الى ذلك // عبدالله على ابراهيم ( كوز واللا ود بلد: التغييرفوبيا )

0
28

 

 

يساور إنشراحنا لتغيير ما بنا بثورة ديسمبر هاجس إننا ربما لم نوفق فيه نظراً لبؤس مردودنا من وعد ثورتي 1964 و1985. وسميت هذه المساورة ب”التغييرفوبيا”. وهي الوساوس أو المخاوف (الفوبيا) التي تعكر صفو كثير منا في طلبهم التغيير هذه المرة أيضاً. وأكثر مظاهر هذه الفوبيا تنغيصاً علينا هو ما تواضعنا على تسميته ب”الحلقة الخبيثة أو الشريرة”. وهي الدورة التي ظل يتعاقب فيها نظام ديمقراطي ونظام ديكتاتوري خلال سنوات استقلالنا الوطني الأربع وستين.

باتت هذه الحلقة الخبيثة مثل دورات الطبيعة في حياتنا السياسية (أو في اعتقادنا عنها) من فرط تكرارها فينا. وهي ليست كذلك بالطبع. ولم نجعلها كذلك إلا لأننا لم نحسن تشخيص هذا التعاقب ناظرين إلى صراع قوى مجتمعنا حول مصالحها. وحال دوننا ومثل هذا التشخيص إنه لم ينشأ بيننا علم للسياسة مستقل عن الناشطية السياسة يكفل لنا الترقي من المقاومة إلى النهضة.

 وكنت أخذت على فكرنا ولعه بسؤال الطيب صالح الشهير: “من أين جاء هؤلاء؟” استنكاراً واستهوالاً لنظام الإنقاذ لا غوصاً بمباضع علوم السياسة والاجتماع في تراكيب مجتمعنا لمعرفة من أين جاء هؤلاء. وبلغت غرابة مجيء الإنقاذ بينا أن حكى أحدهم عن عمته التي كانت تستمع لقائمة وزراء مجلس دولة الإنقاذ الأخير وتسأل بعد ذكر كل اسم منها: “يا ولدي دا دحين كوز واللا ود بلد”. فاستغرقتنا خطايا الإسلاميين دون تحليل تراكيب مجتمعنا التي خرجوا من ثقوبها كما خرج قوم من قبلهم في  1958 و1969 أذاقت وطننا الويلات.

لا أعرف كيف جعلنا من الانقلاب كارثة سياسية مجهولة الهوية تأخذ بخناق الديمقراطية في الدورة الخبيثة في حين توافرت المصادر لمعرفة أفضل به. فلا أعرف مدرسة سياسية  انفتح بابها على مصراعيه لمعرفة منشأ الانقلاب فينا مثل الحزب الشيوعي في خلاف أطرافه في ١٩٧٠ حول طبيعة انقلاب مايو ١٩٦٩: أهو ثورة أم انقلاب. وضج حوار أطراف الصراع من فوق وثائق بحثت ماركسياً في مفهومي الثورة والانقلاب في وضع السودان المتعين والصراع الطبقي الاجتماعي فيه نشرها فؤاد مطر في كتابه “الحزب الشيوعي نحروه أم انتحر” (1971 ). ولولاه لكان الشافها ما انشاف.

وقبل أن أعرض تشخيص الحزب الشيوعي الطبقي للانقلاب سأتناول مسرعاً أفكار بعض زملائي الكاتبين التي جعلت الانقلاب، متى ما أفرغته من دلالاته في الصراع الاجتماعي، عقوبة مستحقة لإسراف الصفوة في حق الوطن والديمقراطية، أو عاهة سياسية في جينات الصفوة، أو مظهر من مظاهر خلونا من الثقافة الديمقراطية. فمن رأي منصور خالد أن انقلاب 1958 كان عقوبة جنيناها على أنفسنا لإساءتنا للديمقراطية بالخلاف المؤدي إلى “الخبط السياسي المقلق”. أما النور حمد فرأيه أن الانقلاب علة في سياسيينا. واتفق عبد العزيز حسين الصاوي مع منصور في خلونا من الثقافة الديمقراطية. وجعل الانقلاب بالنتيجة مظهراً من مظاهر بؤس خبرتنا بالديمقراطية.

إعتقادات من ذكرت من زملاء القلم تجعل من الانقلاب حالة من الكارثة أو الهرج في خاتمة الأمر. وهي اعتقادات لن تسوقنا إلى وعي تاريخي بالانقلاب يصقل مهارتنا في التعاطي معه. فلن تنصلح الديمقراطية يوماً قريباً أو بعيداً كما يطرأ للبعض فيجف فيها الخلاف “والخبط السياسي المقلق” لتسلم من الانقلاب. فالديمقراطية بيت الخلاف. وسبيلها، بحسب فردريش هايك، هو الأقل فداحة متى اصطرعت الأفكار: وهو عَد الأصوات لتقرر من الكاسب. فلا رفث ولا قتال. ومتى كان الانقلاب شبقاً، في قول النور، في سياسيينا فالفطام مستحيل. فالشبق غلاّب. ولا يدري المرء القدر من ثقافة الديمقراطية الذي ينبغي لمثلنا أن يتزود به حتى يتمرس في إدارة نظامها ليصح قول الصاوي. ومعلوم أن أخطاء الديمقراطية لا تحل إلا بالديمقراطية. فالممارسة الديمقراطية نفسها مدرسة.      

نظريات من ذكرت من زملائي تنزع الشرعية السياسية من الانقلاب. فلا مكان له في إعراب السياسة.فهو عقوبة على إساءتنا للديمقراطية. ولا نعرف من خول لمرتكبه سلطات عقابنا. وهو شبق. ولا أدرى من أذن للمصاب به الشغب به علينا. والأهم أنها اعتقادات لم تعتبر بتوطين الشيوعيين للانقلاب في الصراع الاجتماعي. فهو عند الشيوعيين ممارسة للسياسة بطريقة أخرى. ومتى جعلناه كذلك لم نستنكره كعنوان للفشل بل كإرادة سياسية تستفزنا للعلم بها والعمل ضدها. وهكذا نحصن ممارستنا السياسية ضد فيروس التغييرفوبيا.

 

 

اترك رد