العدالة الانتقالية والإرادة السياسية

0
11

 

 

 

بقلم :المستشار القانوني فائز بابكر كرار

العدالة الانتقالية مؤسسات وآليات تقوم بتشكيلها الارادة السياسية والتنفيذية قبل أن تحكم تطبيق نصوصها المؤسسات العدلية والقضائية.

سبب تعطيل وتأجيل العدالة الانتقالية إنعدام الرؤية المنهجية للإرادة السياسية والتنفيذية.

تشير القواعد أن العدالة الانتقالية بأنها منهجية تطبق عندما يكون نظام العدالة العادى غير قادر على تحقيق استجابة مناسبة لعمليات الانتهاكات، وعادة ما تطبق عند مراحل التحول والتغيير.

 

أن الثابت والمسلم به من نصوص الوثيقة الدستورية انها تعتبر وثيقة اتفاق سياسي لحكم المرحلة الانتقالية متفاعلة مع قضايا العدالة الانتقالية وليست وثيقة عدالة انتقالية خالصة وهذا التمييز خلق فجوة بين تطبيق العدالة الانتقالية والارادة السياسية الحاكمة وأهداف التحول الديمقراطي.

 

المؤسسات العدلية والقضائية غير معنية قانوناً بتشكيل هياكل العدالة الانتقالية وأن ذلك من سلطات الإرادة السياسية والتنفيذية بموجب أحكام الوثيقة الدستورية، وأن استقلالية السلطة القضائية والنيابة العامة وحيادها تجعلهما يقفان عند مسافة واحدة لتطبيق العدالة وحماية المصلحة العامة.

 

لايمكن تطبيق العدالة الانتقالية إلا بعد تحقيق الأمن الاقتصادي والسلم الاجتماعي للمواطن .

 

اختلاف الرؤية المنهجية بين الإرادة السياسية سبب تعطيل وتأجيل العدالة الانتقالية.

 

يحق للمجتمع معرفة الحقيقة والبحث عن العدالة ومعرفة هوية مرتكبي الانتهاكات وفى ذلك يمثل المجتمع دوراً هاماً في حماية حقوق الإنسان ويقدر القانون الإنساني الحق في القصاص والمحاكمات، وإن مبادرات البحث عن الحقيقة وتحقيق العدالة تتخذ وجوهاً وأشكالاً متعددة، بغرض التحقيق لجان تحقيق وطنية مستقلة قضائية وغير قضائية تهدف للتقصي ومعرفة الحقيقة وإصدار التوصيات والتقارير للجهات العدلية والقضائية بمعاونة أجهزة الدولة في كشف الانتهاكات والجرائم.

 

الحقيقة والمساءلة واسترداد الأموال والفساد والجرائم الاقتصادية ذات علاقة بالانتهاكات وحقوق الإنسان، لانعدام تعريف محدد ومنضبط للفساد يجعل الفساد عاملاً أساسياً فى حدوث الانتهاكات مما يجعل مكافحة الفساد من أولويات العدالة الانتقالية، وفي ذلك تتطلب العملية مراجعة شاملة للمؤسسات الدولة وإعادة بناء هيكلتها لضمان الاستقلالية والمحافظة على سيادة حكم القانون من خلال تدابير الإصلاح البنيوي والأطر القانونية السليمة والربط بينها ومقاربات العدالة الانتقالية في معالجة منع التجاوزات والانتهاكات على أساس التوزيع العادل وتطبيق العدالة الجنائية فى المحاسبات من خلال تطبيق استراتيجية الملاحقة القضائية وعدم الإفلات من العقاب.

 

كيفية الوصول للعدالة الجنائية:-

أن من مرتكزات تحقيق العدالة الانتقالية معرفة الحقيقة وتحديد هوية مرتكبي الجرائم هي التي تسعى لجان التحقيقات في الوصول إليها وتطبيقها من خلال برامج جبر الضرر باعتبار العدالة متجذرة في المساءلة وجبر الضرر، ومن محددات نوع العدالة الانتقالية هي الظروف السياسية والقانونية للدولة.

بناء على ذلك أن نهج لجان التحقيق يتوقف على الارادة السياسية والظروف القانونية التي تسمح بالقيام بمهام التحقيق مع وجود مؤسسات عدلية وقضائية تستقبل نتائج التحقيقات وتفصل فيها.

السؤال هل حالة المرحلة الانتقالية في السودان تعد مرحلة عدالة انتقالية خالصة؟

 

من خلال مدارسة الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية نجد أن أهم المعالم فيها بعد إلغاء العمل بالدستور تظل القوانين الصادرة بموجبه سارية مالم تلغ أو تعدل المادة(2 ) من الوثيقة، وكذلك المؤسسات القائمة على الدستور تظل قائمة مالم تحل أو تعدل المادة(73 ) الأحكام العامة من الوثيقة الدستورية، والمادة (8) جاءت مفصلة مهام الفترة الانتقالية الواجبة التنفيذ خلال المرحلة الانتقالية التي تعتبر مشروع نهضوي قائم على توافق سياسي وبصريح العبارة جاء في الأحكام العامة المادة(73 ) استمدت من الاتفاق السياسي.

