النيابة العامة والدور الفعال في المرحلة الانتقالية (2-2)

0
2

 

 

بقلم المستشار فائز بابكر كرار 

من هذا التقسيم تثبت حقيقتان :-

الأولى : في قانون التفكيك مسائل تعد من اختصاص لجنة إزالة التمكين باعتبارها مسائل مدنية وإدارية تتعلق بالجهات المعنية ذات الاختصاص الإداري فيما يتعلق بإنهاء الخدمة ومراجعة الوظائف وطرق التعيين والاختيار والتجاوزات الإجرائية الإدارية. 

الثانية : في قانون التفكيك وإزالة التمكين مسائل تتعلق بالمال العام والفساد والتجاوزات المالية والتعدي على المال العام ،ومظاهر الثراء الحرام والمشبوه في هذه المسائل يكون الاختصاص والسلطات للنيابة العامة تمارس  عبر النيابات المتخصصة مستقلة دون تدخل من أية جهة تنفيذية أو أية جهة أخرى.

 

“وعند تطبيق صحيح القانون والإجراءات يقف كل عند حده وسلطاته واختصاصه الذي يجب أن لا يتعداه ، وإن أي مسلك خلاف ذلك يعتبر تعدياً على الاختصاص واستغلالاً للسلطات” .

لذلك كانت خطوة السيد النائب العام(المكلف) في إصدار أوامره بإنشاء نيابات متخصصة، جاءت متوافقة مع صحيح القانون من حيث المقصد والغاية والموضوع مبدأ واختصاص، ومتسقة مع حيث الإجراءات السليمة.

وهذه الخطوة حققت نتائج ثلاث:-

الأولى : تأكيد كامل الاختصاص والسلطات للنيابة العامة. 

الثانية : إمكانية تفصيل قانون التفكيك بغرض التطبيق والتنفيذ و تحديد صلاحية وسلطات أية جهة وما يجب الوقوف عنده.

الثالثة : تأكيد أن سلطات واختصاصات النيابة العامة عند التفويض يجب أن ترد  وعند الاستعمال والتطبيق من قبل النيابة العامة تكون مستقلة تماماً.

ولكن مع هذه النتائج هنالك قيود يستلزم مراعاتها من حيث الموضوع في وجوب تفسير مصطلحات القانون الآخر محل التطبيق حسب ماوردت فيه وتفسير التعارض لمصلحته ، مع الالتزام الكامل بالإجراءات السليمة والعدالة الإجرائية. 

فى هذه المرحلة المفصلية والاستثنائية ووفق “قاعدة الموازنة ومجابهة المخاطر” إن تطبيق العدالة الانتقالية والإجراءات السليمة تستوجب الموازنة بين تطبيق القانون ومجابهة المخاطر ” لذلك يتطلب الحال إيلاء النظرة العامة لكافة المسائل القانونية والانتهاكات دون تمييز أو توصيف لحدث بعينه ، بحيث يكون الهدف تطبيق القانون ، والغاية والمقصد العدالة ووصف الفعل الإجرامي ، وليس الاهتمام لحدث بعينه دون النظرة الكلية لحقيقة وطبيعة الفعل الإجرامي المرتكب، و دون تسييس مسار سير العدالة ، وأن أية محاولة لجر وإقحام النيابة العامة في الاحداث وتوليها دون غيرها يعتبر تسييساً للعدالة 

وتأكيداً لمبدأ الاستقلال التام في أداء المهام والاختصاص والسلطات في الإشراف على إجراءات التحري والتحقيق فيما يتعلق بإجراءات ما قبل المحاكمة جاء الفقرة(ب) فى المادة (11) من قانون النيابة العامة(أخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها) ورد هذا الصياغ في إجراءات ما قبل المحاكمة مما يدلل أن أي تحقيق وتحرٍ في أية جريمة وأخذ العلم بها هو اختصاص أصيل للنيابة العامة ويمنع هذا الشرط تدخل الجهات التنفيذية من استغلال سلطة النيابة وتصريفها للجان وفي هذا تأكيد أصالة الاختصاص والسلطات للنيابة العامة وتمام الاستقلال ويمنع التدخلات السياسية. 

