باعة الاستوبات.. أحلام بددتها الحاجة

0
18

 

 

يوسف: الحكومة البائدة حرمتني من الوظيفة وأحلم بها في العهد الديمقراطي

أحمد: تركت شهاداتي الجامعية رهينة حائط البيت وامتهنت بيع إكسسوارات السيارات

مروى: كشات بائعات الشاي، إضطرتني لبيع المناديل في الاستوب ودخلي اليومي يفوق المائتي جنيه

نادر: عمري 12 سنة.. دهستني عربة في الأستوب وأنا أعول أمي وإخوتي الصغار

مصطفى: أدرس لغة إنجليزية بجامعة الخرطوم والرسوم الباهظة أجبرتني على إمتهان تجارة الاستوب

تحقيق: ضفاف محمود

الوضع الاقتصادى السييء دفع عدداً كبيراً من أبناء الشعب الى المهن

الهامشية بالرغم إن عدداً كبيراً منهم يحمل المؤهلات العلمية التي تتيح له الفرصة للعمل فى دواوين الدولة حسب مؤهله الأكاديمى لكن.. أجبرتهم سياسات التمكين التي كانت تتبعها الحكومة البائدة على امتهان مهن هامشية بحكم أنهم لا يملكون شروى نقير، الأمر الذي دفعهم للخروج إلى أستوبات وتقاطعات الطرق الرئيسية في مدن العاصمة المثلثة، يبيعون مناديل الورق وبعض أنواع الفواكه، وغيرها من السلع الهامشية لأجل توفير لقمة العيش الهنية وبالحلال لتجنيب أهلهم وأنفسهم المسغبة وسؤال الناس إلحافاً أعطوهم أو منعوهم أو أحرجوهم، والسبب كما أسلفنا سياسة التمكين التي كانت لا توظف في المؤسسات الحكومية سوى الموالين للمؤتمر الوطني البائد.. الأسطر القادمات تفصح عن فحوى هذه القضية الشائكة.

أحلام ضائعة

باعة الاستوبات التقيانهم فى يوم تتوهج أشعة شمسه اللاسعة يتجولون فى الأسلفت منتصف النهر الغائظ ولفح السموم الحارقة طلباً للرزق الحلال، في البدء وقبالة مباني التيار بشارع المك نمر التقينا الشاب يوسف حسين الذي يعمل بائعاً للفواكه التي يحملها في يديه ويبيعها لأصحاب السيارات التي تتوقف في الاستوب، وطلبت من يوسف أن أدردش معه، وافق دون تردد، وقال أن اسمه يوسف حسين من أبناء منطقة أم روابة، وإنه ظل يعمل في هذا الموقع منذ أن كان طالباً بمرحلتي الأساس والثانوية، وقال، كان حلمي أن أصبح مهندساً ولكن الظروف الاقتصادية أجبرتني على ترك مقاعد كلية الهندسة، بعد أن عجزت عن  سداد الرسوم وكان المبلغ ليس في مقدوري أن أدفعه، الأمر الذي إضطرني لدراسة تربية رياضيات بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وتخرجت في العام 2016م، ومن ثم قدمت للعديد من الوظائف، إلا أنني لم أجد الوظيفة التي ترضي طموحي، فعدت الى الاتوستوب مرة أخرى، وأنا الآن أحمل شهادة البكلاريوس من جامعة مرموقة خرجتني للعمل بائعاً متجولاً باستوب المك نمر.

يوسف قال، أبدأ عملي هنا منذ الساعة السادسة صباحاً حتى المساء وأقصى أمنياتي أن درس الهندسة، زيادة على أنني أجيد الرسم على الجداريات، وأتمنى أن أجد الوظيفة التي كانت بالنسبة لنا حلماً مستحيلاً في فترة الدولة البائدة، التي قال أنها حرمته من أن يصبح مهندساً بسبب الرسوم الجامعية الباهظة، ومع ذلك فإن يوسف تجده متفائلاً بمستقبل مشرق، وأن حلمه بأن يجد وظيفة في تخصصه الذي درسه لم يمت بعد، وإنما يتجدد كل يوم في ظل التحول الديمقراطي الذي قال أنه متأكد أنه سيعطي كل صاحب حقه.

