إلى ذلك // عبد الله علي إبراهيم (الدعاك الكباشي والماركسية: كان يأنف بيع اللبن فصار إلى بيع قوة عمله )

0
54

 

 

ذكرتني كلمة أخيرة غراء لصديقي كمال الجزولي عن كتاب “منازل الظعائن” للسفير إبراهيم الكباشي عن يوم لي معه. فقد تكرم السفير بدعوتي للحديث عن كتابه في يوم تدشينه بقاعة بلدية أم درمان قبل سنوات قليلة.  ولا خلاف أنه تخيرني لأبحاثي عن أهله شعب الكبابيش الذين نشأ بينهم إلى يومنا. وأذكر أني احتفيت بتوافد وجوه وشباب الكبابيش وعترته من السادة الصوفية آل الكباشي. وقلت إن تدشين الكتب مناسبة استجدت في حياتنا.  ومن آيات حسنها الباكر أنها مما تلتقي عندها، بفضل مثل السفير الكباشي، جماعات لم تكن الحفاوة بالكتاب الحديث من شواغلها.  

 نبه كمال إلى عمق دلالات مفردات سيرة الكباشي. وكنت توقفت في قراءتي للكتاب عند حكايته عن راعي غنم اسمه (الدعاك) أخذت بلبي السياسي. فقال إن معلمه في مدرسة حمرة الشيخ الأولية أرسله ليشتري منه لبنًا بخمسة قروش. وبعد أن امتلأ السطل باللبن مدَّ إبراهيم للدعاك بالقروش. فتغير وجه الدعاك ورفع سوطه وكاد ينزله على ظهره. وقال مستنكراً: “أنا أبيع اللبن؟”
ومرَّت الأيام، فإذا بتصاريف القدر تضع الكباشي في طريق الدعاك مرة أخرى. فكان تسلم من أحد الخيرين فطرة رمضان وطلب منه أن يعطيها لأحد النازحين بسبب المجاعة إلى العاصمة. فجاء إلى مضارب النازحين من الكبابيش فدلوه على رجل اسمه الدعاك يحرس عمارة تحت التشييد، ويعمل بالنهار يرفع أكياس الاسمنت للطوابق العليا.  

صار الدعاك يبيع ذراعه وهو الذي كان يأنف أن يبيع اللبن. ليس في علم السياسية عندنا من ينظر إلى ما آل إليه دعاكيك بلا حصر أخلت سياسات الحكومات المتعاقبة الكأداء يدهم من ملكياتهم الصغيرة من ماشية أو زرع فتقاطروا على المدينة يعرضون للبيع قوة ساعدهم.  

ربما وحدها الماركسية هي التي ملكت سر تحول الدعاك من رجل يأنف بيع اللبن في البادية إلى أجير مدينة. وهي وحدها التي أرادت للسياسية أن تأخذ بمصلحته لا تني بلوغاً إلى الاشتراكية. فلقد نشأت الماركسية نفسها في سياق التحولات الرأسمالية الأوربية التي زلزلت حيوات مثل الدعاك زلزلة. فجاء في البيان الشيوعي لماركس وإنجلز ما يلي عن دعاعيك أوربا: 

والبرجوازية حيث ظفرت بالسلطة دمرت كل العلاقات الإقطاعية من كل لون، التي كانت تربط الإنسان بسادته الطبيعيين، ولم تُـبق على أية رابطة بين الإنسان والإنسان سوى رابطة المصلحة البحتة، والإلزام القاسي بـ الدفع نقداً”. وأغرقت الرعشة القدسية للورع الديني، والحماسة الفروسية، وعاطفة البرجوازية الصغيرة، في أغراضها الأنانية المجرَّدة من العاطفة، وحولت الكرامة الشخصية إلى قيمة تبادلية، وأحلّت حرية التجارة الغاشمة وحدها، محل الحريات المُـثـبَتة والمكتسبَة التي لا تحصى. وبكلمة أحلّت استغلالاً مباحاً وقحاً مباشراً وشرساً، محل الاستغلال المُغلَّف بأوهام دينية.  

