إلى ذلك // عبد الله على إبراهيم  (ورقة الحركة الشعبية الإطارية: كفى أحشنو يا .. بنات يعني ما اتعجن! … )

0
60

 

 

 ورقة الحركة الشعبية -الحلو الإطارية للاتفاق مع الحكومة الانتقالية معرض لما سميته سوءة “الذهن المعارض”. ونشأت فكرتي هذه خلال حضوري اجتماعات لنقابات السكة حديد في ١٩٨٨ ناقشت خطة البنك الدولي لإعادة تأهيل مؤسستهم. وما أزال شاكراً لهم الإذن بحضور تلك الاجتماعات كعطبراوي مشغول. ولكن أزعجني منهم عزتهم بمطالبهم ما يزال غاضين الطرف عن بشاتن منشأتهم التي كانت تدفع الحكومة المركزية مرتباتها من فرط إفلاسها. ووجدت في ورقة الحركة الشعبية نفس الغلو في المطلب بلا شفقة على مؤسستهم وهي الثورة السودانية. ووصفت هذا العتو الغليظ في مقال سبق بأنه الركل للإنسان بينما هو صريع الأرض (kick one when he is down). ويصير المطلب بمثابة وثن عند المعارض لا يلوي على شيء. 

وأظهر مظاهر العزة بالمطلب المعارض هو التفرج به وأعني إعادته هو ذاته بصور مختلفة ومملة. وللأمريكيين عبارة عن هذا القول الرديد صرت انتظرها منهم. يقولون إن المرء قال قولته ذاتها (again and again and again). يطربني الإيقاع. والورقة الإطارية حالة خاصة من انفلات اللسان في مطلبها للهوية وأشراطها. فلا تكاد تعرف كقارئ متى ستقول الحركة عنها ما يفي ويكفي.   

 

فجاءت الهوية في الورقة الإطارية في البند الثاني عشر منها الذي تكون من ست فقرات أغنت عنها كلها الفقرة القائلة ” يجب ألا تبنى الهوية الوطنية للدولة على ثقافات عرقية أو إثنية أو دينية أو لغوية أو جهوية” (2-12). ويعجز المرء حقاً أن يعرف ما أضافته لمعناها الفقرة التي بعدها القائلة ” يجب عدم اختزال الهوية الوطنية للدولة في أي من مكوناتها الأحادية، ويجب أن تعكس التنوع الثقافي في البلاد” (2-12). فعدم بناء الهوية على ثقافات عرقية وإثنية إلخ  الذي تقدم مانع بالطبع من اختزالها “في أي مكون من مكوناتها الأحادية” وهي اللغة والأثنية والدين والجهة. وطالما لم نبن الهوية على مكون أحادي من لغة وإثنية إلخ فستكون لا محالة مصدراً للوحدة الوطنية وشاملة ومعبرة عن الجميع كما جاء في (4-12) بلا حاجة للإطناب في الشرح إلا إذا ساء ظنك بنا. ثم أنظر “لتعزيز الحس والانتماء والانتساب في كيان واحد” (4-12) ولو اكتفت الورقة بأي من “الانتماء” أو “الانتساب” لأوفت وكفت. وجاء كاتب الإطاري بمصطلح العقيد قرنق “التنوع التاريخي والمعاصر” مرتين في باب الهوية مما تكفي فيه المرة الواحدة.  

وجاء باب اللغات ولم يزد عن تأكيد ما جاء في باب الهوية من ألا تتحيز الدولة للغة دون لغة. وأطنب (أو دَنّق في عبارة لطيفة للمرحوم بلاص). فقالت الإطارية إن لغات السوان جميعها وطنية وعلى الدولة دعمها وتطويرها (١-١٤ في أ و ب). وأعادت الكرة في (ح) بقولها إن جميع اللغات السودانية لغات وطنية ويمكن استخدامها في التعليم. وجاء في (د) أنها جميعاً لغات رسمية ويمكن استخدامها كلغات للتعليم. واللغة الرسمية، مفهوماً، بالطبع أوسع من مجرد استخدامها في التعليم. ثم كررت الإطارية في (ز) ما جاء عن وجوب الدولة تطوير تلك اللغات لتعكس التنوع اللغوي والثقافي. 

Again and again and again 

ووجدت نصاً غامضاً في ٤-١٤ (أ) عن سياسات الإعلام. قال النص بضرورة إعادة تشكيل وسائله للتعبير عن “الهوية السودانوية” للدولة “دون استبعاد المكونات الثقافية الأخرى”. وهكذا قررت الإطارية بغير وازع أن هوية الدولة هي “السودانوية” على ألا تضار بقية الهويات من ذلك. بما يشبه عبارة “في حدود القانون” في دول المستبدين. وضربت الإطارية بهذا بعرض الحائط بما صدعتنا به عن تنوع الهويات ومساواتها. فالحركة كما لا يخفى قد بيتت رأيها على أن هوية السودان الدولة هي السودانوية ولن تستبعد أهل الهويات الأخرى. فيا لبشراهم!  

هذه الكتابة في الإطارية بلتها وعجنها حالة خاصة من حالات “اضطراب التفكير”. وهي حالة قيل إنها تحول الديالوج إلى منلوج من فرط نرجسيتها. وهي إثر من حرب المعارضة المدنية والمسلحة للإنقاذ وصفتها مرة بأنها حرب الظلام للظلام. فخلت العبارة المعارضة من الفكر لأنها ليست بحاجة له. فالحاجة للفكر تنشأ عند من يريد حمل الشعب إلى تغيير تاريخي عميق لا محاصص، وأن يلزم خدمة هذا الوعي بالسهر والحمى. ومعارضتنا بشقيها تحررت من الجماهير في قول أستاذنا عبد الخالق محجوب. فأخذت الحركات عزة السلاح. وخضعت المعارضة المدنية لسحره مع أنها لم تمتشقه إلا فواقاً ولم ينجح منها أحد في حمله. ولكنهم عشموا دائماً في انتفاضة محمية من المسلحين. وزهدوا في الانتفاضة وركزوا على حمايتها بالمسلحين. وحمداً لله أن لم يحدث هذا.           

لا أستطيع مقاومة حكاية عن الحاجة جمال في مناسبة إفراط الورقة الإطارية في تكرار المطلب لا ينفد لها مداداً. قالت لي مرة أن أشترى لها ثوباً حددته. وأسرعت إلى سوق اللفة وجئت به. وما لبثت أن طلبت مني نفس الثوب في مساء نفس اليوم. فاحتجت بنات أختي عليها: 

-يا حبوبة عبد الله ما جابو قبيل. 

فكان ردها: 

-كفي أحشنو يا بنات (يا إنتايات، لفظها المحبب) يعني ما اتعجن! 

رحمها الله حتى أحكي عن قولها إنه لم يخلق بعد من يركب على المقعد الأمامي للسيارة في وجودها.

 

 

اترك رد