الحلقة الأولى الجيش والسياسة كيف دخل العسكر في صراع السلطة؟

0
28

 

ظلت مشاركة الجيش في الحكم مثار جدل لسنوات طويلة في السودان، باعتبار أن حكمه تغلب عليه الشمولية والديكتاتورية والتضييق على الحريات العامة في البلاد، ما يتنافى مع الأعراف والتقاليد السائدة في دول العالم المتحضر.

تحقيق: بهاء الدين عيسى

وبالعودة إلى الماضي، لعب الجيش أدواراً مهمة في تاريخ السودان الحديث، فمنذ استقلال البلاد في يناير 1956، حكم ثلاثة من ضباطه البلاد 52 سنة تقريباً وعلى فترات حكم مختلفة، في حين لم تكن مدة حكم المدنيين طويلة، إذ لم يتجاوز عمر ثلاث حكومات منتخبة ديموقراطياً الـ10 سنوات.

وعلى الرغم من أن الأحزاب السياسية راسخة، ويعود بعضها إلى ما قبل الاستقلال، لم تتمكن من تهيئة بيئة سياسية يستطيع المدنيون من خلالها توجيه دفة الحكم.

(1)

يربط بعض المراقبين في الشأن السياسي فشل الأحزاب المدنية في تحقيق ذلك إلى سلوك العسكر الذي فرض قيوداً على حريتها وعطّل نشاطها في كثير من الأحيان، ويسود اعتقادٌ داخليٌّ في السودان بأن وجود أحزاب، حتى تلك غير الموجودة في السلطة، يُعدّ في ذاته نجاحاً كبيراً.

كما أن هناك اتهام بأن القوات المسلحة تنقلب على الشرعية والديمقراطية ،والتجارب هنا في السودان كثر في الإطاحة بالنظم الشرعية المنتجبة، بينما المدافعون عن الجيش لديهم وجهة نظر أخرى ويقولون إن الانقلابات كانت بأوامر حزبية أو بإيعاز منها على أقل تقدير.

أولى الديكتاتوريات

عقب الاستقلال شُكّلت أول حكومة مدنية في البلاد، كان للحزبين الرئيسيين في ذلك الوقت “الاتحادي الديمقراطي” و”الأمة” دور رئيسي في تكوينها، بيد أن عمر تلك الحكومة لم يتجاوز ثلاث سنوات، إذ تمكن الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958 من الوصول إلى السلطة وتسلم الحكم في انقلاب عسكري، هو الأول في تاريخ البلاد.

وشرع عبود على الفور في عسكرة البلاد، وحل الأحزاب وعطّل الدستور، لكن مسلكه في الحكم لم يكن نموذجاً لعسكريين آخرين تمكّنوا من الوصول إلى السلطة في ما بعد، فلم ينشئ حزباً سياسياً واضح المعالم، إلا أنه منح مجالس الحكم المحلية مَزيداً من السلطة وحرية العمل، واعتمد في ذلك على سند ديني قدمه له زعيما أكبر طائفتين في السودان، هما طائفة الختمية بزعامة علي الميرغني، وطائفة الأنصار بزعامة عبد الرحمن المهدي.

وكان للطلاب دور بارز في إنهاء حكم عبود، فبدأت شرارة الاحتجاجات من جامعة الخرطوم، التي كانت تقود دفة المعارضة حتى تاريخ إسقاط الحكومة في أكتوبر 1964.

(2)

جعفر النميري

تمكن العقيد جعفر محمد نميري من إنهاء ثاني فترة حكم ديمقراطي في السودان، عبر انقلاب عسكري جديد حمله إلى السلطة في 25 مايو 1969. كان مسلك النميري في أول فترة من حكمه مشابهاً لمسلك الفريق عبود، في حل الأحزاب وتعطيل الدستور، لكنه كان مختلفاً عنه، إذ جاء إلى الحكم مُحمّلاً بعقيدة يسارية. ووجهت التهم إلى الحزب الشيوعي بتدبير الانقلاب. وعزز من تلك الفرضية، وجود بعض الشخصيات المحسوبة على الحزب الشيوعي آنذاك في الحكومة، مثل القيادي فاروق أبو عيسى الذي كانت له أدوار كبيرة في ثورة أكتوبر. كما ضمت في تشكيلتها عدداً كبيراً من الشيوعيين واليساريين البارزين والقوميين العرب.

