عن الهوية , و الهوة التراجيدية

0
18

 

 

في سوداننا ( بلد الخير و الطيبة ) هذا , كثيراً ما تمر الأحداث و الأقوال مر السحاب و يطويها النسيان بسرعة عجيبة . يحدث ذلك رغم خطورة ما يحدث و ما يقال في كثير من الأحيان . فعقب إنفصال جنوب السودان قال المعزول عمر البشير في خطابه الشهير بمدينة القضارف مبشراً ما تبقى من السودانيين بأن الهوية الآن حسمت بنسبة 97 % .

أولاً : إن من أخطر أسرار اللغة هو أن المفهوم الذي لا تعبر عنه الكلمات المنطوقة صراحة , كثيراً ما يكون أبلغ أثراً و أعمق معنى مما تنطقه الألسن بشكل صريح . فمثلاً عندما تقول : أكلت تفاحة حمراء , فالسامع يدرك ضمناً أن للتفاح ألواناُ أخرى غير اللون الأحمر . و عندما تقول : جاء أحمد فقط , فالسامع يعرف بأن هناك أشخاص آخرون غير أحمد , كان يتوقع حضورهم و لكنهم لم يأتوا . و بالتالي فعندما يقول المخلوع بأن الهوية ( الآن ) حسمت بنسبة كذا , فهذا يعني ضمناً أن الجنوب كان يقف حجر عثرة أمام تحديد هوية البلاد بحسب من يرى أن له الحق هو وحده في تحديد الهوية التي يجب أن يكون عليها السودان . و ما يفهم من ذلك أيضاً أنه بما أن الهوية حسمت بنسبة 97% فذلك يعني أن هناك 3 % ممن تبقى من مواطني البلاد ( المندسين ) لا يزالون يمثلون مشكلة وعقبة في سبيل إكتمال حسم الهوية لتصبح النسبة 100 % . و بالتالي ستظل البلاد في مرحلة توهان هوية إلى أن يتم التخلص من الجيوب المعكرة للأجواء بعد عام أو مائة عام أو إلى أن يرث الله الأرض و من عليها . ( ما فرقت ) فليس المهم ( القون ) و إنما المهم ( اللقطة ) .

و الآن يكاد قلب كل وطني غيور أن يتفطر كلما تذكر الدكتور جون قرنق و هو يتحدث بهدوء و عقلانية و بأسلوب أشبه بالرجاء في خطاب عام قائلاً :  العروبة سوف لن توحدنا و الأفريقانية لن توحدنا . الإسلام لن يوحدنا و المسيحية لن توحدنا . let us just be Sudanese , what is wrong about that ? . أنا لو رفعت مشكلتي دا لربنا I will win this case . و الله العظيم  ) . فبالله أنظروا كيف جنينا على أنفسنا و ظلمنا أنفسنا و ناس كانوا فقط يصرون على أن نتوحد فقط على أساس سودانيتنا . هل تظنن أن الله سيكافئنا على ما فعلنا مثلاً ؟ و ماذا حققنا حتى الآن منذ تلك اللحظة ؟ . عموماً لا جدوى من البكاء على اللبن المسكوب فقط تبقى العبرة مهمة و ملهمة لنا في الحاضر و المستقبل و المهم الآن أن ( نقرع الواقفات ) .

ثانياً : هناك عقدة ظلت تحول بين كثير من الدول العربية أو الدول ذات الأغلبية المسلمة و بين تأسيس دولة المواطنة التي توفر الرضا الوطني التام لسكانها و تتمتع بالديناميكية التي تمكنها من السباحة مع تيار التاريخ و تجعلها محط أنظار اللاجئين الذين تضيق بهم أوطانهم و الباحثين عن أوطان بديلة . و في تقديري أن أقوى مؤشرات النجاح الوطني هو أن تصبح الدولة محط آمال و تطلع الناس من شتى بقاع الكرة الأرضية . الدولة التي يلجأ إليها الناس عند الكوارث و الأزمات و تستوعبهم و تحتضنهم و تمنحهم حقوق مواطنة متساوية . و أن تكون الدولة مؤمنة بالتنوع مستوعبة له و ذات شهية لهضم الثقافات المختلفة و جذب الموهوبين مما يزيد من قوتها و تطورها و زيادة نفوذها و ثقلها الدولي ( راجع خطاب ديفيد كاميرون الشهير عن الهجرة  و المهاجرين و خطاب باراك أوباما في جامعة القاهرة ) .