ولم يقتصر البيع في ترسمنا سكة الرأسمالية المتوحشة تحت نظم اللصوص على قوة الساعد بل إلى الضمير. ونبه أستاذنا عبد الخالق محجوب إلى هذه التجارة في دفاع أعده ليلقيه أمام محكمة عسكرية في ١٩٥٩. وعرض فيه بصورة غير مسبوقة ما ينتظر أخلاقنا الدعاكية متى قيّل الاستبداد في بلادنا وبات. وعرض لتهمة خصومه بأن الشيوعيين خطر على التقاليد السودانية. فدفع التهمة لا من موقع الدفاع بل من موقع الهجوم. فالذي يبيت الشر للتقاليد السودانية هم الديكتاتوريون من يصادرون أسمى تجلياتها وهي حب الحرية والصراحة. 

 فسأل أستاذنا عبد الخالق محجوب إن كانت الماركسية مخالفة لتقاليد بلادنا كما يدعي البعض. وأجاب إن قولهم مجرد تباك ممن صمتوا عندما كانت هذه التقاليد تتعرض لأكبر محنة تحت حكم الإنجليز في حين “وقف الرجال ذوو الفكر الشيوعي والوطنيون في رجولة وثبات ضد المحتلين الإنجليز لم ينكسوا الجباه ولم ينفذوا أمراً للمستعمرين. هذه هي التقاليد السودانية التي حق لنا أن ندافع عنها”. وأضاف وأصداء من البيان الشيوعي تترامى في كلمته: 

إننا نفهم التقاليد السودانية مرتكزة في حب الحرية والصراحة والشهامة. وفوق ذلك كله في قولة الحق. ونفهم أن هذه التقاليد انحدرت إلينا من المجتمع القائم على الملكية الجماعية للقبيلة فتأصلت في نفوسنا. ولكن هذه التقاليد عرضة للانهيار بالتدريج إذا تحطم أساسها واندفعت البلاد في طريق الأنانية والفردية التي تعبر عن المجتمعات الرأسمالية والإقطاعية. والذين يقودون البلاد في هذا الطريق هم المسؤولون عن ضياع القيم التي نعتز بها. وهذا ما جرى لكثير من البلدان التي سارت في ذلك الطريق المؤلم الذي تحف به الأشواك من كل جانب. لا أظن عاقلاً يستطيع اتهام الفكر الشيوعي بهذه التهمة. فليفتش الباحثون عن غيرنا في هذا السبيل. 

إننا نقول الحق ونقول للأعور أنت أعور معبرين بذلك عن أسمى القيم السودانية والقيم البشرية. ولكن إذا أصبحت في بلادنا دولة بوليسية فإن قولة الحق تصبح في محنة، وتُضرب تقاليدنا السودانية في الصميم”  

وذكر أستاذنا حادثة صحفي كان يكيل النقد للمعونة الأمريكية وسرعان ما غير رأيه بعد انقلاب عبود في ١٩٥٨ وقبوله لها. فصار يتحدث عن الجوانب الإنسانية في المعونة الأمريكية. وقال أستاذنا و”تألمت كثيراً يومذاك لأني أعرف جيداً خطر هذا الطريق على تقاليدنا. وأعرف الألم الذي عاناه الأخ الكاتب وهو يكتب أمراً ضد رأيه ومعتقداته: 

لا افتخار إلا لمن لا يضام     مدرك أم محارب لا ينام 

واحتمال الأذى ورؤية جانيه     غذاء تضوى به الأجسام 

ذل من يغبط الذليل بعيش   رب عيش أخف منه الحرام 

هذا هو الخلق السوداني المنحدر إلينا من تراث العرب وقد ضمته أرض أفريقيا وغذته”.   

وأذكره رحمه الله دنا مني يوماً وقال: “النصيحة قطعت مصاريني”. وكانت هذه العبارة مما ورد في مقال لي في ذلك اليوم عن الشيخ حمد النحلان جد آل الترابي. وصادفت عبارة الشيخ العتيق هوى في نفس الرجل المعنى بالحق . . . والدعاك بالذات. 

 

 

اترك رد