أمي.. من شاء بعدك فليمُتْ.. فعليكِ كنتُ أُحاذر..

0
16

 

بقلم/ د. محمد قسم الله محمد ابراهيم

 

قالت إعرابية من بين دموعها في الرثاء مما أورده الإبشيهي في كتابه المستطرف في كل فن مستظرف:

كنت الســــــــــواد لمقلتي           يبكي عليك الناظرُ

مَنْ شاء بعدك فليَمُتْ                 فعليك كنتُ أُحاذرُ

ليس أقسى على قلمي من نعي أمي في بضع كليمات لن توفيها حقها أبداً ولن تصفها أبداً، كتبت كثيراً ولسنوات إلا هذه المرة التي تستعصي عليَّ فيها الكتابة وتتركني للألم المقيم واجترار الذكريات، نعم.. عليها كنتُ أُحاذر، لكنها غافلتنا جميعاً واختلستْ الرحيل واغمضت جفنيها في ثوانٍ كحال طفل رضيع هكذا رحلت بكل بساطة وعلى جبينها عرق وفي شفتيها ابتسامة وفي ذلك بعض العزاء.

رحلتْ أمي تاركةً فراغاً عريضاً في حياتنا، ولا أدري عن ماذا اكتب من خصالها النبيلة والجميلة وسمتها الهادئ وابتسامتها التي تسبقها في كل أقوالها وأفعالها، كانت جوهراً فريداً، منحتنا معنى أن نعيش طفولة مستقرة وسعيدة وهي تنتقل بنا من مدينة لمدينة مع والدي، وعرفتْ كيف توفر بيئة دراسية نتغلب بها على هذا الترحال اللذيذ والمتعب في آنٍ معاً، حتى بعد ان كبرنا صادقتنا وكنت شخصياً أقضي معها أجمل أوقاتي في المسامرة على (قزقزة التسالي) في فناء منزلنا إلى ما بعد منتصف الليل وتلك عادتنا كل يوم حين أدس لها في يدها (كيس تسالي) نهاراً فتخبئه مثلما اخبئ انا كذلك لمسامرتنا الليلية و… و… و… صدق الذي قال الأمهات مصابيح من دونها قلوبنا تنظفئ.

جالت أمي تلك السيدة العظيمة مع أبي وهي في مقتبل عمرها بحكم الوظيفة هذا السودان شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً دون كلل ولا ملل فتعلمت الكثير من المعارف وتركت سيرتها الحسنة في اوساط كل من جاورتهم، وشهادتي هنا ليست مجروحة فقد كان بيتهما مفتوحاً دائماً، وكثيراً ما يدخل (أبوي) حفظه الله فيفاجئها وبرفقته مجموعة من الضباط الإداريين وزملائه الموظفين بعد إجتماع في المجلس ثم تهرول هي وحدها بين جدران مطبخها في سرعة وصمت وابتسامتها التي لا تفارقها لتنجز لهم الغداء أو العشاء وقبل ذلك تكرمهم جميعاً كدأبها، حدث هذا كثيراً جداً وتكراراً في مروي وكريمة وعطبرة ودنقلا وأبوحجار و24 القرشي والمحيريبة والدويم والجنينة وسنار والقطينة والقضارف والدندر ومدني وغيرها وغيرها، ولذلك لم أستغرب أفواج المعزين فيها وعارفي فضلها وعشرات المكالمات التليفونية من زملاء والدي الضباط الإداريين المخضرمين في عصرهم الذهبي الدلنج ونيالا والفاشر والشمالية وكل من عرفها وزار منزلها عبر السنوات اتصل او وصل معزياً في فقدها الجلل، لقد عرفها الكثيرون وعددوا مآثرها مشكورين، كان منزلنا دائماً بحكم وظيفة والدي يقع على مدخل المدينة او في طريق رئيسي ولذلك تجده محطة للكثيرين من غير زملاء وظيفته، أما في رمضان فكثيراً ما تجد بصاً كاملاً في الطريق يقف ليستقبله أبي بكل ترحاب ثم هي من داخل البيت ترسل المزيد من (جرادل) الآبري و(قوالب) العصيدة التي لا تغفل عن زيادتها تحسباً وأسأل الله أن يكون ذلك شاهداً لها وفي ميزان حسناتها.

يحكي لي مولانا الفاتح حاج النور قاضي الاستئناف السابق يرحمه الله إنه كان يزور قريتنا حليوة فيبحث عن كتب ومجلات فلا يجدها إلا عند أمي ويقول لي ضاحكاً كانت البنات اندادها ذلك الوقت مهتمات (بالموص) والتسمين، اما هي فقد كانت بعيدة عن تلك الإنصرافيات، أما مولانا عبد الرحمن عبد الله فقد هاتفني من دبي ليشهد أنها كانت معلمة لبنات جيلها ومثلاً يحتذين به في حركاتها وسكناتها. لقد كان كريمة عفيفة شريفة لا تعرف غير الابتسام ولين الكلام وهدوء البال والنفس، وكانت رزينة حكيمة راجحة العقل وقبلة للكثيرين، كانت لا تجنح لكثرة الكلام وإجترار سيرة الآخرين، تنفق بيمينها ما لا تعلمه شمالها، وأشهد الله كنا معها في بيتها ولا ندري ما تنفقه ولا تحدثنا به، حتى إنتقلت فعرفنا كثيرين ممن جاءوا مطلع رمضان يسألون عنها، أسأل الله أن يجعل كل ما فعلته شاهداً لها.

لقد وددتُ أن أبتدر حديثي المجزوء عنها هنا بالقول: رحلتْ صديقة أبنائها، وبحق لقد كانت صديقة أبنائها وأسرتها وزوجها وأخوانها، تمنحهم جميعاً الدفْ والإبتسامة والرضا، نعم.. لن نوفيها حقها إحسان بت بشر، ولكن عزاءنا أنه قد شهد لها الكثيرون من عارفي فضلها ومحبيها، وعزاؤنا أنها انتقلت للرفيق الأعلى في أيام طيبة، والحديث يطول ويطول عن أمي التي لن ندركها وإن طال الكلام،عليك سلام الله يا أمي ورضوانه في عليائك، وإّنا عليك لمحزونون وإن تقادمتْ بنا الأيام والسنوات، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والحمد لله من قبل ومن بعد.

 

 

اترك رد