الأمر الذي يجعلنا نقول إن المرحلة الانتقالية مرحلة حكم انتقالى متفاعل مع قضايا العدالة الانتقالية وأهم الملامح لقضايا العدالة الانتقالية جاء فى ديباجة الوثيقة الدستورية…وفقاً لمشروع نهضوي متكامل، ،،وسعياً لإنفاذ تدابير العدالة الانتقالية ، وعضد ذلك في الأحكام العامة المادة(71) بأن الوثيقة الدستورية مستمدة من الاتفاق السياسى وهذا تأكيد دور الإرادة السياسية والتنفيذية في تطبيق العدالة الانتقالية.

 

الإرادة السياسية وتحقيق العدالة ونجاح لجان تقصي الحقائق :-

 

أن دور تحقيق العدالة ونجاح التحقيق يتوقف على الإرادة السياسية والتنفيذية وتفاعلها مع قضايا العدالة الانتقالية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وذلك من خلال القيام بتشكيل آليات العدالة الانتقالية، وبالرجوع للوثيقة الدستورية نجد أن كل مهام التحقيق واللجان وتشكيل المفوضيات الخاصة بالعدالة الانتقالية من مهام وسلطات السلطة التنفيذية .

أولاً/ الوثيقة الدستورية في ديباجتها قائمة على تأسيس دولة القانون والالتزام بالأهداف المتوافق عليها سعياً لإنفاذ تدابير العدالة الانتقالية، وفي المادة(6) تلتزم السلطة الانتقالية بتطبيق مبدأ المساءلة.

ثانياً/ مايؤكد أن برنامج مهام الفترة الانتقالية متفاعل مع قضايا العدالة الانتقالية حيث جاء في المادة(8) المحاسبة ، والإصلاح القانوني وجبر الضرر، وتفكيك بنية التمكين.

ثالثاً/ لجان التحقيق وتقصي الحقائق في مهام الفترة الانتقالية وردت على سبيل التقيد والحصر في المادة(8) الفقرة(16) تشكل لجنة تحقيق وطنية مستقلة لإجراء تحقيق في الانتهاكات التى وقعت في 3 يونيو 2019 ، ويعتمد تعيينها رئيس الوزراء، ويشمل أمر تشكيلها ضمانات استقلاليتها، وعند الاقتضاء لها حق طلب دعم أجنبي أفريقي.

رابعاً/ لجان التفكيك والمحاسبة وآليات التشريع في سلطات مشتركة بين مجلس السيادة والوزراء مجتمعين.

وتأكيداً لدور الإرادة السياسية والتنفيذية من سلطات واختصاصات مجلس الوزراء

جاء في المادة (8) مهام الفترة الانتقالية الفقرة(1) تنفيذ مهام الفترة الانتقالية والفقرة (16)من المادة أعلاه تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة، و الفقرة (5) تشكيل المفوضيات المستقلة، وفي المادة (39) الفقرة (4) يعين مجلس الوزراء أعضاء مفوضية العدالة الانتقالية، إذ يعد هذا الدور الفعال خالصاً للإرادة السياسية والتنفيذية.

نخلص ونستنتج أن العدالة مؤسسات مستقلة قبل أن تكون نصوصاً وأحكاماً تطبق، وإن تعطيل وتعجيل العدالة منعقد على دور الشراكة السياسية والتنفيذية، وإن مبدأ الاستقلالية والحياد يجعل السلطة القضائية والنيابة العامة تقفان عند مسافة واحدة بجانب العدالة وتحقيق المصلحة العامة.

لذلك واجب الإرادة السياسية والتنفيذية تشكيل مؤسسات العدالة الانتقالية من واقع أن السودان يمر بمرحلة فترة انتقالية تشكلت فيها مؤسسات الدولة وأجهزتها وفق توافق سياسي لتنفيذ وثيقة دستورية تستمد أحكامها من الاتفاق والتوافق السياسي المادة (71) من الوثيقة الدستورية بأن تفضي الفترة الانتقالية الى تحول ديمقراطي.

 

هل يقتضي التحول الديمقراطي عدالة انتقالية؟

هذا الاستفهام الإجابة عليه نسبية في تحديد ديمقراطية الانتقال من غير عدالة انتقالية لأن أدبيات التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية تختلف من دولة لأخرى، لكن الأهم كيفية معالجة مفاهيم العدالة الانتقالية لأن الأصل في العدالة ليست انتقالية ولايمكن أن تكون انتقائية فقط يختلف المدى الذي يمكن أن تطبق فيه العدالة وفق قاعدة (فن العدالة الانتقالية ) في الموازنة بين تطبيق القانون ومجابهة المخاطر، وبالمقابل تعتبر العدالة الانتقالية وتحقيقها في إطار تبنيها من الدول من معايير نجاح عملية التحول الديمقراطي.

