تشكيلات فنية.. إعداد نوح السراج ( نوح السراج يكتب في الذكرى 13 لرحيل الفنان عثمان حسين )

0
18

 

 

منذ أن بدأ عواداً في فرقة عبد الحميد يوسف تنبه الناس إلى موهبة قادمة في مجال صناعة الموسيقى

 

يصادف يوم بعد غد الإثنين  الموافق السابع من يونيو من العام 2021 الذكرى الثالثة عشر لرحيل المطرب الكبير عثمان حسين الذي ظل ملهماً لجيل كامل من المبدعين الذين تأثروا كثيراً بمشروعه الفني ..

 

منذ ان بدا عواداً في فرقة الحاج عبد الحميد يوسف تنبه الناس الى موهبة قادمة في مجال صناعة الموسيقى وتصريف الألحان ثم انتهى به المطاف الى دار الإذاعة بعد أن حسم صراع الأسرة في اختياره للفنون بدعم من شقيقه الأكبر طه الذي تعرف على مدير الإذاعة في مطبعة ( ماكروتيل ) التي كانت تطبع فيها مجلة ( هنا أم درمان ) , عندما بدأ عثمان حسين يتلمس طريقه كانت رائعة الشاعر محمد بشير عتيق ( حارم وصلي مالك )  ثم ( كيف لا اعشق جمالك ) لعلي محمود التنقاري وهي لم تكن أغنيات بعيدة عن النمط السائد في المدرسة الوترية , ورويداً رويداً بدأ مغامرة التجديد الكبرى والتي يؤرخ لها نقاد الموسيقى برائعة الشاعر قرشي محمد حسن ( الفراش الحائر ) وفي مقدمتها وتركيبها الموسيقي نمط جديد غير مسبوق , وواصل عثمان حسين رحلة التجديد والابتكار بأغنية أخرى هي ( اوراق الخريف ) للشاعر عبد المنعم عبد الحي والتي اتخذ فيها اسلوب المقدمة الدائرية وهي ايضاً تجربة فريدة , بلغ عثمان حسين قمة عطائه الموسيقى الفني مطلع الستينات وحتى منتصفها وهي الفترة التي شهدت ثنائيته مع حسين بازرعة وسمع الناس فيها ( القبلة السكرى – الوكر المهجور – شجن – قصتنا – وعلى الرغم من أن عثمان اشتهر بالأغاني الكبيرة ذات الميزان الموسيقي الواسع إلا إنه لم يغفل الاغنية الخفيفة وذلك عبر تعاونه مع الشاعر السر دوليب والشاعر إسماعيل حسن والدكتور الزين عباس عمارة , عثمان حسين من الرواد الذين اهتموا ايضاً بالفصحى فغنى رائعة التجاني يوسف بشير ( محراب النيل ) وغنى لبازرعة ( الارض الطيبة ) وأنشودة اكتوبر ( قلبي معك ).

/////////////////////////:

مؤشرات في حياة المطرب عثمان حسين

 

ولد المطرب عثمان حسين بالولاية الشمالية بجزيرة مقاشي في عام 1927 وارتحل مع أسرته الى الخرطوم عام 1932 ليقطن بديم التعايشة والتحق بالخلوة ليتعلم القرءان الكريم وعلوم اللغة العربية ثم عمل ترزياً بسوق السجانة بالخرطوم وحسب إفاداته في العديد من اللقاءات الإذاعية انه تعلم عزف العود على يد العازف يحيى زاهر السادات ( الساعاتي ) وعزف مع الفنان عبد الحميد يوسف وأجيز صوته في عام 1947 بالأغنية الشهيرة ( اذكريني يا حمامة ) للفنان عبد الحميد يوسف .

 

تعد أغنية ( حارم وصلي مالك ) كلمات الشاعر عتيق هي اول تجربة لحنية له وهي اول أغنية تذاع بصوته من خلال الإذاعة السودانية .

 

المطرب عثمان حسين قال في إحدى لقاءاته الإذاعية إن أغنية ( الفراش الحائر ) كلمات قرشي محمد حسن كانت بمثابة النقطة الرئيسية التي انطلق منها وساهمت في انتشاره وشهرته ودفعته خطوات الى الامام .

