بدون ألوان // حمدي صلاح الدين ( المدينة الفاضلة.. (جينوا اجيبي) )

0
19

 

 

مدخل أول :(نثر الكنانة)

 

ننثر كنانتنا ونختار أصلبها عوداً وأمضاها عزماً و أقواها شكيمةً و نلقي به في دهاليز وأزقة وحواري الحياة متلاطمة الأمواج فلا لانت لنا “عزيمة” ولا انكسر لنا “قلم” و لا انحنت لنا “هامة” ولا سقطت لنا “راية”، و رغم وعورة طريق الخير والحق وما حوله من أشواك نظل نتشارك مع الناس في إعلاء قيم الحق و الخير و الجمال في سفر الحياة و قاع وسطح المدينة. المدينة التي ننشد.

نحفظ “الملح و الملاح” إلا لمن أبى، زادنا في ذلك إرث سوداني صرف و تاريخ طويل مديد و معين تجارب قيمية لا ينضب و لا يأتيه الباطل من بين يديه، نفرق بدرجة امتياز بين الحق والباطل، الجد و الهزل، الوفي والخائن بذات الإرث السوداني الصرف.

 

مدخل ثاني: (الأشياء تتداعى)

و (تداعي الأشياء) كما خطه يراع الأديب النيجيري تشينوا إتشيبي في روايته

Things fall apart

 

يظل حاضراً يتنقل هنا و هناك لخلط الأوراق، كما أوكونوكو بطل الرواية، و من ثم بعثرت حيثياتها..

من باب حقد و غل و حسد..

في فعل ميسري صرف..

أو قل..

أشبه بالميسري..

أو كما (الأقداح..)

التي يختار أمياً لسحب قراطيسها..

في (الجاهلية الأولى)..

لتصبح (صناعة القدر)..

على يد اختيار (المجهول)..

لا بعزيمة الرجال وقتذاك..

وسلم وقتها من سلم..

و انعتق من براثنها من انعتق.. وظلت هي مضارب أمثال محورة الي الخير..

بعد شر..

فكانت (القدح المعلي) بكسر القاف حاضرة..

كمقولة..

لم تعبث بها عوامل التعرية اللغوية..

فحفظت عن عمر ناهز الألفي عام أو يزيد..

و ظلت حاضرة مضرباً للمثل..

رغم إيغالها في الجاهلية. .

 

مدخل ثالث: (المدينة الفاضلة)

المدينة التي تنشد و تبتغي و ترتجي نهايات الفرح عليها أن (تكرب نصها) حتى لا تفجع ذات صباح خريفي أو صيفي أو شتوي بفاسد يعمل سيف فساده فيها ، فنشدان الفرح غاية صعبة المنال إن لم يسندها إرث أخلاقي معرفي اجتماعي صرف و مجتمع متماسك به سلطة قوية .

فليس كل من يمسك الورق يجيد لعبه و ليس كل من يبث الكراهية و يزرع الفتن فائز بل مكشوف للمجتمع و هو يتمرغ في وحل علل “الدونية البغيضة” لا يفتأ يحاول “هز الشجرة” التي يراها الناس “خيراً لهم” و يراها هو “عقبة كؤود” يجب إزاحتها بفتل أحبال الكذب إفتراء و بهتانا” و حقدا” دفينا” أزف وقت كشفه و تعريته.

و ليس كل من يختار قدحاً هو الأعلى كعباً و ليست “المكائد” مهابط لطائرات أحلام الفشل الاجتماعي لتحيله إلى نجاح متاح و مباح.

و ليس كل من يحاول الصعود على” اكتاف الآخرين” عبر محاولة فتل أحبال الكذب سينجح فالنجاح يحتاج مقومات أولاها الصدق مع النفس و الخلق النبيل والتصالح مع النفس ، قطعاً سيقع و قريبا” جدا” وسيرميه من أسر إليه وهمس له بالكذبة صغيرا” قبل الكبير.

لم تخلق الدنيا لتؤخذ غلابا..

و لم تخلق الدنيا لمحاولة إرغام القلوب على محبة بالعافية..

و لم تخلق الدنيا ليؤدي شخص دور الآخر..