شهادات حبيسة الجدران

أحمد شاب في مقتبل العمر وجدته في أحد اتوستبات أم درمان يحمل في كلتا يديه أدوات زينة السيارات، قررت اللحاق به بعد أن توقف الاستوب، حييته بادلني التحية، قلت له.. ممكن أتونس عشر دقائق؟…. قال لي حاضر.. بس هسي شغال شوية كدا.. وبعدها دردشت معه حول عمله وكم يكسب في اليوم؟.. ابتسم بمكر وقال لي.. الحمد لله الشغل كويس وأفضل بكثير من الوظيفة التي اعيانا البحث عنها في ظل دولة الكيزان التي حرمتنا من حقوقنا في التوظيف.

أحمد قال إنه من ولاية شمال كردفان الاقتصاد،والعلوم  السياسية بجامعة ،الأزهري التي   تخرج، منها في العام 2012م، ونال بكلاريوس الاقتصاد بتقدير امتياز، وبعدها تقدم لوظيفة في إحدى الوزارات المرموقة، إلا أنه تم استبعاده من المعاينات بحجة إنه ينتمي للحزب الشيوعي، وأقسم أحمد بإنه لاعلاقة له بالسياسة على الإطلاق، وقال بحسرة بائنة.. وأضاف.. قررت منذ ذاك اليوم أن أعمل في أية مهنة، وشهاداتي تركتها لجدران المنزل لكي تبقى ذكرى وتاريخاً.. وعن وضعه الاقتصادي من خلال عمله في الاستوب وصفه بالجيد، وقال إنه متزوج وأب لطفلة، وقال أحياناً نجد مضايقات من قبل الزبائن، وفي فترة الدولة البائدة كانت المحلية لا تتركنا وشأننا، حيث تقوم بمصادرة بضائعنا، وقال.. أما الآن الحمد لله لا أحد يضيايقنا ونعمل بكل حرية.

بائعة مناديل

السيدة مروة.. في مطالع الثلاثينيات من عمرها..وجدتها بالقرب من الاستوب المؤدي الى حدائق سته إبريل تحمل كمية كبيرة من المناديل وتقوم بتوزيعها لأصحاب السيارات، في البدء رفضت أن تتحدث معي حاولت معها جاهدة، وأخيراً قالت لي.. أنا أعمل على بيع المناديل وهي مهنة لا عيب ولا حرام، أجبتها بإننى لم أقصد إساءتها أوالإهانة لمهنتها، وحاولت تهدئتها، وبعد لأي قالت لي.. توفى زوجي منذ سنوات ولاعائل لنا سواه، ذهبت لديوان الزكاة وحفيت أقدامي، لكني لم اجد شيئاً سوى (أمشي وتعال بكره)، بعدها عملت  بائعة شاي، وكالعادة الكشات ما ريحتني وكل مرة تتم مصادرة  أدوات عملي، تركت بيع الشاي بلا عودة، والآن أبيع هذه المناديل في هذا الاستوب منذ خمس سنوات، والحمد لله لا كشة ولاغيرها، وقالت لي مازال الخير موجود في أمة محمد، وقالت أن ربحها اليومى يتراوح ما بين 150 الى 200 جنيه، وأحياناً أكثر.

صبى الاستوب

نادر.. صبي في مقتبل العمر، لم يبلغ الثانية عشر من عمره بعد، قال لي أنا وهؤلاء الصبية دفعت بنا الظروف للعمل في الاستوبات، والغالبية العظمى منا طلاب بالمدارس، وذكر لي أنه قبل عام  دهسته عربة وتم نقله الى المستشفى، وبعد إجراء الفحوصات وصور الأشعة قلت للطبيب أنا طالب فى مرحلة الأساس وأتكفل بمسلتزمات المدارس له ولإخوته الستة، وقال محدثي الصبي أنا اتحمل مسؤولية أكبر من سنه، وارجع ذلك للأوضاع السيئة التي تعاني منها معظم الأسر ذات الدخل الضعيف، وأن الفقر ولَّد عمالة الاطفال، واردف أن العمل في الاستوبات يشكل خطورة كبيرة علينا خاصة الأطفال منا.

