حمدوك .. أعرني بعض سلطاتك عاماً واحداً

0
198

 

د. محمد عبد القادر سبيل

ترى، هل يمكن للخبرة والمسيرة المهنية أن تتحول مع الوقت الى آيديولوجيا متزمتة تمحو ما قبلها من معتقد ظل أحدنا يتبناه عقوداً؟
هذا السؤال فرضته تجربة رئيس الوزراء السوداني الانتقالي د. عبدالله حمدوك الذي شكل الفكر الاشتراكي خلفيته وخياره الآيديولوجي الى أن التحق بالمنظمات الإقتصادية الدولية والاقليمية مثل (البنك الإفريقي للتنمية، منظمة العمل الدولية،اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة) فصبأ.
في الحقيقة فإن ما حدث ويحدث من جانبه في السودان الآن لا يقل عن كونه إنقلاباً فكرياً جريئاً جعل صاحبه يخضع قلباً وقالباً لشروط مؤسسات التمويل الدولية التي كان يوماً يهتف ضدها، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بينما الوسط السياسي الذي تشكل وعيه فيه مايزال يقف عكس ذلك الخيار، بل ويسعى لإسقاط حكومته، ليتأكد لنا أن ثمة قناعة فكرية طارفة نقضت قناعات الرجل التليدة.
طبعاً سيعزو البعض الأمر برمته إلى تحول فكر كثيرين حول العالم في أعقاب انهيار جدار برلين الى النيوليبرالية كخيار معتزلي يقع بين المدرستين: الاشتراكية العلمية والرأسمالية المتوحشة وذلك من أجل الظفر بمزايا الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان معاً تحت ظل السوق.
لا بأس.. ولكن ما يهمنا هنا، هو أن بلادنا ظلت طوال عامين ونيف تنتظر فارس المرحلة ليعبر بها من مستنقع الفقر والتخلف إلى بر الاستقرار والنماء الاقتصادي، بيد أنه لم يفكر للحظة واحدة في الاعتماد على الذات من اجل النهوض، ولا في بناء جسر متين من اجل العبور، رغم حماسة الجميع واستعدادهم النفسي بعد الثورة الظافرة، بل عمد الى استخدام أدوات الرأسمالية المتوحشة ( اطواق النجاة المملوءة بالهواء) فاعترف بالسوق الموازي ( shadow economy ) واختار استرضاء المؤسسات الدولية والاقليمية – البغيضة سابقاً- لتتحمل عنه عبء تفجير الطاقات والموارد العاطلة ( تمويلاً أو استثماراً) مهما كانت شروطها، باعتبار أن ذلك مبلغ (فهمه) وخبرته المتأدلجة.
هنا نضطر لنورد نافلة القول، بأن روشتة صندوق النقد الدولي وشروط البنك الدولي اقسى من أن يطبقها اليوم شعب كشعبنا مثخن بالجراح ومثقل بالإحباط وانتظار الفرج. ويكفي أن نذكر تحرير سعر الصرف، بما يجره من غلاء مطرد، ونذكر رفع الدعم عن كل شيء يقيم الحياة، بدءاً من الخبز حتى الدواء ووسائل النقل، كل شيء في نظر دهاقنة الصندوق الدولي ( IMF ) ينبغي أن يتحمله البؤساء في وطن بلغت نسبة سكانه تحت خط الفقر 80%. فعافية الاقتصاد عندهم أولى من حياة الانسان وكرامته. ولهذا تبلغ قطعة الخبز الواحدة في الخرطوم اليوم 5 جنيهات اذا كنت محظوظاً وستبلغ 50 جنيها قريبا، وما هي الا مضغة لا تسد جوعة الطفل اليافع ، بينما يبلغ الحد الأدنى للأجور ثلاثة آلاف جنيه ( مائة جنيه في اليوم ) ، ومع ذلك يتحدث السيد حمدوك وحواريوه عن مليارات الدولارات تتدفق علينا من البنك والصندوق الدوليين ومن مؤسسات التمويل الاقليمية والدولية ومن الدول الغربية الصديقة ولكن أين هي وأين أثرها على الأرض؟ الله أعلم.. بل كل يوم تزداد المعاناة ويزداد معها الإصرار من جانب الحكومة على مواصلة ذات التوجه ( العشم في دعم المؤسسات الاجنبية والمراهنة عليها حتى الرمق الأخير) وكأننا بصدد عقيدة الاتكال على المجتمع الدولي فلا حول ولا قوة الا به.
وأمام أعين الجميع فالصورة واضحة كالشمس: التشخيص الدقيق للأزمة السودانية يؤكد أننا عموماً حيال ( اقتصاد ظل ) بامتياز: تهريب على نطاق واسع، سوق أسود يقوم مقام البنك المركزي ووزارة التجارة، تزوير عملة، حصائل صادر لا تعود الى بنك السودان، ومصانع تعمل داخل البيوت بدون مواصفات، وسماسرة يحددون اسعار كل شيء، ومعظم الكتلة النقدية متكدسة في الاقبية خارج المصارف.. الخ) الإقتصاد السوداني اقتصاد ظل، والحكومة عاجزة الى درجة التسول الدولي، ثم هنالك جهات محدودة ( شركات وأفراد ومؤسسات نظامية) بعدد الأصابع، تستولي على 90% من حصائل صادرات البلاد، مقابل 10% فقط هي نصيب ال 40 مليون مواطن بائس ارهقه الظلم والانتظار الممتد لسنوات طوال.