تفسير: انتهاج حكومة المرحلة الانتقالية في السودان لنهج التفاعل مع قضايا العدالة الانتقالية يعود إلى اعتبار إنها جسر عبور بين العدالة والانتقال الديمقراطي.

 

سيادة القانون والعدالة الإجرائية :-

من المثل والمفاهيم الراسخة مبدأ العدالة الاجرائية واحترام سيادة القانون اتساقاً مع المعايير الدولية الداعمة لحقوق الإنسان التي توجب سلامة الإجراءات العدلية وتمنع التجاوزات القانونية.

وإن من معضلات تطبيق القانون وتنفيذ العدالة الانتقالية انعدام الرؤية المنهجية والإرادة السياسية، وعدم الاستقرار القانوني والتجاوزات القانونية، وتفشي روح الانتقام السياسي وشخصنة القَانُون، وانعدام الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وتضارب الرؤى السياسية وآحادية التفكير.

لأن أصل الانتماء المفاهيمي والمعرفي للعدالة الانتقالية مراعاة منهجية القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهذا الانتماء يشمل العدالة الاجتماعية والاقتصادية والحقوق المدنية والسياسية، وفي جانب الحقوق المدنية والسياسية تدخل أولويات المرحلة الانتقالية في تحقيق السلام الشامل الذي يجب من خلاله معالجة قضايا العدالة الانتقالية ومنع الانتهاكات، والالتزام بالاتفاقيات المترتبة من عمليات السلام.( المادة 68 من الوثيقة الدستورية قضايا السلام الشامل وفي الفقرة (7) البدء في إجراءات العدالة الانتقالية).

 

العدالة الانتقالية والمصالحة:-

تعد المصالحات من أهم الضمانات لنجاح العدالة الانتقالية وبلوغ التحول الديمقراطي وإن السلام هو قاعدة المصالحات الوطنية، والمصالحة بمفهومها الواسع النطاق تعني محاسبة من أجرم واسترداد ما نهب من أموال، وإن جميع تجارب الدول التي حققت نجاحاً في العدالة الانتقالية كانت متضمنة للمصالحات وإن انتقائية المحاسبة والمساءلة السياسية لاتخدم تحقيق العدالة الاجتماعية ولا تضمن سلاسة الانتقال الديمقراطي واستقرار المجتمع، وإن من أسباب فشل وتعطيل العدالة والتحول الديمقراطي اختلاف الرؤية والمنهجية في التعامل مع المصالحات.( المادة 69 القضايا الجوهرية لمفاوضات السلام الفقرة (12) العدالة الانتقالية والمصالحة وإنصاف الضحايا)

 

العدالة الانتقالية والعلاقات الدولية:-

من الأهمية والموضوعية عند تطبيق العدالة الانتقالية والإجراءات لابد من النظر للمعاهدات الدولية والإقليمية التي تحكم رؤوس الأموال المستثمرة في السودان، وعند صدور قرارات اللجان والتدابير في المصادرة والتأميم، لأن ما انجز من انفراج في العلاقات الدولية قد تعصف به قرارات داخلية من لجان غير مدروسة العواقب والنتائج مما قد تخلق أزمة علاقات دولية جديدة سببها رؤوس الأموال المستثمرة في السودان،سببها مخالفة الأطر القانونية السليمة والمستقرة من حيث المبدأ والقانون، والتدابير والقرارات التى تصدرها اللجان مفتقده لمعايير الحماية وحفظ الحقوق، قد تخلق وتسبب أزمات دولية محتملة مدخلها رعاية حقوق الإنسان، وحماية رؤوس الأموال المستثمرة والشراكات في المشاريع الاستثمارية.

( المادة 8 مهام الفترة الانتقالية الفقرة(13) وضع سياسة خارجية متوازنة تحقق المصالح الوطنية، وتحسن علاقات السودان الخارجية، قائمة على رعاية المصالح المشتركة) .

ختاماً :

أن انعدام الرؤية المنهجية للعدالة الانتقالية وغياب دور الإرادة السياسية والتنفيذية ،وانعدام الأمن الاقتصادي والاجتماعي، والتجاوزات القانونية وانعدام الموازنة والاستقرار القانوني في تطبيق العدالة، بالإضافة لتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية التي تحكم السيطرة على الراهن وتناقض موقف الشركاء السياسيين والمشاركين فى وضع الوثيقة الدستورية، والمتاجرة بقضايا العدالة خلق صورة ذهنية لدى المجتمع المطالب بالعدالة أن التعطيل سببه المؤسسات العدلية والقضائية في حين أن العدالة مؤسسات مستقلة قبل أن تكون نصوصاً وأحكاماً تطبق ومن واجب الإرادة السياسية والتنفيذية بموجب أحكام الوثيقة الدستورية العمل على تشكيل مؤسسات وآليات العدالة الانتقالية.

 

 

اترك رد