الظروف جبرتنا

مصطفى شاب في التاسعة عشر من عمره، قابلته بأحد استوبات الأربعين يحمل فى يديه أدوات زينة السيارات ‘حييته رد على التحية بأحسن منها هنا دار حوار بيني وبينه بعد الإشارة توقفت، سألته.. أنت من وين يا مصطفى؟.. قال لى ممازحاً أرد عليك بالعربية وللا بالانجليزية؟.. قلت له بكل ما يحلو لك.. ذكر لي إنه طالب بإحدى الجامعات العريقة، يدرس تربية لغة انجليزية بالسنة الثانية، وإنه لم يجد مجانية التعليم، وأضاف.. الظروف جبرتنا، وأن حلمي أن أجد مقعداً دراسياً بلا رسوم، وقال أن العمل في الاستوبات شاق ومرهق وكل ذلك من أجل توفير رسوم الدراسة والمسلتزمات الشخصية، وأتمنى أن أجد وظيفة تناسبني بدلاً من الاستوب حتى أكمل المشوار الدراسى بلا عناء، وقال أن الغالبية العظمى من الزبائن يوجهون له سيلاً من الإهانات الجارحة، وقال مصطفى العمل في فترة الصيف صعب جداً ومرهق وتكون درجات الحرارة مرتفعة والاسلفت ملتهب .

بائع ماء

إبراهيم ترك مقاعد الدراسة ترك مقاعد الدراسة من مرحلة الأساس وامتهن تجارة الماء في الأستوب، ويقول، الشغل سمح شديد في فترة الصيف، وممكن اشتغل ستة بكت ماء لأن الناس بتكون عطشانة عايزة تشرب، وفي فترة الشتاء أعمل بائع مناديل واحياناً قماش الفوط .

وداعاً صاحبة الجلالة

زميل دراسة في جامعة الخرطوم وجدته يعمل بائعاً بأحد الاستوبات الشهيرة، تعرف علي وقال لي ضفاف النيل، اجبته بنعم، وتبادلنا التحية وسألته ماذا تعمل هنا؟.. قال.. شغال هنا يا استاذة.. ومن قبل قدمت في وزارة الإعلام قبل عدة أعوام ولكن تم طردي، بعدها لجأت للعمل في السوق بعيداً عن الوظيفة والأجهزة الإعلامية كافة وقال محدثي أن الدولة حرمته من العمل في مجال دراسته وقال لي أن العمل هنا افضل بكثير من الوظيفة التي حرمته منها دولة الولاء الحزبي بحجة إنه كادر للحزب الشيوعي، وقال أنه تم طرده من المعاينات التي اجتازها بنجاح، ومن ثم فضل العمل في الاستوب ولن يلجأ لبلاط صاحبة الجلالة التي أحبها وحرمته الدولة البائدة من تحقيق حلمه من خلالها.

بائع أواني

ياسين شاب مقتبل العمر، يعمل بائع أواني منزلية قابلته بأستوب بانت يحمل كمية من الأواني استوقفته، في البدء ظن إنني أريد أن اشتري قلت له لا أريد اشترى أواني، عايزة اتونس معاك عن العمل في الاستوب، طلب مني أن انتظره خارج الإشارة، وبعدها سألته، إسمك منو؟.. قال لي إسمى ياسين من ولاية شمال كردفان، سألته منذ متى تعمل في الاستوب؟.. قال عندما كنت في الصف الثامن حضرت الى الخرطوم وعملت ،مع أبناء منطقتي بدات بالمناديل الورقية ومن ثم قررت مواصلة العمل وكان عملي في فترة الإجازات والآن لكي أوفر مستلزمات المدرسة لي ولإخوتي والآن أدرس بالجامعة، إدارة أعمال، وأعمل وقت الظهيرة فقط في أيام الجامعة، وقال أن العائد مجزٍ ومن الله بسط، وأقصى أمنياتي أن أعمل موظفاً في مجال دراستي بعد أن ارهقتتني الحركة جيئة وذهاباً بين السيارات.

من المحررة

تلك حصيلة تحقيقنا حول انتشار ظاهرة تجارة الاستوبات من قبل الكثير من الشباب وطلاب مدارس الأساس والجامعات، والذين كما علمنا من خلال حوارنا معهم أن ظروفهم الاجتماعية والمالية، بجانب الارتفاع الباهظ للرسوم الدراسية، أجبرت الكثيرين منهم على ترك المقاعد الدراسية والجري وراء رزق اليوم باليوم لأجل توفير لقمة العيش الحلال للأسرة وتجنيبهم المسغبة وسؤال الناس، فضلاً عن دفع الرسوم الدراسية لهم ولإخوتهم الزغب الصغار، فضلاً عن أن أغلب هؤلاء الذين التقيناهم من ممتهني تجارة الاستوبات، جلهم من أبناء الأقاليم النائية، الأمر الذي يستوجب على المسئولين والمختصين في تلك الولايات والمركز معاً للعمل الجاد لأجل تفادي المزيد من تسرب الأطفال والشباب لاحقاً من قاعات الدرس وإمتهان مهن هامشية يضيع معها مستقبلهم.

اترك رد