/////////////////////////

كيف تعرف الفنان عثمان حسين على الشاعر حسين بازرعة

 

تعرف على الشاعر حسين بازرعة عن طريق الشاعر قرشي محمد حسن الذي اصطحب معه بازرعة في يوم ما وقدمه للمطرب عثمان حسين بأنه يهوى الشعر وقدم له دليلاً على ذلك قصيدة من 58 بيتاً فقرأها ووجد إنها تصلح للغناء فجلس معه لاختصار القصيدة الى 3 كوبليهات فلحنها وجاء لحنها متميزاً ومؤثراً يعبر تماماً عن معاني الكلمات ولذلك عاشت الأغنية في وجدان المستمع السوداني وعجز المقلدون من أدائها لأنها تحتاج لملكات عالية من الصوت وكانت تلكم الأغنية هي ( القبلة السكرى ) اول تعاون بين بازرعة وعثمان حسين وكان التعاون الثاني بينهما في أغنية ( الوكر المهجور ) .. ثم توالت الأعمال بعد ذلك بين الشاعر بازرعة وعثمان حسين الى آخر تعاون بينهما أغنية ( ازمة ثقة ) .

//////////////////////

أغريتني كلمات الشاعر محمد يوسف موسى آخر أغنية سجلها الفنان عثمان حسيت للإذاعة

 

أغنية ( أغريتني ) كلمات الشاعر محمد يوسف موسى التي يقول مطلعها

 

أغريتني بالحب والهنا ** ومشيتني في درب المنى

 

واخر المطاف كان يا جميل ** وحشة وضياع حسرة وضنا

 

كانت هذه الأغنية هي آخر اغنية يقوم بتسجيلها عثمان حسين للاذعة وكان ذلك عام 1991 ومنح بموجبها درجة الرواد المبدعين وهذه الدرجة لم تمنح إلا لعثمان حسين وكان من المفترض أن يسجل بعدها أغنية ( ازمة ثقة ) كلمات الشاعر حسين بازرعة إلا أن ظروفه الصحية حالت دون ذلك .

/////////////////////

الفنان عبد الحميد يوسف المكتشف الحقيقي للفنان عثمان حسين

 

بدأ حياته الفنية عازفاً على آلة العود يردد بعض أغنيات الفنانين القدامى منهم الفنان عبد الحميد يوسف الذي كان له الفضل الأول في اكتشافه .

 

//////////////////

عثمان حسين يغني من ألحان محمد وردي

 

ربما معظم الأغنيات التي تغني بها الفنان عثمان حسين كانت من ألحانه لكن الظاهر إن هناك بعض الأغنيات من ألحان آخرين على سبيل المثال أغنية( حارمني ليه ) كلمات الشاعر إسماعيل حسن من ألحان الموسيقار محمد وردي… كذلك أغنية( تسابيح….. وحات عينيك ما تزعل لما عيوني تتوسل) كلمات الشاعر محمد يوسف موسي وألحان الموسيقار  عبد الطيف خضر ود الحاوي.

///////////////////

ما بين الفنان عثمان حسين وأغنية السنين للفنان الطيب عبدالله

 

أحب الفنان عثمان حسين كثيراً أغنية ( السنين ) للفنان الطيب عبد الله وكان يرددها بينه وبين نفسه هكذا كان يقول في لقاءاته الإذاعية , وكان ينصح دائماً الفنانين الشباب والناشئين أن لا يتسرعوا الشهرة وأن يتحلوا بالصبر , وكان اللون الأخضر أحب الألوان الى نفسه وكان يقول دائماً لو لم أكن فناناً لتمنيت أن أكون فنانا ً.

 

عثمان حسين كان فناناً في كل شيء في أناقته وفي حديثه وفي تعامله واحترامه لنفسه الذي اكسبه احترام الجميع .

 

هذا قليل من كثير من مسيرته الغنائية .. رحمه الله رحمة واسعة .

