إلى ذلك // عبدالله على ابراهيم (ليلة الخناجر الطويلة: مصارع تكنوقراط مايو (٢) (١٩٧٥) )

0
6

 

 

حين نقول إن الديمقراطية هي الحل يذهب البعض إلى الأحزاب والبرلمان وهرجهما المزعوم. ولكن الديمقراطية أوسع من ذلك. إنها البيئة المثلى ليستثمر كل واحد منا في الوطن بعزة نفس. وستجد في عرض منصور خالد خبر جماعة من أهل الخبرة، ممن نسميهم التكنوقراط، في كتابه “السودان والنفق المظلم” (1985) لم تخسر استثمارها في الوطن بل كرامتها نفسها بتعاقدها مع الرئيس المستبد نميري في 1971. فأسعدهم بدعوته لهم ليبذلوا خبرتهم للوطن من موقع الوزارة. وجعلوه بدستور 1973 رئيساً قائداً أخضعوا له السلطات القضائية والتشريعية، وصنعوا له حزباً واحداً له الولاية على النقابات والصحف ثم الرياضة لاحقاً. تبنوه ديكتاتوراً. واعترته حالة الديكتاتور وهي ألا حدود لديكتاتوريته. فانتهز سانحة انقلاب 1975 ليرمي بكل قيد خجول في الدستور على سلطانه ويتفرعن. وكان أول من تفرعن عليهم هم قادة الصفوة التي مكنت له بين 1975-1971. فأهانهم إهانة تزبد من صفحات كتاب منصور. وسمى منصور ليل التبشيع بهم ب”ليلة الخناجر الطويلة” التي بانت سنان نميري فيها على الأيدي التي صنعته. كانت بيئة الشغل لمثلهم الديمقراطية ولكنهم توهموا أن خبراتهم ستشفع لهم عند المستبد. اعتزلوا الديمقراطية لأنها “هرج” في ظنهم ثم وراهم نميري المكشن بلا بصل.

تكأكأ الهتيفة وسوّاقة النظام، في قول منصور خالد، على التكنوقراط ممثلين في إبراهيم منعم منصور وزير المالية. وكان نميري يفرك يديه، في قول منصور، طرباً للفتنة التي تفرق فيسد (77). وتقدم إبراهيم منعم باستقالته في 25 يناير 1975.

وسارع منصور ليقول بأن نميري أعاد تعيينه بعد ست سنوات من تاريخه ليحل محل بدر الدين سليمان في وزارة المالية. وكان بدر الدين من “صقور” حملة نزع التصديق من شركة النيل التي انتهت باستقالة إبراهيم منعم. وجاء في استقالته:

“جاءوا بي للحكومة للمساهمة في مهمة عالية. وبدلاً من القيام بواجب المسؤولية المعلقة في عنقي وجدت نفسي مكتنفاً بمؤامرات طاردة. وصار الخيار أمامي إما أن أتمرغ في صراع العصب المتآمرة، أو أن أبعد نفسي عن ساحتها باحثاً عن وظيفة تؤمن لي خدمة مُثلي لشعبنا” (77).

ويؤرخ منصور خالد بذلك اليوم للسودان الذي لم يعد هو السودان. وهو يوم نصر نشالي المتاجر الذين صاروا من مؤسسي دولة مايو (97). ورتبوا أمرهم للتخلص من الثلاثي ممن سموهم “مراكز القوى” التي تكونت من إبراهيم منعم المالية، ومنصور الخارجية. وموسى بلال الصناعة. واكتمل نصرهم بسبت الخناجر الطويلة في 26 يناير 1975. واستجاب لهم الرئيس بتغيير في القيادة وتبديل. فخرج في سبت الخناجر عمر الحاج موسى من الإعلام. وقَبِل بأن يكون الأمين العام للاتحاد الاشتراكي بعد رفضه عرض السفارة له. كما أُخرج جعفر بخيت من الحكم المحلي إلى رحاب الاتحاد الاشتراكي. وذهب وديع حبشي من الزراعة، وسر الختم الخليفة من التربية. وتم تعيين مامون بحيري وزيراً للمالية، ومنصور خالد للتربية والتعليم، وحبشي للمجلس القومي للبحوث. وخرج موسى بلال كما خرج إبراهيم منعم لا يلوي على شيء. ولم يبق من طاقم التكنوقراط الذين سمى منصور سنواتهم من 1972-1975 “عهد السعد والظل لمايو” سوى عبد الرحمن عبد الله وزير الخدمة والإصلاح الإداري.