وشرع النميري في إنشاء حاضنة حزبية، لم تكن مألوفة في الحكم العسكري السابق، إذ أنشأ “حزب الاتحاد الاشتراكي” في العام 1972، عقب حله مجلس الثورة، وكان الحزب الوحيد في البلاد الذي له حرية العمل السياسي، الأمر الذي لم يكن موجوداً في فترة حكم عبود.

(3)

واصل النميري اختلافه عن عبود، وشهد تقلبات عدة في حياته السياسية، وسُرعان ما تخلى عن عقيدته اليسارية، واتجه نحو مهادنة الإسلاميين. وكانت أولى خطواته في التقرُّب من الإسلاميين بعقد مصالحة وطنية مع زعيم حزب الأمة الصادق المهدي في العام 1977، على الرغم من أن الأخير لم يكن مُمثلاً لتيار إسلامي يقوم على نهج الإخوان المسلمين، إلا أن تأسيس الحزب وبنيته القائمة على طائفة دينية، كان لهما أثر في ذلك.

وكان أكبر التغيّرات العقائدية للنميري في العام 1983، بإقراره الشريعة الإسلامية وفرضه قوانين “سبتمبر” التي دار حولها جدلٌ كثيفٌ، إذ نصّب النميري نفسه إماماً على المسلمين، وطبّق الأحكام الشرعية. وساعدت النميري على نصّ تلك القوانين التي أتت معارِضة للدستور وتنفيذها، مجموعة من الإسلاميين بقيادة الزعيم الراحل حسن الترابي، زعيم “جبهة الميثاق الإسلامية” آنذاك.

وكانت تلك القوانين سبباً في تجدد الحرب الأهلية في جنوب البلاد، وكانت المحفز الأكبر في الانتفاضة الشعبية ضد النميري في أبريل (1985.

(4)

بدوره، اتخذ العميد عمر البشير طريقاً مختلفاً عن العسكريَيْن اللذَيْن سبقاه في الحكم، إذ لم يتجه إلى الزعامات الدينية في البلاد للالتفاف حولها، كما لم يظهر عقيدةً سياسية، وعقب انقلابه على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً برئاسة الصادق المهدي في يونيو 1989، أمعن في إسباغ الصفة العسكرية على انقلابه، بتسميته “ثورة الإنقاذ الوطني”، ووضع لنفسه “أسباباً ودوافع وطنية” للعمل عليها، لكنه لم يصمد كثيراً في ذلك، واتّضحت معالم توجهاته الأيديولوجية بعد أشهر قليلة، وبات واضحاً أنه أحد كوادر الإسلاميين في الجيش.

(5)

فالمُتتبع لتاريخ السودان الحديث، يجد أن ذلك البلد عاش تحت أنظمة عسكرية أطول بكثير مما عاشه في ظل حكومات مدنية منتخبة؛ إذ لم يهنأ السودان بحكومة مدنية أكثر من عامين أو ثلاثة. غالبًا ما تنتهي تلك الحقبة المدنية المؤقتة باضطرابات، ونزاعات سياسية تؤدي إلى عدم استقرار، وتدهور اقتصادي، يستدعي تدخل الجيش، وكأن تلك الحقب المدنية كانت بمثابة درس من المؤسسة العسكرية للشعب وقطاعاته المدنية بأنهم عاجزون عن إدارة أنفسهم، وقاصرون عن مواجهة التحديات، ومفتقرون لأدوات إدارة البلاد. والمفارقة أن الجيش إذ يقدم نفسه بديلًا ومنقذًا، ما أن ينقض على السلطة حتى يوظف عقليته العسكرية السلطوية لقمع الحريات، والأحزاب، والحياة السياسية، والمدنية، ما يستدعي ثورة شعبية عارمة بعد أن ينهك الفساد والاستبداد العسكري مقدرات البلاد، ويُبدِّد ثرواتها، ويقيد الحريات فيها، ويقضي على الحياة السياسية.

وكأن شعوب هذه المنطقة قد كُتب عليها أن تتيه في فلك تلك الحلقة المُفرغة، فعليها إما أن تختار، جبرًا، الإدارة العسكرية الاستبدادية، أو إدارة مدنية يراد لها أن تفشل في إدارة البلاد، لتبقى ذريعة التدخل العسكري قائمة. وهذا ما سجلته دفاتر التاريخ الحديث.

ويرى بعض المراقبين ليس من الإنصاف القول بأن المجتمعات فشلت في إفراز نخب مجتمعية وأحزاب سياسية مؤهلة لكي تدير دفة البلاد، فلا المناخ السياسي للأنظمة القمعية أعطى فرصة حقيقية لممارسة ديمقراطية تفرز أحزابًا سياسية حقيقية ووازنة، ولا المؤسسة العسكرية ترغب في بزوغ شمس منافس حقيقي يحجِّم دورها، ويقيِّد صلاحياتها.

