل الحكومة المانحين إلحافاً أعطوها أو منحوها كشأن حكومة البرهان وحمدوك التي هرولت سبعة أشواط ثم لا تزال خزينتنا خاوية والسوق يفعل الأفاعيل بالمواطن ورجل الشارع العادي حتى ازداد الناس فقراً على فقر، لقد أضعنا سنوات البترول على بؤسها وتركنا لها للأسف مواردنا الحقيقية في الزراعة والثروة الحيوانية.

غير إنّه ورغم كل شيء تبقى الشخصية السودانية هي التي أنتجت كل هذا المنتوج الآني البائس على مر السنوات شئنا أم أبينا، أنتجنا هذا الفشل المزمن بكفاءة منقطعة النظير، فالسوداني وحده بدرجات متفاوتة هو المسئول عن كل ماحاق بهذا السودان لم يشاركنا أحد في زراعة الفشل وحصاد الفشل على مدار السنوات.
لقد اعتاد السودانيون على حياة الشظف ولا يزال الهامش كما يطلقون علىه اصطلاحاً يستحوذ على المساحات الأكبر في السودان ويطبع حياة الناس هنالك بالنزوح وصعوبة المعيشة وجدليات الصراع بين المركز والهامش، حتى تخوم الخرطوم تجد الفرد تستغرقه رحلة البحث عن مصفوفة طويلة من حاجياته المتجددة في مقابل موارد مادية محدودة فيما يسمونه المشكلة الإقتصادية.ولا غضاضة في ذلك فثمة نسبة غير متناسقة بين الموارد والحاجيات لدى غالبية خلق الله وإلا لما كانت هنالك مشكلة تبحث علوم الإقتصاد في حلها واستحدثت في سبيلها عشرات النظريات منذ أيام آدم سميث، غير إن الحالة السودانية في (معافرة) هذه الفجوة فريدة وقد استطالت ولازمت الاقتصاد السوداني وأرهقته، في حين تجاوزت كثيراً من بلدان المحيط الإقليمي بالعمل الجاد هذه المعضلة وباتت المعيشة نسبياً في معدلات أفضل من تلك التي تتوافر للسودانيين في الحد الأدنى، الشاهد أنّ التفاوت والفروقات الفردية (individual differences) تتضخم أحياناً فتفرز وراءها آثاراً سالبة تظهر في ممارسات المجتمع وعلائق أفراده على المدى.
وتؤثر إقتصاديات الفرد بطبيعة الحال حتى على سلوكه العام فلا يمكن أن نتصور أحدهم مبتسماً منفرج الأسارير وقد خرج تاركاً بيته أفرغ من فؤاد أم موسى.
ولذلك ليست سخونة الطقس هي المسؤولة وحدها عن سر التجهُّم والإكفهرار الذي يعتلي وجوه السودانيين، فثمة عنصر آخر لا يُستهان به تتجاهله دوائر القرار ومراكز الدراسات الإستراتيجية وهو المشكلة الإقتصادية سابقة الذكر والتي ظلت سمة للحياة السودانية وكابدها كل سوداني منذ أن عرفوا السكني في هذه الأرض التي (لملمها) الإنجليز على عجل وأسموها السودان. ولذلك مكونات الشخصية السودانية ومعطياتها وفقاً للبيئة المحيطة ومحتواها النفساني يتأثر بالضرورة بهذه المعطيات وينسحب ذلك على الأداء العام المتدنِّي، وينعكس كذلك في هذا التجهم الملحوظ والشرود الذهني والعاطفي (والطرطشه) وضعف المردود والكسل الذي نلمحه كثيراً في بعضنا في الشارع العام.
منذ مجاعة سنة (ستة) بل منذ أيام عمارة دنقس وعبد الله جماع كابد السودان عبر السنوات ضغط الحياة الإقتصادية وحتى (SudanىCall) والمجاعة المشهورة في عام 1984م حين حفر الناس بيوت النمل بحثاً عن حبات الذرة وجاءت مجموعة (نحن العالم) تهتف بقيادة مايكل جاكسون (We are the world, we are the children, We are the ones who make a brighter day, so let’s start giving so let us start giving)
ولا يزال الناس يتذكرون شعارات الجوع الكافر ينهش أعماق مدينتنا الإنسان ولبن البودرة الهولندي (وعيش ريغان)، والأهزوجة الشهيرة (أنت يا ريغان ما قصرتا معانا)
تاريخ طويل طويل وحافل للسودانيين في مكابدة واقع صعب المراس صنعته مقادير متداخلة أفرزت هذا الواقع الإقتصادي الكالح بكل ملحقاته واختلالاته السياسية والاجتماعية.