وعلق منصور:” وهكذا خرج الوزراء الذين حملت أكتافهم عجلة النظام لأربع سنوات غاصة بالأحداث دافعين ثمن نجاحهم وشغلهم الشاق لمؤازرة رئيس لا قيمة له” (81). وتبنى نميري، الذي لا قيمة له، بنفسه مسح أبطال سنوات الوعد بالأرض. فقال إنهم بلا ثمرة ولا يعرف لهم إنجازاً. فقال في خطابه عن فريق منصور: “صبرت عليهم حتى خبطوا القاع” (83). فظل مراقباً لهم، كما قال، سامعاً لأقوالهم إنهم مركز دائرة الدولة وصناع القرار. وعلى احتلالهم مواقع عليا في قيادات الحزب الواحد، الاتحاد الاشتراكي، وكتابة أدبه إلا أنهم أعضاء بمجرد الاسم فيه. وقال إنه لم ير منهم تباطؤاً في تنفيذ توجيهاته فحسب، بل إجهاضاً لمبادراته بالذات في حقل التنمية بالتكاسل والإرجاء في كتابة الدراسات للمشروعات المختلفة. وهذا يعني الزيادة في تكلفة المشروع بسبب المماطلة والانتظار (84).

ونال منصور خالد تقريعاً خاصاً من نميري. فقال عنه بما يفهم اللبيب: “رأيت كيف تواترت أسفارهم لأداء أشغال بالخارج. وبعض هذه الأشغال لا تستدعي السفر، وأغنى عنها تبادل الرسائل والمذكرات. ثم هناك المؤتمرات المتلاحقة التي كانت لبعض أعضاء المجلس السابق إجازة لا شغلاً (84). فالتقارير الواردة من هذه المؤتمرات وضحت أن انعقادها كان على مستوى السفراء لا الوزراء (85).

ولم يغفر منصور لنميري قوله الكذوب عن أدائه بالخارجية. فأفرد فصله الأخير من الكتاب لعرض ما تم من إنجاز بالوزارة تحت قيادته. واسترعى انتباهي كيف حمل منصور نميري حملاً ليتنازل عن مواقف في السياسة الخارجية سَوّق اسم السودان وصوته في المحافل الدولية بثمن بخس لأمثال عدنان الخاشوقجي. وسارع في الفصل الذي روى فيه واقعة سبت الخناجر الطويلة للدفاع عن نفسه وأدائه بأنه كان الوزير، بين سائر الوزراء، من كانت تقاريره اليومية والشهرية والسنوية مبذولة ونشرتها دار جامعة الخرطوم للنشر. ولو رجع إليها الرئيس لما احتاج لغيرها عن أدائه. وأكثر أسفاره للخارج كانت مع الرئيس نفسه سوى تلك التي كانت للترويح الرئاسي. وجاء بطرف منها بين قصور الخاشوجقي وطائراته السخية (85).

وسيرى قارئ منصور أنه شديد الاعتقاد بالجبن الشخصي لنميري بخشيته المواجهة. فلم يَرِد لخطاب الخناجر الطويلة الذي ألقاه أمام المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي أن يذاع على الملأ. وتغير الأمر في ظرف خمس دقائق لأن وزيرين ذهبا للرئيس وقالا له إن خطبته كانت فارقة والأعظم أبداً. وبعد أسبوع تبنى المجلس كلمة نميري كوثيقة تاريخية (85).

عليك الله شوفوا الإهانة التي تكبدها رجال صدقوا أنفسهم، وطلبوا خدمة وطنهم بما فاء به عليهم من علم. أراهم ضحايا نميري ولكنهم ضحايا نميري الذي هو صنع أيدولوجيتهم وأيديهم.

 

 

اترك رد