(6)

لا يُجمع المختصون والباحثون في العلوم السياسية والعلاقات الدولية على تعريف واضح لطبيعة وضوابط العلاقات المدنية – العسكرية، ففي النظرية التقليدية الأميركية مثلًا، يقدِّم صامويل هنتنغتون Samuel P. Huntington العلاقات المدنية – العسكرية كمتغير تفسيري، يقوم على مبدأ الاحتراف والمهنية، بمعنى أن الجيش يجب ألا ينخرط في الحياة السياسة، ومهامه تنحصر في تنفيذ وإنجاز السياسة الدفاعية للبلاد (4)، بينما أضاف جانووتيز Morris Janowitz بعدًا آخر للنظرية التقليدية، التي تقوم على الحياد السياسي للجيش، بأن أكَّد على ضرورة مشاركة المُؤسّسة العسكرية في وضع أُسس النظام الديمقراطي، وذلك لأنّه يعتقد أنه من الصعوبة التطبيقية العملية بمكان أن يتم التعامل مع المؤسسة العسكرية على أنها كيان محايد، أو “مرتزقة” يُنفِّذون خططًا وسياسات وبرامج أمنية ودفاعية، مقابل امتيازات مادية، ومكافآت مالية (5).

وقدمت ريبيكا شيف Rebecca L. Schiffعدة أدوات ومبادئ لتحديد طبيعة العلاقة بين المؤسستين، كان أهمها التأكيد على أهمية الحوار، ومُشاركة القيم والغايات العليا بين العسكريين من جهة، والنخب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى (6).

أما دوجلاس بلاند، فقد طرح نظرية “تقاسم السلطة” والتي ترى أن دور المؤسسة العسكرية لا يقتصر على مجالات الدفاع عن حدود البلاد وأمنها من العدو الخارجي، بل يتعدى دورها إلى حفظ الأمن الداخلي وقت الضرورة .

(7)

قد يكون الجيش في دولة من الدول بمثابة جماعة ضغط في صناعة القرارات، وقد يتعدّى هذا الدور إلى فرض النظام الذي يعتقد أنّه مُناسب للدولة، وذلك عبر آلية الانقلاب العسكري، مُرتكزاً على أيديولوجيا وحيدة هي أن الجيش هو الدولة.

والجيش في أفريقيا والعالم الثالث عموماً له دورٌ سياسيٌّ لا يَستطيع أحدٌ التغاضي عنه، ولا مجال للحكم على دور الجيش هناك بمعيار وضعية جيوش العالم الأول في ظل ديمقراطيات عريقة، وعليه لا يُمكن تصور حدوث أي تحوُّل سياسي في العالم الثالث سواء من ديكتاتورية الى ديمقراطية أو العكس، من ديمقراطية الى ديكتاتورية إلا بمساهمة وتدخل الجيش.

الاستقطاب السياسي

في السودان على سبيل المثال تم الانحياز للثورة الشعبية في ابريل 2019 من قبل الجيش بطلب من الثوار اعترافاً بدوره، وبمباركة السياسيين الانتهازيين، في حين اعتبر البعض ذلك انقلاباً عسكرياً.

تدخُّل العسكريين في السلطة في السودان تعود إلى المُتزامن مع تسييس المؤسسة العسكرية؛ إذ أصبح العسكريون امتدادًا للمدنيين داخل المؤسسة العسكرية، فعندما يخسر السياسيون المدنيون في الميدان السياسي، يلجأون إلى حلفائهم العسكريين كي يقوموا بانقلاب عسكري ويفرضوا واقعًا جديدًا. ولاحظت الدراسة أنّ الضباط الذين تسلّموا السلطة عبر انقلابات، فعلوا ذلك بتواطؤ مع قوى سياسية مدنية. ولكنْ ينبغي ألّا يُنظر إلى العسكريين الحكام بمعزل عن الأوضاع المجتمعية السائدة؛ فالمجتمع السوداني يشهد تسييساً حاداً: نقاباته واتحاداته ومدارسه ومؤسساته الدينية. والمؤسسة العسكرية ليست استثناءً. وعندما يقوم الضباط بانقلاب، فإنّهم يسعون لتحقيق ما فشل فيه نظراؤهم من المدنيين؛ فالانقلاب العسكري في السودان هو استمرار للعملية السياسية بوسائل أخرى.

اترك رد