وليس غريباً أن نطالع في زمان الناس هذا عشرات المشكلات الإنسانية التي تدمي القلوب وآلاف التلاميذ الذين يمضون سحابة النهار في المدرسة بلا وجبة فطور. الأمر لا يعدو والحال هكذا حلقة أخرى من حلقات عنت (المعيشة) الذي استحكم في واقع الحياة السودانية منذ عشرات السنين، فالمسألة الإقتصادية الحالية تراكمية سيئة تمضي بمتوالية هندسية نحو الأسوأ، وصلت ذروتها في عهد حكومة حمدوك الحالية.
لم يكن المجتمع مخملياً غارقاً في الرفاه يوماً واحداً، حتى في بواكير العهد الوطني كابد الناس مشقة الحياة وبساطتها لكنها أفضل عشرات المرات من واقع اليوم، وفي سنوات النميري حلم الناس بانفراجه إقتصادية دغدغتها أحلام البترول وشركة شيفرون، ثم رأينا النهضة الخليجية الهائلة بسبب البترول الأمر الذي جعلنا نتحسر على (ميلة البخت) وهاجر الآلاف باكراً إلى هنالك واستمتعوا بحياة أكثر رغداً حتى جاءنا مثلهم البترول متأخراً جداً وحلمنا بالرفاه المأمول والإنعتاق من ربقة الفقر المجتمعي المزمن ولكن كأنه قدر مقدور ذهب البترول(شمار في مرقه) ولم يذهب الفقر المجتمعي الذي يتلون كل يوم في كارثة جديدة بين أفراد المجتمع وسلوكيات الناس.
لم يعرف السودانيون عبر السنوات بسطة العيش ورغد الحياة والرفاهية هذه حقيقة لا تحتاج لإحصاءات مالية الحكومة ولا (عدادات) جهاز الإحصاء المركزي، فقد كانت قطاعات عريضة من مجتمعنا تعيش (بسترة الحال) وكانت الطبقة الوسطى تستحوذ على الغالبية الغالبة بينما كانت الطبقة الرأسمالية محدودة وكانت الرأسمالية آنذاك في بواكير العهد الوطني على أصابع اليد الواحدة تحظى باحترام بالغ في أوساط مجايليها وقد عرفوها بالعصامية والدأب وإسهامها الكبير في عمليات الإنتاج وحركة الإقتصاد الكلي.

تاريخياً أُشتهرت رموز بعينها تختزنها الذاكرة الجمعية للسودانيين أنشأوا ثرواتهم على مدى السنين رويداً رويداً ولم يصبح على الناس صباح جديد فيجدوا أمامهم فجأةً مليارديراً جديداً كما هو الحال الآن مع أثرياء زمن الغفلة الذين يتزايدون مثل نبات (السلعلع) حتى تشابه علينا البقر وأفسدوا على الناس طعم الحياة.
لقد أصبح اكتناز المال كيفما اتفق وحيثما اتفق سمة للكثيرين دون مراعاة للقيم والأعراف الدينية والأخلاقية والمجتمعية ولذلك تجد بعض هؤلاء يبحث عن توليد المليارات بلا كوابح إبتداءً من ممارسة نشاطات هلامية وإلى المضاربات بالعملات والعقارات واستيراد نفايات العالم من الأغذية والمعدات تلك النفايات التي تستعجل إرسال العشرات من أبناء هذا السودان المكلوم إلى العالم الآخر ليس العالم الآخر الذين يسافرون إليه بالطائرات ولكن العالم الآخر الذي يسافرون إليه عبر شرفي والبنداري وحبيب الله. ودعونا نتسآءل هنا لماذا تتزايد معدلات الإصابة بأمراض لم يكن يعرفها السودانيون إلى وقت قريب مثل أمراض السرطانات والفشل الكلوي؟ إنها النفايات والأغذية الفاسدة والمبيدات القاتلة التي تتسلل أمراضها لأجساد المنهكين وتتسلل عوائدها القذرة وملياراتها إلى جيوب الأثرياء غير عابئين بالأشلاء وهذه أزمة أخلاقية في المقام الأول.