إذاً أخذ العلم هو الالتزام الواجب في المهام والاختصاص للنيابة العامة والاتساق مع صحيح الإجراءات القانونية السليمة.

تشكيل مجلس النيابة العامة الأعلى ودوره في عمل لجان التحقيق:-

من اختصاصات المجلس الأعلى للنيابة العامة في المادة (5) الفقرة (ب) التنسيق مع الأجهزة العدلية وأجهزة إنفاذ القانون والعمل على إزالة معوقات العدالة الجنائية في مرحلة ما قبل المحاكمة.

وفي المهام والاختصاص الوارد في المادة (11)  فيما يخص إجراءات التحقيق واتخاذ التدابير وفقاً لأحكام القانون، والعمل والتنسيق مع الجهات الأخرى والإشراف القانوني على إجراءات الأجهزة العدلية المساعدة،  هذه المهام من اختصاص النيابة العامة،  لذلك ضرورة تشكيل المجلس الأعلى للنيابة العامة ليقوم بدوره ومباشرة اختصاصاته .

دور النيابة العامة في  الإشراف والتوجيه في عمل لجان التحقيقات الجنائية :

التحقيق الجنائي هو الإجراءات القانونية التي تتخذ بغرض التحقيق والبحث عن وقوع الحادث وحقائق وتفاصيل الواقعة ، والتعرف على المتضررين ومعاونتهم و الكشف عن الجريمة ومعرفة هوية مرتكبيها وجمع الأدلة التي تحقق العدالة الجنائية ، وتطبيق قانون الإجراءات الجنائية من أجل مصلحة العدالة والوصول إلى الحقيقة. 

إن من موجهات ممارسة التحري والتحقيق وإجراءات ما قبل المحاكمة اللجوء إلى لجان التحقيق وتقصي الحقائق في حالات وقوع الانتهاكات الناتجة عن أحداث مفاجئة،  وفي ذلك تضطلع النيابة العامة بدورها في التوجيهات والإشراف على سير التحقيق من أجل معرفة الحقيقة وتوجيه الاتهام وتطبيق القانون واجب التطبيق استناداً على المعايير والضوابط القانونية. 

وعادة ماتكون اللجان عبارة عن هيئات تنحصر مهمتها في ربط الأحداث بهدف جمع الوقائع والنتائج المترتبة عن الأحداث ،أحياناً يستفاد من اللجان في إجراءات التحقيق الجنائي  عند وقوع جريمة ما توصلاً إلى معرفة الحقيقة ، وعادة ما توكل مهام التحقيق للجهات المساعدة في تطبيق العدالة،  والجهات ذات الصلة بالتحقيق العلمي والفني في جمع الأدلة والقرائن من مسرح الجريمة للاستفادة منها في حصر الاتهام ، ولا يجوز أن يكون التفويض للجان عامًا ومطلقاً .

 يتمتع المفوض له في حدود تفويضه بجميع السلطات المخولة لوكيل النيابة ، مع سيادة  اختصاص النيابة العامة في التحقيق في الجرائم والتصرف فيها واتخاذ التدابير الخاصة والإجراءات اللازمة في توجيه التحري. 

عمل اللجان وتحديد المهمة ينحصر في أن تثبت الوقائع والظروف والتحقيق واليفادة عن وقوع الانتهاكات، وفي ذلك إثبات الوقائع وتقييمها بناء على القانون الواجب التطبيق، والتوصل إلى الاستنتاجات ، وتحديد هوية مرتكبي الانتهاكات لكفالة محاسبة المسئولين عنها وإصدار التوصيات للجهة المختصة باتخاذ التدابير اللازمة   وتوجيه الاتهام.(النيابة العامة)

