مع ذلك // عبد الله علي ابراهيم (نصف قرن في صناعة الوعي : خالد موسي دفع الله)

0
14

 

 

 

 

أكرمني السفير خالد موسي بهذه الكلمة في مناسبة صدور كتابي “الثقافة السودانية: خارطة طريق”. كنت قدمت له كتابه “سيرة الترحال عبر الأطلنطي” (٢٠١٣) وله “اللامنتمي في أدب الطيب صالح” (١٩٩٣). وهي كلمة مشرقة حفية ونافذة زانتها لغته الغناء. تمنيت لو كانت في مقدمة الكتاب.

شرفني البروفيسور عبد الله علي ابراهيم بتقديم كتابي مثل كثيرين غيري نهلوا من فيض علمه، وكرمه المعرفي. وأجد في عنقي دينا أدبياً له بمناسبة صدور كتابه (الثقافة السودانية: خارطة طريق)، وأنا إذ ازجى له تبريكات الصدور، أجدد له شكري وتقديري على ما افاء به علينا من طل وظل في قيظ البحث والمعرفة والدرس. وظلت مؤلفات بروف عبد الله محط احتفاء بين تلامذته وطلابه وعارفي فضله، وتحدث دوماً وقعاً أدبياً ونقعاً فكرياً في حياتنا المعاصرة. وهو الأثر الباقي الذي يبتغيه كل كاتب ومؤلف.

لم يقدم لنا بروف عبد الله فضول الوقت تجملاً ووفاءً لآصرة إنسانية، بل اجتزأ لنا مواسم خصبة من وقته وسويعات عزيزة من إغفاءت نومه وراحته وخصوصيته.

وقد تفرد بمنهج متميز في (استعراض) الكتب وفي التقديم، فاق به أضرابه في هذا المجال إذ لا يفرض أبوة معرفية على من يقدم أعمالهم للقراء، بل يناقش معهم الأفكار والحجج ويساوق المواقف بمنطق سديد، وينتزع من النص أبرز علاماته ومقارباته، ثم يدحوها رقاقة في فرن المعرفة حتى تسد رمق التثاقف. ويتميز بإجراء المقارنات مع أدبيات المعرفة التاريخية أو المعاصرة ويستخرج زبدة العلوم وفنون القول من أدبيات العرب والفرنجة. ويقف حاسر الرأس عند جماليات اللغة مستشفاً منها عناقيدا من الجمال وثريات من المعاني. تأسره البلاغة وغواية اللغة وحسن الاقتباس.

من ينظر الي كتاب (اغواء الصفوة) الصادر عن مركز التنوير المعرفي بالخرطوم عن كتاب القس تريمنغهام عن الاسلام في السودان، يدهش لهذا الكد المعرفي والاصطبار المهول على معاظلة الدرس وهو يعيد تقديم الكتاب على نحو أكثر فائدة من الاطلاع عليه نصاً مستقلا، وبما أفاض به على النص من شرح مستفيض عن الخلفيات والملابسات والحيثيات والمقارنات، وقدم اضاءات عميقة كشفت غوامض النص، بل لامس حتى المغازي المستكنة بين السطور، في ترابط فكري وتسلسل تاريخي ممتع. وهو اغواء وتتبع لمغارس نسجه في قماشة البحث الذي جعل من كتابه (انس الكتب) كتاباً خطيراً بالمعنى الثقافي وهو يكشف بين مباحث متعددة كيف “احطوطب” عشب (إشراقة) (ديوان التيجاني يوسف بشير) بعد كل طبعة منه. وقلما وجدت بين العلماء من يختط نهجه في الاحاطة والشمول بما يقدمه أو يستعرضه من كتب بصورة تجعل من تقديمه متنا موازيا للنص وليس مجرد هامش على الأصل. ومن استمزج هذا النهج على سبيل التمثيل لا الحصر، الدكتور محمد عبد الله دراز خاصة في تقديمه لكتاب مالك بن نبي (الظاهرة القرآنية)، والمقدمات التي حررها د. محمود امين العالم في تقديمه لبعض مؤلفات المثقفين السودانيين وعلى رأسهم الاستاذ محمد ابراهيم نقد.

ومن مناقبه العلمية الرفيعة أنه لا يفرق بين كاتب كبير أو شاب مبتدئ في دروب التأليف والتصنيف لأن الحكم عنده هو النص وجدته وأصالته لا اسم كاتبه. وله طاقة خلاقة لا تنفد في تشجيع الشباب، يأخذ بأيديهم ويزرع في جوانحهم الثقة، ويتعهدهم بالنصح حتى بلوغ غاية النضج في درب المعرفة والبحث وصناعة الوعي.

والمتأمل في كتابه هذا (الثقافة السودانية: خارطة طريق)، لا يدهش من غزارة مادة التقديم فحسب على تنوع الموضوعات والقضايا، ولكن يدرك نجاح بروف عبد الله في كسر قاعدة راسخة في تقديم الكتب إذ لا يحفل كثيرا باختلاف التوجهات الفكرية والإيدلوجية لكتابها، وإن غلب عليهم الاطلالة من الضفة الأخرى من النهر.

ورغم كرمه المعرفي الخلاق، وتواضعه الجم لتشجيع الشباب، إلا أنه شديد المراس في موثوقيته العلمية، ولا يقدم بين يدي سائليه نجوى من (المجاملة) أو الاستلطاف الشخصي على حساب المادة العلمية أو الأدبية. فلا يجمل قبيحاٍ، ولا يقبح جميلاً. بل يصفه حسب مقتضيات الواقع بميسم البحث والعلم ومناهج الدرس السديدة. أقول هذا وقد وجدت بعضاً من كبار مثقفينا ومبدعينا من لا يتردد في توقيع اسمه على تقديم مؤلف أو كتاب لا يصمد كثيراً في حصحصة النقد.

وفي جميع ما قدم بروف عبد الله من أعمال ل (عرض) الكتب أو تحرير (المقدمات) فهو يكتب نصاً موازياً لا يغنيك عن أصل الكتاب فحسب، بل يقدم لك اضاءات معرفية وثقافية يوسع لك بها دائرة النظر للكتاب. وينفرد ربما دون غيره بتحديد موضع المؤلف من التاريخ ليس في إطار التسلسل الزمني فحسب، بل في موضعه من تراكم الوعي والاختراقات النوعية في صيرورة المباحث العلمية. اما الاستدراكات في الأقوال ومراجعة الافكار فتلك من شيم العلماء ولا تنقص من محبة المحبين شيء.

يكفي انه لأكثر من نصف قرن يخوض معركته الخاصة في صناعة الوعي، يغذ في السير كلما ادلهمت خطوب الطريق، وسط مناوشات الأعداء وإشفاق الأصدقاء.

حفظك الله أستاذنا بروف عبد الله وأسبغ عليك نعمة الصحة والعافية. وبارك لك في علمك وقلمك الذي كلما أنفقت منه زادك الله علما وبسطة في نظر الخلق.

 

اترك رد