الشاهد أنّ ما يُشبه السُعار قد أصاب بعضنا في تكالبهم على اكتناز الأموال والبحث عن أقصر طريق للغنى السريع دون كوابح وهو أمر لم يكن معهوداً سابقاً، في مصر وبعد الإنفتاح في عهد السادات في النصف الثاني من السبعينات ظهرت على السطح واجهات جديدة من رجال الأعمال المصريين لم تتورع هذه الفئة الجديدة عن استيراد لحوم القطط المعلبة وظهرت عمليات فساد غير مسبوقة وقتها في سبيل جني المزيد من الأموال ولا أدري هل ترانا قد ابتدرنا عصر انفتاح جديد على الطريقة المصرية الساداتية وقد جنح الناس لاستسهال الثراء وتزايدت أعداد الأثرياء وتناقصت مشروعات الإنتاج، والطبيعي أن تتزايد مشروعات الإنتاج والمصانع نتيجة تزايد هؤلاء الأثرياء وحركة أموالهم وتدويرها في الإقتصاد وبالتالي الإسهام في إحداث تغييرات هيكلية جذرية في الاقتصاد الوطني كنتيجة لدوران عجلة الإنتاج وتشغيل الطاقات. ولا أدري كيف تسمح الدولة بتدوير كتلة نقدية هائلة يمتلكها بعض الأثرياء هنا وهنالك دون أن يكون لهذه الكتلة الهائلة منتوج فاعل وكفء في هيكل الإقتصاد العام وعمليات الإنتاج؟ ثم ألم تسأل الدولة نفسها من أين يجني هؤلاء الأثرياء أموالهم المتزايدة مع عدم وجود مشروعات إنتاجية ملحوظة؟! من أين يكسب هؤلاء؟؟!! وطالما كانت الدولة تسمح بأن يتم تدوير أموال ضخمة كهذه في نشاطات غير منتجة وغير حقيقية فإنها بذلك تعطي الإذن لقطاعات واسعة للتجاوز وارتكاب موبقات تصيب إقتصادنا بالمزيد من المهلكات التي لا مخرج منها إلا بالإتجاه الحقيقي للإنتاج وتفكيك الكتلة النقدية الضخمة الهائمة في أيدي من يستسهلون الثراء حين يستخدمونها في تجارة السلع المضروبة والأغذية المعلبة الفاسدة ومضاربات الدولارات والأراضي الناصية ومدارس التعليم الخاص ذات الخمسة نجوم ومشافي الأجنحة الفندقية. بالله عليكم أيهما أجدى إنشاء مدارس برسوم (متلتله) تذهب فوراً لصاحبها بالدولار؟ أم مشروع في سهل البطانة ينتج السمسم الذي يذهب لمصانع الزيوت في منطقة الصناعات ويعمل فيها العشرات من الفنيين المؤهلين ليخرج إنتاجهم إلى ميناء التصدير فتعود الدولارات لصاحبها بالدولار وللخزينة العامة بالدولار؟!!. ليس عصياً أن تتجه الدولة لتعبئة المدخرات وتلك التي تدور في فلك الأنشطة الهلامية السهلة وإعادة تدويرها في مشروعات حقيقية منتجة لصالح الجميع ولو بالقوة الجبرية بما يشبه المحفظة ولكننا لا نعرف (أكتر من الحكومة) خصوصاً حكومة أفندينا حمدوك التي خذلتنا وخذلنا الخبير الأممي الذي يبدو إنه أفندي مثله مثل البيروقراطيين الحكوميين الذين يعملون بروتينية قاتلة ثم ينتظرون راتب آخر الشهر، نعم فشل حمدوك للأسف في استنباط الحلول والبدائل الجديدة التي تسهم بعض الشيء في استنقاذ مافعلته آلة الفشل منذ ودعدلان إلى زمن البرهان.
لقد فسدت حياة الناس منذ سنوات حين صار أكبر الهم ومبلغ العلم كنز الأموال كيفما اتفق وحيثما اتفق. والدولة حين أهملت دورها الرقابي دخلت مفاهيم لم تكن مألوفة وعندما أطلقت الدولة يد سياسة التحرير فإنها لم تنعكس إلا وبالاً على اقتصادنا وعلى عامة الناس ولذلك فقد انقلب سحر التحرير الإقتصادي على الساحر الدولة التي تبنته وقتها دون مؤهلات في بلد كالسودان يعاني اختلات هيكلية ممعنة في التعقيد ولم تجنِ الدولة من سياساتها غير المزيد من الإنفلات الإقتصادي وشيئاً فشيئاً أفرغت سياسة التحرير خزانة الدولة من الأموال التي ذهبت هنيئاً مريئاً لجيوب الذين يمارسون بالوكالة مهام هي من صميم عمل الدولة حين انسحبت منها طائعة مختارة تحت بند التحرير والخصخصة سيئة الذكر.
وهكذا وفي غمرة اللهاث اليومي خلف الحاجيات ومطلوبات الحياة اليومية في واقع ينحو بكلياته نحو (رسملة المجتمع) فقد تكسرت النصال على النصال وفقد الناس طعم الحياة عندما كانوا يستمتعون (الكبير والصغير الغني والفقير) بالجلوس في (ضُل الضحي) تحت حوائط (الجالوص) يأكلون (الكسرة البايته بالويكه) قبل أن يحترف أثرياء زمن الغفلة استجلاب طقوم السفرة والشوكة والسكين من الصين وماليزيا وقبل أن يعرف الناس (الطماطيق الأفرنجية) البيرقر والبيتزا والهوت دوق.