أما الإنكفاء على الذات و التقوقع بداخل الصدفة التي كونتها الصدفة سوف لن يخلق دولة مقدامة شجاعة ذات رسالة إنسانية شاملة . و إنما ينتج دولة دفاعية تتعامل برد الفعل و تعجز عن الفعل . دولة تخاف من ( ضلها ) و تفسر الحراك الكوني المتطور كله على أنه مجرد مؤامرة فقط ضدها .  و تنظر بعين الريبة إلى كل إنجاز علمي أو إختراع و لا تعترف به إلا مرغمة . دولة لن يكون لها إسهام في الفعل الحضاري و الإنشغال بهموم الإنسانية و الكون الفسيح . دولة مشغولة بنفسها فقط و لا تهمها  التحديات الكبرى المتعلقة مثلاً بمستقبل البشرية و المخاطر البيئية التي يتعرض لها كوكب الأرض و الأوبئة و التطور التكنولوجي و الطاقة النظيفة و الإحتباس الحراري و إرتفاع مستوى مياه البحار و ذوبان الجليد القطبي . ستظل كل هذه التحديات و الأسئلة الكبرى من إهتمامات و مشاغل الدول الشجاعة التي تحرك الأحداث عالمياً بل و تصنعها و ترسم ملامح مستقبل البشرية و بالتالي تصنع الحضارة .

ثالثاً : من المدهش أن أهل النظام البائد كانوا يتوهمون بأنهم أصحاب مشروع حضاري يستهدف هداية و قيادة الإنسانية كلها في الوقت الذي ( غلبهم ) فيه الحفاظ على وحدة بلادهم فقط ( فشلعوها ) . ففي تقديري أن أهم أدوات نشر الحضارة و الثقافات هو القدرة على استيعاب الآخر أولاً و المرونة و القابلية لاستضافة و قبول الآخرين ثانياً . و تلك مهمة في غاية اليسر و لا تكلف كثيراً . فتبني القيم رأساً أنفع كثيراً من تبني الظواهر و التقاليد التي تشير إلى تلك القيم و تمثل مظهرها الثقافي . و بعيداُ عن التجريد , فالإهتمام بمبادئ و قيم العدالة و الصدق و القانون و الحرية و الأمأنة مثلاً في مجتمع ما أكثر نفعاً  في تبليغ رسالة المجتمع و نشرها من الإهتمام بفرض طقوس محددة و تنميط الشخصية الوطنية من خلال اللبس و إطلاق اللحى مثلاً في حالتنا الإسلامية . فاليهودي الذي اختلف مع سيدنا علي الكرار في قصة الدرع الشهيرة أسلم فقط عندما رأى العدالة تنتصر له عندما لم يقبل القاضي شريح شهادة شاهد سيدنا علي لأنه إبنه . فهذه في تقديري هي الدعوة بالتي هي أحسن و بيان للناس ( بالعمل ) .

لذلك فمن المهم جداً أن تعمل الدولة على تبني القيم التي تكاد تتفق عليها الإنسانية كلها . فالصدق , الشجاعة , الأمانة , الوطنية , العدالة و الحرية مثلاً باتت قيم متفق عليها من قبل كل البشر فضلاً عن أنها ذات القيم التي نزلت بها الأديان و العقائد الصحيحة .

رابعاً : من المهم جداً تفهم أن الهوية هي فعل تاريخي ديناميكي متحرك غير ثابت . فقبل سيدنا يعقوب مثلاً لم يكن هناك قوم اسمهم اليهود و قبل سيدنا نوح مثلاً لم يكن هناك عرب أو فرس أو أي جنس آخر من الأجناس البشرية السائدة اليوم . و الآن لا يوجد على سطح الأرض فراعنة و لا فينيغيون أو روم ولا آشوريون أو بابليون رغم ما كانت عليه هذه الشعوب من السطوة و المنعة و الحضارة . لذلك فالمجتمعات التي تستطيع التماسك و البقاء وفق متغيرات التاريخ و منطقه , هي التي تتمتع بالمرونة و الديناميكية و سعة الأفق و القابلية للتغير و التطور . و هذا بالطبع يتطلب أن يفهم الناس بالضبط ما معنى الدولة و ما هي وظائفها و ما المطلوب منها و ما هي واجباتهم و مسؤولياتهم و ما هي حقوقهم .

 

اترك رد