/////////////////

 

واحة فنون

 

عوض إبراهيم عوض

 

عودة إلى لجان النصوص والأوركسترا

 

تواصل معي الفنان الشاب المبدع محمد الفاتح من العاصمة التشادية إنجمينا التي سافر إليها قبل حوالي شهرين وظل بها حتى كتابة هذه السطور. وتآنسنا حول كثير من هموم الفن بالسودان. ولما وصل حديثنا لواقع المطربين الجدد الذين أضاعوا هيبة الأغنية وقيمة الفن بما يرددونه من ترهات لا تمت للفن بصلة أدهشني رأي محمد الفاتح الذي ما كنت أتوقعه، حيث قال لي: (هؤلاء الشباب فيهم أصوات ملائكية، وبعضهم صوته أجمل من كل من مر على ساحات الغناء من قبل ولكنهم مشغولون بالعداد والغنى السريع ولذلك لا يكترثون لما يغنون، بل ومعظمهم لا يملك ولا عملاً غنائياً واحداً يخصه. وبالتالي ليس لهم أي اهتمام بالبصمة أو التاريخ. فهم لا يبحثون عن تخليد ذواتهم وإنما فقط يبحثون عن المال السريع الذي يجدونه بهذا الأسلوب الذي يغنون به. والسبب أن الجمهور عايز كدا). ولكي يؤكد لي محمد الفاتح رأيه هذا بعث لي رابطاً به إحدى الأغنيات من حفل عام لأحد هؤلاء المطربين النكرات. وقال لي بالحرف الواحد في رسالته: (مثلا زي الزول دا، صوته من ذهب، بس ما أعتقد إنو عندو أغنية واحدة حقتو، وزي الزول دا كتار. بل وهناك أصوات أجمل منه كمان تملأ الساحة الآن. لكن ما فيهم واحد عنده اهتمام بتخليد اسمه أو وضع بصمته على تاريخ الغناء. بس عداد والسلام). انتهى كلام محمد الفاتح. وبالفعل ضغطت على الرابط فإذا بي أمام فرقة موسيقية في غاية الروعة والإبداع، ولا تنقصها أية آلة. وجميع العازفين منضبطون ومتميزون رغم أني لم أعرف منهم أي واحد. ثم دخل هذا المطرب المجهول في الأغنية وكان في غاية الإبداع والرصانة في أدائه. وقد تجاوب معه الجمهور إلى أبعد الحدود. وتأكدت لي مقولة محمد الفاتح بدون أدنى شك. ولكن لم يتبدد التساؤل الذي في ذهني، ولم أجد مخرجاً لهذه المعضلة التي أضاعت فن الغناء في هذا الزمان القاسي. وظلت الحيرة تتردد في ذهني، والتساؤل الملح هو: (إذن ما المخرج من هذه الورطة التي أضاعت الفن في بلادنا وكادت أن تقضي على أكبر ركيزة للإبداع في بلادنا وهي ركيزة فن الغناء؟) وكيف يا ترى نعيد للحياة ما كان يحرص عليه أساطين الفن في بلادنا منذ عهد الحقيبة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين؟ ولماذا انفرط عقد الفن في هذا الزمن القاسي؟ ومن المسؤول عن كل هذا التضعضع الذي كاد أن يفتك بأحاسيسنا ومشاعرنا ووجدانياتنا؟ وأخيراً تبلور في ذهني أن الخلاص لا يوجد إلا في يد الإذاعة والتلفزيون ولا شيء سواهما. حيث إنه لا بد من استعادة لجان النصوص والألحان وأوركسترا الإذاعة والتلفزيون بكل هيبتها القديمة وبكل صلاحياتها. ولا بد من استعادة التسجيل للإذاعة والتلفزيون مثلما كان يحدث قبل ثلاثين عاماً هي عمر الإنقاذ التي أوقفت هذه اللجان ومنعت تسجيل الأغنيات. ولا بد أن يتزامن كل هذا مع لوائح اتحاد الفنانين والضوابط الموضوعة لديهم بمنع أي إنسان من الغناء في مساحة الوطن الشاسعة ما لم يكن لديه بطاقة الاعتراف الصادرة من الاتحاد. ورغم أن العقد قد انفرط، وأن الخرق قد اتسع على الراقع، إلا أننا لا نقنط من متابعة هذا الأمر. ولا بد أن تتضافر جهود الدولة ممثلة في أجهزتها الإعلامية، ووزارة إعلامها، وشرطة الآداب، وكل الجهات المسؤولة عن صيانة الذوق والفنون والآداب. وبذلك فقط يمكننا أن نحلم بفن غير مبتذل، ووطن لا يخدش الحياء فيه أدعياء الغناء والطرب الجدد. فهل من مجيب؟

 

 

اترك رد