تلك هي الصورة التي لا ينكرها أحد. وأخيراً وصل الأمر حد توقيع الوزراء الجدد على وثيقة مبايعة فرضها حمدوك لتكريس هذا الخيار الإتكالي بوصفه التزاماً لا مندوحة عنه و من يرفضه فلا ينال حظاً من كعكة السلطة.
ولأننا لسنا ممن يجنح لينعته بالخيانة والتآمر ضد شعبه ، فإننا نزعم أنها ايدولوجيا الخبرات المكتسبة من تجارب الاعتماد على المؤسسات والاتفاقات الدولية من اجل احداث التغيير والاصلاح. ولكن ما فات على حمدوك ومن والاه هو أن هنالك قنوات وآليات عمل ينبغي توفرها مسبقاً في أي اقتصاد ناشئ لكي يستوعب جرعات الوصفات العلاجية الدولية والا فانك ستهدر المال والوقت والفكر معاً، وهذا للأسف حالنا بالضبط ( النفخ في قربة مثقوبة).
لا توجد أدوات وقنوات لإدارة الإقتصاد بواسطة السياسات المالية والنقدية، الأمر الذي ينبغي تأسيسه بكفاءة أولاً.
اقتصاد الظل ابتلع كل شيء وعطل حركة الاقتصاد الوطني بالكامل. والاوليغارشية هي سيدة الموقف. في حين أن تشخيص الخبراء يذهب مذاهب شتى تقدم روشتات في غير محلها.
ورغم ذلك كله، فإن هنالك طريقاً آخر ميسوراً ومن الممكن أن نشقه للعبور السريع والآمن لولا التصلب الأيدولوجي الاتكالي يحرمنا من ذلك بحزم، والى الآن – والاحتجاجات تتعالى أمام مكتبه حتى 3 يونيو- فما يزال الرجل مقتنعاً كما يبدو بأنه يسير بثقة في الاتجاه الصحيح وأننا سنعبر حتماً وسننتصر ( كلنا مع بعض) بما يشي بنوع من الدوغما العقيدية المتكلة على الآخرين ليحملونا على اكتافهم حتى نعبر ونحن نهتف: حرية سلام وعدالة.
يا حمدوك عوك، هاهو المعبر الذي ننادي بالعودة اليه فوراً؟
نحن بلد الخير، فما من نعمة إلا وقد اصبنا منها سهماً وافراً بفضل الله تعالى، واذا كانت زيادة الانتاج هي مطلب الفكر الاقتصادي عموماً فإن توسيع حجم الانتاج ليس اهم أولوياتنا الراهنة، صدقوني ، لأن ما ننتجه الآن بوجه عام يفيض عن حاجتنا – باستثناء النفط والقمح دون مبرر لهذا القصور في انتاج السلعتين – وإنما أم المشاكل الماثلة هي الهمة ( القلب الحار) لادارة هذا الانتاج الوفير وانتزاعه من براثن الرأسمالية الطفيلية ( اقتصاد الظل).
ليس معقولاً أبداً أن تنتج بلاد في الدنيا 100 طن ذهباً سنوياً ومع ذلك تجوع لأن الحكومة لا تضع يدها إلا على 10% منه وبين ظهرانيها تخرج ثروة تقدر قيمتها ب 5 مليار دولار لصالح المهربين واصحاب الامتيازات والمليشيات!. واقصى ما تفعله الحكومة هو طلب المساعدات من المجتمع الدولي؟!.
هل من مسوغ لهذا غير نظرية الانتصار لأيديولوجيا ( الاتكالية) المستندة إلى خبرة روشتات التمويل الدولية؟.
نقول لمن ألقى السمع وهو شهيد.. إن احتكار تصدير خمس من السلع النقدية هو الحل والحل الجذري لكل مشاكلنا الاقتصادية والسياسية والامنية. وإن ال ( 5 مليار دولار) الناجمة عن تصدير الذهب بجانب حصائل صادر اربع سلع أخرى هي: الصمغ العربي، والحبوب الزيتية، والمنتجات الحيوانية، والقطن، ستوفر معاً ما لا يقل عن 10 مليار دولار سنوياً لصالح حكومة السودان وهي تكفي لمقابلة مايلي:
أولاً اضطلاع الحكومة بمهمة استيراد 5 سلع اساسية في المقابل هي: الوقود، والدواء، والقمح، ومدخلات الانتاج، ومشتريات الحكومة من المستوردات ( قطع غيار، واجهزة ومعدات ومركبات) وهذه المستوردات جميعا نتوقع لها 5 مليار دولار ليفيض لدينا مبلغ 5 مليار دولار.