فكل ميسر لما خلق له..

بحسب بيئته..

و إمكانياته..

و خلفيات..

و مرجعياته..

و لن يسد شخص مكان آخر.

و لعل الدين والأخلاق والأعراف خطوط حمراء متوازية لا تتقاطع و لم يخطها يراع قانون بقدر ما فرضها المجتمع على نفسه عبر بوابات التواتر والتعلم والتقليد والحث والتحريض فهي بمثابة إرثه الثقافي و الفكري و الديني فعدم دخول العسكر حرم الجامعات لم يكن مقيداً في (كودات اهل القانون) حتى وقت قريب بل هو (عرف) طغا على (القانون) فتنمر عليه و استأسد عليه فخاف العسكر من “سلطة المجتمع” و مالوا ناحية “العرف” مقابل “إعمال القانون” رغم أن السلاح بيدهم. و فرض هذا العرف نفسه على مضابط دفاتر القانون الجنائي مؤخراً .

فالاخلاق و الأعراف أقوى من القوانين لأنها تستمد قوتها من مد المجتمع الذي يصيغها و يرعاها ويتابعها و لا يتسامح مع من يخرقها.

المجتمع هو شهود الناس لله في الأرض. ليس الهمس الخبيث شاهداً. المجتمع الذي لن يجمع على الخطأ و لن يجمع على سوء.

مدخل رابع : (اتشيبي يدق ناقوس الخطر)

 

و لعل كتاب المقاولات أفرطوا في تقديراتهم حول مضامين و معاني المدينة الفاضلة، أو لعل الخلفيات و المرجعيات و البيئات قد جعلت سكان رواية النيجيري يغرقون في هذا التداعي المجتمعي القروي و يحدثون المفارقة بحسب وجهة نظر تشينوا إتشيبي أو الرسالة التي أراد إرسالها أو ناقوس الخطر الذي أراد قرعه للتنبيه قبل أكثر من ستين عاماً . إتشيبي أحدث حالة من المفارقة في روايته تلك.

 

مدخل خامس : (السحرة و الأفاعي)

“إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة” جاءت مزلزلة وقتها و هرون يشد من آزر موسى بأمر الله في محفل (السحرة و الأفاعي) فجاءه نصران الله عبر عصاه أن “الق عصاك”، الأمر الرباني الذي زلزل أركان عرش فرعون. ذاك ما استطاع عليه صبراً، فتمرد السحرة على فرعون و اعترفوا برب موسى من داخل قصر فرعون وسط تهديده لأصلبنكم و لأقطعن أيديكم و أرجلكم من خلاف.

وقد سبق الحق القول وقتها و بهت فرعون وهامان و جنودهما بعد أن تحولت العصا إلى أفعى التهمت أفاعي السحرة أجمعين. و هذا تبيان الله للناس في الأرض أن الظلم ساعة والسوء حين و الحق ظاهر فرب العباد ينتقم للمظلوم في حياة الظالم خزيا” و نكالاً أو هكذا تحدث الشيخ الشعراوي في جلسة في خواتيم حياته و هو يجلس القرفصاء يعتمر قبعة و فوق عينيه نظارة سوداء ظهرت للتدليل على بحث مضنٍ و قراءة مستديمة وعلم لدني.

 

مدخل سادس :(الشد و العضد)

و الشد و العضد و السند أحد وقود الحراك داخل المدن الفاضلة كمدينة (اوكونوكو) بطل رواية النيجيري تماماً كما فعل هارون مع موسى و قد يأتي من الصغير قبل الكبير، إلا أن النيجيري أراد إخراجه في ثوب آخر مستخدماً لغة غاية في المحلية و فكرة تتماشى مع المجتمع الأفريقي .

السند و العضد يأتي من مبدأ “الساكت عن الحق شيطان أخرص”. السند و العضد جاء متجلياً في عدة صور من آي القرءان الكريم عرضها المولى عز وجل بطرق متنوعة مخفياً السر عن البطل و كاشفه للنظارة أو هكذا أورد المؤرخون طرق عرض القصة في القرءان الكريم.

 

 

اترك رد