إلى ذلك // عبد الله علي إبراهيم (الراحل منصور محمد خير عن عبد الخالق محجوب: دا الزميل عمي الحاج يا أستاذ )

0
28

 

(٢-٢)

 

رحل عنا قبل أيام زميلنا منصور محمد خير من قادة الحزب الشيوعي بحي الموردة وبانت وعلى نطاق مديرية الخرطوم منذ آخر الخمسينات حتى أول السبعينات. وهو من الجيل الشيوعي “ود الحلة”. فلا تستنفيد السياسة مروءته بل هو سداد “العوجات” من جم. وبالنتيجة ظل منصور ود الحلة حتى بعد أن غادر الحزب. وتوفى في شارع الله يقضي حوائج الناس.

كانت بيني وبينه خشونة في وقت سبق انقسام الحزب الشيوعي في ١٩٧١ وتعاركنا بالأيدي. كان في جنده عبد الله عبيد أحمد وميرغني حسن علي وكان معي شباب أباداماك. ثم تصافينا بعدها. فما كان يطيب لي منزلاً في أم درمان كدار عبد الله عبيد في الحارة الرابعة بالثورة على وجبة سمك غراء بحضور ميرغني حسن علي. وتوطدت صلتي بمنصور بعد معرفتي بابن أخيه د. نادر في أمريكا.

ومن حسن الطالع أن ترك فينا منصور صورة قريبة لأستاذنا عبد الخالق محجوب بعد سؤال عدنان زاهر السادات له عنه. وكان منصور بعض حرس أستاذنا خلال محنة حل الحزب الشيوعي في ١٩٦٥ و”عنف البادية” والحضر التي اعتدت على دوره في أم درمان بوجه خاص. كما كان من نشطاء حملته الانتخابية في ١٩٥٦ و١٩٦٨ وفاز في الأخيرة بعضوية البرلمان.  ولم يقف خروج منصور على أستاذنا في ١٩٧٠ من أن يروي عنه بحب وعرفان.

واصل المرحوم حديثه لعدنان زاهر قائلاً:

كان بيت إبن خالتي أحد المواقع التي يقيم بها عبد الخالق ندوته الاسبوعية في الدائرة الجنوبية في العام 1968. في أحد الأيام عندما أتى لمنزل إبن خالتي لمتابعة تحضيرات الندوة وجد أن الخالة صاحبة المنزل انتقلت إلى رحمة مولاها.  فاستدعى عبد الخالق إثنين من الزملاء وطلب منهما الذهاب لسوق الموردة واحضار كل مستلزمات بيت البكا ولمدة ثلاثة أيام. أنت عارف الناس ديل جابوا مستلزمات البكا بالكارو “أبو جوزين” مليان للآخر. فما أحوج ناس البكا تعريفة للصرف. من جهة أخرى، كنت مسئولاً عن حماية عبد الخالق مع الزميل شكاك وحسن شمت. وبما أنى كنت أصغرهم سناً وغير متزوج فقد كنت مكلفاً بالمبيت في بيت الأستاذ بعد ذهاب الزميلين عند الحادية عشر ليلاً. كان عبد الخالق بعد الانتهاء من واجباته وأعماله يدخل إلى غرفته، ويغلق بابها. وأنوم أنا في صالون المنزل. كنت في ذلك الزمان أشرب الخمر. أما الزملاء الآخرين فلا يشربون.  كنت أحضر معي “نصي” وانزوى في ركن من الحوش وأشرب. وكنت أراقب الأستاذ والذي كان على الدوام يا قارئاً أو كاتباً. كان الزميل عبد الخالق يداوم على القراءة طيلة الوقت حتى عندما يذهب إلى الحمام كان يحمل معه صحيفة أو مجلة. كنت أحاول قدر استطاعتي ألا يعرف الأستاذ أنى أشرب. في أحد الأيام، وحين عودته من الحمام، اتجه الى الموقع الذي أجلس فيه مباشرة وخاطبني بدون مقدمات: “انت يا منصور ما بتفتر من الشراب ده؟”  فرددت عليه دون تفكير: “وانت يا أستاذ ما بتفتر من القراية دى “. ذهب الاستاذ دون أن يتفوه بكلمة. أغلق باب غرفته ولم يعد للحديث معي في هذا الأمر بعد ذلك.

كنت ضمن فريق حماية دار الحزب بحي بانت بأم درمان إبان حل الحزب الشيوعي عام 1965 والهجوم على دوره في العاصمة القومية من قبل جماعات الأخوان المسلمين والأنصار. كان منتصف نهار ذلك اليوم ومعي الزميل عبد المجيد شكاك. كانت اللواري التي تحمل الأنصار وهم مدججين بالسلاح تجوب العاصمة تهتف ضد الحزب الشيوعي مهددة بتصفيته. كنت أقف أمام الباب عندما شاهدت عربة عبد الخالق تتوقف أمام الدار. وكان يقودها بمفرده. عربة عبد الخالق الفلوكسواجن كانت معروفة للجميع. نزل من العربة وسألني عن الأحوال وتفقد الزملاء الموجودين وتأكد من سلامة أوضاعهم ثم ذهب.

وكان منصور حدث حسن الجزولي في كتابه “الهجوم على حلة الشيوعيين” عن تفصيل من يوم تفقد عبد الخالق لدار الحزب بحي بانت. فقال إنه نظر فرأى رجلاً يرتدي العلى الله والسروال القصير والعزبة، زي جماعة الأنصار، واقفاً مع جماعة عند الباب ويحمل فراراً. فسأل عبد الخالق منصوراً عن نفر الرجل. فقال منصور: “دا الزميل عمي الحاج”. فرد عبد الخالق بتهكم: “يا زميل دي ٣ صفات ولسع ما رديت على سؤالي”. فقال منصور إنه لا يعرف ولكنه جاء مع حسن شمت. فأطمأن وغادر.

وختم منصور حديثه إلى زاهر السادات قائلاً: “ذلك هو عبد الخالق الذي عرفته”.

رحمهما الله.

 

اترك رد