نعم، سيطرة الدولة (بالكامل) على تصدير هاتيك السلع الخمس سيتمخض عنه امتلاك الحكومة للنقد الاجنبي بهذا الحجم المعتبر ( 10 مليار دولار سنويا) وهذا تلقائياً سيجعل الدولة دولة محترمة، والحكومة حكومة فعالة، وسيؤدى (تلقائياً) الى معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الكلي حيث سيهبط سعر الدولار الى اسفل سافلين وسيتوفر للحكومة التمويل الذاتي لاستيراد السلع الاستراتيجية التي هي من صميم الأمن الداخلي ناهيك عن علاج عجز الميزان التجاري الخارجي، وأما النتيجة المتوخاة من هيمنة الدولة على استيراد تلكم السلع الخمس فهي أن ذلك سيؤدي الى خفض اسعارها أمام المواطن البسيط ( السيطرة على معدلات التضخم)، وفضلاً عن ذلك فإن مبيعات السلع المستوردة ستوفر ايرادات محلية مقدرة لتمويل الموازنة العامة وسد عجزها علاوة على تمويل شراء سلع الصادر المشار اليها من جديد.
ثانيا ايرادات الصادر الفائضة ستوفر تمويلاً لنقل( 2 مليار دولار سنويا) نحتاجه لاحلال الواردات بتحقيق الإكتفاء الذاتي في السلع الاستراتيجية ( عبر التوسع في انتاج النفط بواسطة الشركات الوطنية، التوسع في انتاج القمح بانشاء مشروع ضخم في الشمالية لهذا الغرض، بجانب تحقيق الاكتفاء الذاتي في الأدوية والمواد الغذائية والمنسوجات). مع التوسع في انتاج الذهب بالتعاون مع جنوب افريقيا فضلاً عن تطوير مشروع الجزيرة بالتعاون مع بريطانيا وتطوير قطاعات الثروة الحيوانية والصمغ العربي والحبوب الزيتية( مشاريع زيادة القيمة المضافة) مع تركيز المشاريع في مناطق الهامش تحقيقاً للتوازن التنموي.
ثالثا سيكون بوسع بنك السودان الاحتفاظ بمليار دولار سنوياً كأحتياطي نقدي.
رابعاً ما فاض ( 2 مليار دولار) فيمكن توجيهه لتطوير البنية التحتية والخدمات العامة على مدى ثلاث سنوات ( الطرق ومحطات انتاج الطاقة الكهربائية وتنقية مياه الشرب والمطارات وخطوط السكة حديد والمشافي والمدارس وشبكات تصريف المياه وتطوير مراكز الشرطة). وهذا كله من شأنه تهيأة البيئة المشجعة على الاستثمار.
وأما سياسات تحصين هذا البرنامج فتتمثل في عشر خطوات هي:
بشأن التهريب يمكن تحفيز القوات النظامية من خلال منحها قيمة كامل المواد المقبوض عليها مهربة عبر الحدود والموانئ البرية أو الجوية أو البحرية وتسلميها القيمة فوراً دون تعقيدات بيروقراطية.
تجميد استيراد كافة السلع الكمالية والسلع التي لها بديل محلي لمدة ثلاثة اعوام.
تجميد تداول ملكية العقارات والمركبات الخاصة ومنع مهنة السمسرة لمدة عام واحد بغرض السيطرة على التضخم ولإدخال السيولة الى المصارف.
تغيير العملة الوطنية وطباعتها في مطابع أروبية بمواصفات عالمية.
تحويل ايرادات الزكاة الى الخزينة العامة بعد تحصيلها بأورنيك (15) مع توخي صرفها على مصارف الزكاة الشرعية ضمن بنود الموازنة العامة ومن ذلك(زيادة رواتب المعاشيين وسداد رواتب المعلمين ودعم العلاج المجاني للفقراء ودعم التعليم والصرف على نزلاء السجون والاسر الفقيرة والداخليات والمستشفيات وتوفير الوسائل التعليمية ورواتب الجيش والشرطة).
خفض ضرائب القيمة المضافة والجمارك ورسوم الانتاج بمقدار 25% لتحفيز الانتاج ولخفض مستويات تضخم التكاليف cost push inflation، بعد تعويض ايرادات الخزينة العامة بحصيلة بيع السلع الاستراتيجية الخمس المستوردة بواسطة الدولة فضلاً عن ايرادات الزكاة و ايرادات التوسع في ضريبة ارباح الاعمال والغاء كافة الامتيازات الضريبية والجمركية غير المبررة.
الزام المغتربين بسداد ماعليهم بالعملة الاجنبية مع فرض حد أدنى للتحويل الإلزامي عبر البنوك بالسعر الرسمي.
التنسيق الفعال والمنطقي مع القوات النظامية بخصوص انشطتها الاقتصادية بما يضمن سلاسة تنفيذ السياسات أعلاه ودون الحاجة الى مصادرة شركاتها العاملة على ان يتضمن ذلك منع قيامها بتصدير أو استيراد أياً من السلع السيادية المشار اليها خاصة الذهب.
مصادرة كافة شركات الامتياز الأجنبية التي تعمل على نهب الذهب السوداني.
دخول الحكومة في شراكات عادلة مع المعدنين لضمان السيطرة على ذهب التعدين الاهلي.