أن مراحل التحقيق والتحري في جمع البيانات وتصنيفها  بحيث  تصلح لأن تؤسس عليها دعوى جنائية متماسكة ومترابطة تعد من المراحل المهمة في الدعوى الجنائية وهذه الأهمية تتحقق من خلال تولي النيابة العامة اختصاصها في التحري والإشراف والتوجيه لعمل اللجان وإحالة الدعاوى للمحاكم ، وبالرغم من نص الوثيقة الدستورية في المادة(8) الفقرة (16)  على تشكيل لجان تحقيق وطنية مستقلة  تهدف للتقصي ومعرفة أسباب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم التي ينص عليها القانون الدولي،  إلا أن هذه اللجان لاتملك حق اتخاذ التدابير والإجراءات المتعلقة بالدعوى الجنائية،  تعد نتائجها محدودة لا ترقى لمستوى البيانات التي يمكن أن تؤسس عليها دعاوى جنائية كما جاء في نص المادة (12) من قانون لجان التحقيق لسنة 1954 (لا يجوز قبول أية أقوال أدلي بها أثناء أي تحقيق يجري بموجب أحكام هذا القانون، كبينة أمام أية محكمة سواءً كانت مدنية أم جنائية).

هذا المادة تؤكد أن اللجان عند تولي التحقيق وحدها لاتملك السبيل للمحاكمة العادلة ، ولكن بمفهوم المخالفة عندما تتولى  النيابة العامة كامل دورها في التحرث والتحقيق والإسناد والاستفادة من عمل اللجان حينها يمكن أن يصبغ على تقرير وأعمال اللجان الصبغة القانونية التي يستفاد منها في الدعوى الجنائية،  وبالمقابل هنالك أمور فنية وإدارية تتطلب ضرورة عمل اللجان ولا مناص منها بأن تكون تحت إشراف النيابة العامة.

نتيجة:-

الأولى:- لأجل المصلحة العامة وتحقيق العدالة الجنائية،والتحقق من سلامة الإجراءات والأسس التي تقوم عليها الدعوى الجنائية لابد من تولي النيابة العامة اختصاصها في التحري والإشراف والتوجيه لعمل اللجان وإحالة الدعاوى للمحاكم، ولا قيمة لعمل اللجان ولاتمتلك الصبغة القانونية لكي ترقى لمستوى البيانات المقبولة إلا إذا كانت تحت مظلة ورقابة النيابة العامة.

 

الثانية:- الدعوى الجنائية في مرحلة ما قبل المحاكمة لا تخرج عن افتراض كونها في مرحلة التحري والتحقيق وأن أي إجراء فيها لا يتعدى أحد الإجراءات الثلاثة أما أن تكون الإجراءات بينة مكتملة توجه بها التهمة و تحال بها الدعوى الجنائية للمحاكمة، أو بينة غير مكتملة يطبق فيها إجراءات إطلاق سراح المشتبه بالضمان لمصلحة العدالة ،أو لاتوجد بينة وتشطب الدعوى الجنائية. 

حقائق لابد من النظر إليها وتحقيقها:-

أولاً/ إن خطوة السيد النائب العام( المكلف) مولانا مبارك محمود في الإحاطة الاجرائية وأخذ العلم والإمساك بملفات الفساد وجرائم القتل والانتهاكات وإنشاء نيابات متخصصة وفقاً للقانون ،ورد تفويض سلطات النائب العام تعد خطوة في الاتجاه الصحيح من حيث القانون والإجراءات وحجر الأساس لتطبيق العدالة الانتقالية وبناء دولة المؤسسات والقانون في أن تتولى النيابة العامة كامل دورها في التحرى والتحقيق وإجراءات ما قبل المحاكمة وسير الدعوى الجنائية. 

ثانياً / يجب الوضع في الاعتبار أن حيادية واستقلالية النيابة العامة تتطلب التعامل مع الأحداث والتجاوزات القانونية وفق وصف الفعل الإجرامي المرتكب حماية للمصلحة العامة  و حكم القانون في تطبيق العدالة الإجرائية الجنائية.

