مع ذالك  //عبد الله علي إبراهيم (مصفاة المتوهمة (1973): يا لزهادة نميري في الوطن )

0
29

اتفق لي دائماً أن من اعتقدوا في منصور أجهلهم بما يكتب. وهي عادة فاشية في برجوازيتنا الصغيرة القارئة. فلا أرى من اعتقد في الترابي أو عبد الخالق بأفضل حالاً. فلو قرأوا عن منصور “السودان والنفق المظلم”، وتركوا إغاظة الكيزان ب “من حملتهم أمهاتهم” السقيمة، لكفوا عن التلفيق عن زهد نميري وعفة يده. ومنعاً للتطويل ألخص ما جاء في الكتاب عن نصه الإنجليزي (المعرب حالتو) صورة منصور لضعة نميري أمام الثري السعودي عدنان الخاشوقجي واستباحته موارد البلد له. وذكر منصور الجائزة عن ذلك الفساد في كتابه “نميري وتحريف الشريعة” فأطلبه هناك.

ترافق في أوائل السبعينات ظرفان: تواتر ارتفاع سعر البترول بعد حرب أكتوبر 1973 وازدياد الطلب السوداني للنفط مع توسعه في التصنيع والتنمية. وقامت جهود حثيثة بين وزارة الخارجية والمالية والصناعة لتوفير أمرين. 1) مدد نفطي من إيران والسعودية بقروض ضمان منهما.2) التوسع في مصفاة بورتسودان (نشأت في 1964) لأنها استنفدت طاقتها. ولقي مشروع تجديد المصفاة سنداً من السعوديين. وفي فبراير 1974 اتفق الجانب السعودي والسوداني بعد التفاوض على إنشاء مصفاة صغيرة في بورتسودان كمشروع مشترك. كما اتفق الطرفان أنه, متى صارت مصفاة بورتسودان الأصل، وهي ملك شركة شل، سودانية شارك السعوديون فيها. ومتى صارت السعودية شريكاً في السعودية ضمن السودان النفط.

وعلم عدنان الخاشوقجي (ويشير له منصور بالحرفين الأوائل من اسمه آي كي) بما توصل له الوزراء مع السعودية من مصدره بين حاشية القصر وهو الدكتور بهاء الدين محمد إدريس. فجاء للسودان بمشروع لبناء مصفاة أكبر خمس مرات من التي جرى الاتفاق عليها. وسوغ لنميري سر مصفاته الباتع بأنها ستكفي حاجة السودان وشرق أفريقيا بالنظر إلى أن نميري زعيم أفريقي أيضاً. ونقل خاشوقجي للرئيس أن السعودية تعلم بمشروعه وتباركه وتدعمه بنفط بثمن متهاود. وحاول منصور خالد إثناء الرئيس عن الارتباط بمشروع الخاشوقجي الذي لا حاجة للبلاد به لأنها ليست سوقاً لبيع البترول. واضاف أن السعودية التي اتفقت معهم بصورة رسمية لن تدعم الخاشوقجي. ولكن كان نميري في واد آخر.

وكان منصور يعرف موقف السعوديين السلبي من عرض الخاشوقجي الذي أطلعه عليه محمد زكي اليماني وزير النفط السعودي. فقول الخاشوقجي بالحصول على البترول بسعر تفضيلي مخالف لقوانين السعودية. وألحف منصور في طلب اليماني ليأتي للسودان ليقف الرئيس على فساد فكرة الخاشوقجي. وجاء اليماني في صيف 1974. وفوجئ الرجل باجتماع خاص مع الرئيس ظهر فيه الخاشوقجي وتابعه اللبناني سالم عيسى. وعرض الخاشوقجي مشروعه في اللقاء وكان دور النميري الترويج له في قول منصور. وتحدث اليماني عن مخالفة المشروع للقوانين السعودية من جهة مده بنفط بسعر تشجيعي. وتطفل سالم الأرعن وقال لليماني إن ذلك الأمر سيتقرر بواسطة جهات عليا في السعودية. وجلل الحرج المكان أن يُساء إلى ضيف الرئيس بحضوره ومن متطفل على اللقاء.

وبعد لقاء اليماني وقع بهاء اتفاقية مع شركة ترياد الخاشوقجي للنفط لبناء مصفاة بشراكة 50 في المائة لكل من السودان وترياد. وخرج الخاشوقجي معززاً بالاتفاقية وسند الرئيس يتسوق للحصول على مصفاة. ولم يستمع نميري لنصح منصور والوزراء من أن السعودية لن تدعم الخاشوقجي الذي لا يريد أكثر من بيع مصفاة للسودان وقبض العمولة. وتأبى نميري بل صدرت منه عبارة حامضة بحق المملكة زعم فيها أن الخاشوقجي محسود من السعوديين لنجاحه.

واجتمع منصور لاحقاً بالملك فيصل بترتيب من اليماني الذي عاد من السودان غاضباً لحديث سالم عن الجهات العليا التي سيعلو صوتها فوق صوته. واختلى منصور بالملك فيصل الذي تميز غيظاً مما سمع. وزاد الطين بلة أن نميري زار السعودية وسأل الملك فيصل أن يقضي له غرضاً لم يصرح به. وفي سماحة عاهل مع ضيف كبير وافق الملك الذي لم يكن يدري أن الغرض هو أن يصفح  عن الخاشوقجي المطرود من المملكة. وكان نميري قد جاء بالخاشوقجي نفسه معه على طائرته. وهكذا جاء الخاشوقجي بشباك نميري لبلد طردته السلطات منه بالباب. وتحرج الملك وقضى لنميري أمره.

 ووضع نميري حجر الأساس للمصفاة في مايو 1974. ولا يزال إلى يومنا حجر أساس المصفاة قائماً والمصفاة لا توجد. وبالطبع راح مشروع المصفاة الصغيرة مع السعودية أدراج الرياح.

اترك رد