كانوا جميعاً وقتها يتقاربون في مستويات الحياة ونمط المعيشة ولذلك لم يكن بينهم شاذ لا في الفكر ولا في الأخلاق ولم يكن الناس يقرأون في (الجرايد زمان) أخبار إغتصاب الأطفال وضرب الوالدين بالعكاز والعياذ بالله.
كانوا جميعاً يستمتعون بأحمد المصطفى والجاغريو وعبد الحميد يوسف والكابلي وعلي المك، يتعشون بفول كشك في الدويم أو فول كشك في مدني وشية (دندورة) في الجنينة.ذلك قبل أن تتبدَّل ميول الناس فيستمعون للأغاني (الهشك بشك)، وقنبلة سماحة الزول في الطول والعُلا.
كان المزاج العام معتدلاً في كل شيء في الفن والأدب والرياضة والسياسة والإقتصاد، وحتى حين (يسكرون) يسكرون بأدب وحين يسرقون يسرقون بأدب ولذلك حتى الإختلاسات وقتها لم تكن (على عينك يا تاجر).
إعتدال المزاج العام كان بمثابة صمام الأمان ومن مُمسكات المجتمع الذي تدهورت مكوناته في السنوات الأخيرة بصورة متسارعة حين صار الناس يلهثون خلف السلطة والثروة في شكل جماعات ضغط إثنية تخللتها جماعات المصالح والإنتهازيون الذين إمتلأت بهم الساحات ومجالس المدائن. ومآل الحال نزاعات هنا وهناك وحروب تشعلها لعبة المصالح وعنت وضيق في معاش الناس وتغييرات سلبية في القيم الموروثة وأخلاقيات المجتمع أفرزتها الوضعية الجديدة لضعف اقتصاديات الدولة حين انسحبت من تخطيط عمليات الإنتاج وتوجيهه.
ليست المشكلة الوحيدة في إختلاسات المال العام لكن الأخطر منها هي إختلاس إحساس الناس حين يصبح كل الناس أدوات جامدة تبحث فقط عن المال بلا قيم ولا موروثات أخلاقية عرفية ودينية ليس على مستوى الباحثين عن الثراء السريع في قمة الهرم المجتمعي فحسب، ولكن على مستوى أسفل هرم المجتمع عند أولئك الذين يحلمون ببضعة جنيهات تشتري لهم بضعة أرغقة (وموية فول)، فالجميع والحال هكذا يفقدون لذة الحياة وبساطة الحياة في دوران الآلة الوحشية الضخمة التي يتحكم فيها أثرياء زمن الغفلة.
أخيراً .. من أوجب واجبات الدولة أن تعيد للحياة بريقها وسهولتها وأن تسعى جاهدة لضبط الاقتصاد وتفعيل آليات توجيه الإقتصاد نحو الإنتاج الحقيقي ورفع معدلات الدخل القومي وعدالة التوزيع، إن الخطورة على اقتصادنا ليست فقط في الفساد واختلاس المال العام وانعكاسات ذلك على المجتمع حين تتسرب مقدرات الدولة بعيداً عن خدمات المواطنين.. إختلاس إحساس الناس محور لا ينبغي إهماله فليس مطلوباً أن يكون الإنسان (مشلهتاً) آناء الليل وأطراف النهار في سبيل البحث عن (لقمة كسرة) وجرعة دواء وذلك مدعاة للكثير من الممارسات السالبة فقد يقتل وقد يسرق وقد يرتكب الموبقات في سبيل الحصول على حاجاته ولذلك ليس مستغرباً أن تجد أحدهم يأكل وهو لا يدري أنه يأكل المهم هو يزدرد طعاماً ما لا يدري كنهه ولا طعمه عسى أن يقوم من جديد لدورة أخرى من العنت المتواصل، وليس من حقنا أن نندهش_ على الأقل من وجهة نظري_ للتجهُّم الذي يعتلي سحناتنا منذ أول الصباح فالإحساس تم اختلاسه وفقد الناس القدرة على التفاعل والإنفعال الإيجابي وغاب اعتدال المزاج العام وظهرت الحركات المطلبية منذ سنوات طويلة والممارسات السالبة والنفاق والغش و(حَرَاق الروح).
أخيراً جداً.. للدولة آلياتها في مواجهة الإختلاس لكن على الدولة كذلك أن لا تنسى آلياتها الواجبة لمجابهة إختلاس إحساس الناس إحترازاً واحتراساً

 

 

اترك رد