ثالثاً/ المرحلة الانتقالية العدلية تعد مرحلة استثنائية وإجرائية وعند تطبيق القانون يجب أن تراعي النيابة العامة الموازنة بين تطبيق القانون ومجابهة المخاطر والحد من التدخلات السياسية ومظاهر شخصنة العدالة والقانون وهذا ما اصطلح  عليه ( بفن العدالة الانتقالية).

رابعاً/ ضرورة وقوف النائب عند مسافة واحدة مع كافة أعضاء النيابة العامة والاهتمام الواجب بقضاياهم و همومهم ولاسيما نادي النيابة العامة وأن  ذلك يحقق الاستقرار الداخلي.

 

النيابة العامة قانوناً سلطات لاتحد ولا تنقطع في سبيل حماية المصلحة العامة:-

نقطة(1) لا تتوقف النيابة العامة عند التحقيق الجنائي والإشراف على إجراءات التحري بل يجب أن تراعي حماية المجتمع قبل وقوع الانتهاكات، وإن القوانين الأصل من  تشريعها حماية المجتمع.

 

نقطة (2) النيابة العامة لا تتوقف سلطاتها في تمثيل الدولة والمجتمع في المسائل الجنائية بل يجب أن يتعدى ذلك إلى مراقبة السجون والمعتقلات حماية لحقوق الإنسان،  وإن سلطة المحاكم في تمديد الحبس شرعت من أجل تنظيم سير الدعوى الجنائية ، وحساب مدة الحبس ضمن العقوبة المقررة، ولا يعني ذلك انقطاع سلطة النيابة من ناحية الرقابة حماية لحق المجتمع وحقوق الإنسان.

 

نقطة (3) أن سلطات واختصاصات النيابة العامة تجعل أعضاء النيابة العامة(وكلاء النيابة) طرفاً أساسياً في إقامة العدل وبسط سيادة حكم القانون، وحماية المصلحة العامة والنظام العدلي والإمساك بملفات الفساد وجرائم القتل والانتهاكات، لذلك واجب الدولة توفير الحماية القانونية اللازمة لهم ، وإن يبذل النائب العام ومساعدوه كافة الجهود لتحقيق الحماية والاستقرار. 

(حماية المجتمع واستقراره وحماية أعضاء النيابة العامة ضمان  تطبيق العدالة).

ختاماً : دور النيابة العامة في المرحلة الانتقالية العدلية يعد دوراً فعالاً في تطبيق الإجراءات الجنائية وفقاً للقانون بإنصاف واتساق والتزام دون تحيز أو محاباة، لتطبيق سيادة القانون وحماية المصلحة العامة، وتوفير العدالة الناجزة في النظام العدلي، وبناء دولة القانون والمؤسسات،  وتعد المبادئ اللازمة لتأدية المهام والاختصاص والسلطات من المرتكزات الأساسية القائمة على الإجراءات السليمة في تأدية المهام ومساندة حقوق الإنسان،  وإن من أسباب سقوط العدالة تفويض السلطات والاختصاصات في غير مقتضى وضرورة لازمة ،لا يجوز أن يكون التفويض عاماً ومطلقاً يجب أن تحده قيود وشروط ولايخرج 

 المفوض له من  حدود تفويضه تحت رقابة وإشراف النيابة العامة.

 

 ممارسة النيابة العامة لكامل سلطاتها واختصاصاتها ودورها الفعال في الإجراءات الجنائية أساس بناء دولة القانون والعدالة.

على مجلسي السِّيَادَة وَالوُزَرَاء مُجْتَمَعِين القيام بالخطوات اللازمة لتشكيل المجلس الأعلى للنيابة العامة لتفادي الإخلال بتحقيق العدالة، وضمان اكتمال المؤسسات العدلية المعنية بالدور الفعال في الإجراءات الجنائية، وحفظ الحقوق وأن غياب تشكيل وتكوين الْمَجْلِس الأعلى للنيابة العامة يعني تعطيل سير العدالة.  

اترك رد