إلى ذلك // عبدالله على ابراهيم (ليلة الخناجر الطويلة: مصارع تكنوقراط مايو (١٩٧٥) )

0
31

 

 

حين نقول إن الديمقراطية هي الحل يذهب البعض إلى الأحزاب والبرلمان وهرجهما المزعوم. ولكن الديمقراطية أوسع من ذلك. إنها البيئة المثلى ليستثمر كل واحد منا في الوطن بعزة نفس. وستجد في عرض منصور خالد خبر جماعة من أهل الخبرة، ممن نسيهم التكنوقراط، في كتابه “السودان والنفق المظلم” (1985) لم تخسر استثمارها في الوطن بل كرامتها نفسها بتعاقدها مع الرئيس المستبد نميري في 1971. فأسعدهم بدعوته لهم ليبذلوا خبرتهم للوطن من موقع الوزارة. وجعلوه بدستور 1973 رئيساً قائداً أخضعوا له السلطات القضائية والتشريعية، وصنعوا له حزباً واحداً له الولاية على النقابات والصحف ثم الرياضة لاحقاً. تبنوه ديكتاتوراً. واعترته حالة الديكتاتور وهي ألا حدود لديكتاتوريته. فانتهز سانحة انقلاب 1975 ليرمي بكل قيد خجول في الدستور على سلطانه ويتفرعن. وكان أول من تفرعن عليهم هم قادة الصفوة التي مكنت له بين 1975-1971. فأهانهم إهانة تزبد من صفحات كتاب منصور. وسمى منصور ليل التبشيع بهم ب”ليلة الخناجر الطويلة” التي بانت سنان نميري فيها على الأيدي التي صنعته. كانت بيئة الشغل لمثلهم الديمقراطية ولكنهم توهموا أن خبراتهم ستشفع لهم عند المستبد. اعتزلوا الديمقراطية لأنها “هرج” في ظنهم ثم وراهم نميري المكشن بلا بصل.  

 لا فضل لي في هذا الفصل عن استقالة إبراهيم منعم منصور، وزير المالية في 1975، وليلة الخناجر الطويلة سوى تعريب فصل من كتاب منصور خالد الذي صدر في العربية بعد الإنجليزية بعنوان “السودان والنفق المظلم: قصة الفساد والاستبداد” وتلخيصه. والأرقام بين أهلة للصفحات من النسخة الإنجليزية من الكتاب. وأنشر الفصل في ظرف رحيل المرحوم إبراهيم منعم ليطلع الخلف على دور من أدوار تاريخ الدولة السودانية. وهاجسي أن الكتاب في عربيته وانجليزيته غير منتشر بشكل كاف على قيمته الكبيرة ك”بلاغ” عن دولة مايو من باطنها

أحاطت بنميري منذ بداية السبعينات، حسب منصور، ثلاث مجموعات. التكنوقراط من اشتغل منهم بالسياسة ومن لم يشتغل ممن اختارهم لخبراتهم الأكاديمية والتقنية. وكانوا شاكرين لنميري الفرصة التي اتاحها لهم لخدمة وطنهم (70). وكانت المجموعة الثانية من أهل التعبئة السياسية بعضهم شديد القدرة والذكاء. ولكن بينهم هتيفة أرادوا تغيير السودان بالتهريج وصيحات الحرب. أما الجماعة الثالثة فهي حاشية البلاط ممن خرجوا لخدمة ذواتهم ومازوا عن الأخيرين بتربصهم ب”أبواب السلاطين” ومنفذهم إلى الرئيس. وليس لهذه الجماعة توقير للمؤسسات، وصادفوا رئيساً معادياً لها. وقاد هذه الجماعة الأخيرة الدكتور بهاء الدين.

وقال منصور إنه وعمر حاج موسى اعترضا على توظيف بهاء الدين. ولم يسمع نميري حتى من صفيه عمر. وكان الليل قد تأخر وهما في الجدل. فالتفت عمر إلى منصور وقال ربما يرى الرئيس ما لم نره في الرجل. فقال عمر لمنصور: تأخر الليل وعليّ أن اقطع جسراً لبيتي. فقال منصور لنفسه حذراً مما سيأتي: من الآن فصاعداً حُكم علينا جميعاً أن نقطع جسراً طويلاً (71).

كانت المواجهة بين التكنوقراط مثل منصور، المؤسساتية في نظره، والحاشية، وسماهم نشّالي المتاجر، في النصف الثاني من يناير 1975 (73).  وتقَصَدت الحاشية وزير المالية منعم منصور الذي وقف لها بالمرصاد. فتربصوا به في معركة اشتهرت ب”شركة وادي النيل لما وراء البحار” التي منحتها الحكومة تصديقاً في 1970 لاستيراد حاجيات الحكومة من الخارج والتصدير منه بعد تأميم الشركات الأجنبية في 1970. ولما صار منعم وزيراً في 1972 عُرض عليه أمر الشركة فنصح صاحبها، محمد الحسن عبد الله يسن، أن يُدِخل الحكومة شريكاً ب 40%. ففعل (75).

وتربصت الحاشية بالوزير في ديسمبر 1974 وسعت للتحالف مع طاقم التعبئة السياسية في الاتحاد الاشتراكي، أيدلوجيين وهتيفة. وقال منصور بحرقة إنها حملة جردت الاتحاد الاشتراكي من الرحابة ليسع الخلاف ويواليه بالنقاش. فبها تحول التنظيم إلى “تحالف جماعة متباغضة يقعد واحدها بالمرصاد للآخر، حديقة حيوانات يلتهم الفأر الفأر”. وبدأت الحاشية باختطاف مذكرة من الوزير إبراهيم منعم للرئيس حول ملابسات تكوين الشركة والتصديق لها وبذلته للاتحاد الاشتراكي. ثم سرقت دوسيه الشركة بأكمله من مكتب الوزير لتجرده من الحجة. وتركت الحاشية للاتحاد الاشتراكي إدارة حملة شركة النيل ضد الوزير بحجة مجانبته مبادئ مايو، ومنح شركة ما احتكار أعمال ما.

لم يستدع الاتحاد الاشتراكي إبراهيم منعم ليستمع إلى قوله. وأسرعوا بعرض المسألة على مجلس الشعب الذي أوقف الوزير أمامه ليرد على نقد قادة المجلس واتهاماتهم. فأطلعهم على أن الشركة مصدق بها منذ 1971 وأجازها الرئيس في 1973. فأمروه ألا يأت باسم الرئيس في السياق بينما لم يكن إبراهيم، في قول منصور، يريد التذرع به. فقد سبق ذلك بالقول إنه يتحمل المسألة كاملة صحت أم أخطأت. فالشركة عنده مسجلة وفق القواعد المعمول بها، ولا تحتكر السوق، إن لم تفتح له أبواباً أخرى. وطلب منهم أنه، إذا صح عزمهم، أن يعرضوه لمحكمة الحزب الحاكم وفق قوانينه. وقرر مجلس الشعب سحب التصديق من الشركة.

وكان نميري يفرك يديه، في قول منصور، طرباً للفتنة التي تفرق فيسد (77). وتقدم إبراهيم منعم باستقالته في 25 يناير 1975. 

 

ونواصل .. 

 

 

 

 

اترك رد