صدقني يا حمدوك، إن ما نقوله ليس حلم يقظة، بل هو ممكن ومتاح، بالعزم والثقة بالنفس والتخلي عن ايديولوجية الخبرات السابقة ذات الروشتات الباردة.
المطلوب فقط بعد توفير التشريعات المطلوبة، انشاء جهاز فدرالي فعال ( يعتمد الحوكمة) ويختص بتجارة الدولة ( التصدير والاستيراد) من اجل احكام هيمنة الحكومة على تصدير خمس سلع نقدية سيادية مع ترك بقية السلع للقطاع الخاص بشروط ضابطة فعالة، وفي المقابل اضطلاع الدولة باستيراد خمس سلع استراتيجية سيادية مع ترك ما تبقى للقطاع الخاص، تلك إذاً لحظة الخروج نهائياً من النفق المظلم والعبور بسلام.
وعلى الله قصد السبيل.

د. محمد عبد القادر سبيل msabeel2014@gmail.com
خبير ادارة استرتيجية وباحث اقتصادي

ملحوظة:
هذا البرنامج لا يعني التقوقع والانعزال عن العالم وتعطيل القطاع الخاص، بل يجب أن يعني ضرورة تحمل مسؤولية انفسنا بغرض الاستشفاء والنقاهة حتى نتهيأ للتعامل مع المجتمع الدولى بكفاءة ويعني ايضا السعي لاكتساب القدرة على ادارة الثروة والنشاط الاقتصادي الكلي بصورة تخرجه من عتمات اقتصاد الظل الى الاقتصاد الشفاف المعافى والمدار بواسطة الدولة.

 

 

اترك رد