الصفر البارد // جلال الدين محمد ابراهيم (  وداعاً عبد الرحيم حمدي )

0
32

 

 

 

منذ عهد طفولتي وأنا أعرف الراحل ( دكتورعبد الرحيم حمدي )  ،، و ما كان يفصل منزلنا ومنزلهم إلا جدار( حيطة )  فقط  ،، وحتى هذا الجدار  كان فيه باب ( نفاج ) كنا  ونحن صغار نهرول ونجري من منزل إلى آخر فالنفاج  كان مفتوحاً بين معظم بيوت الحي ، وكانت  أمي عليها الرحمة  ،، وخالة عبد الرحيم حمدي ( الحاجة آسيا ) لها الرحمة هن  من أعز الأصدقاء منذ عهد بعيد .

ذلك كان في  شارع الماعون بالقرب من ملف المؤسسة بحري ، هناك كان منزل أبي  له الرحمة  ،، و حين حضرت أسرة عبد الرحيم حمدي من عطبرة وسكنت في منزل الراحل (احمد ادريس سكوته )  وهو المنزل الحالي الموجود في شارع الماعونة وفيه مطعم يحمل لوحة كتب عليها كتكوت ) كان جاراً لنا منذ قبل أن يتم  تأسيس   صحيفة الميثاق التي أصبح فيما بعد رئيساً لتحريرها قبل قيام ثورة مايو بقيادة النميري .

منذ عشرات السنين ،، ما كانت تمر  ثلاثة أيام  إلا  ويكون بيني وبينه اتصال  هاتفي  فهو بالنسبة لي بمثابة الأخ الأكبر ،، فقد عشت وسط معظم أفراد أسرته الكريمة ، خاصة أبناء خالته  فمنهم صديقي ( مصطفى طه قناوي ) وهي شقيق زوجة  الراحل عبد الرحيم حمدي ،،وكنا نجالس إخوانه منهم  الراحل (  الأخ  نجيب  حمدي )  واخوه (الزراعي الشهير دكتور  فؤاد حمدي) ،  وما زلت أذكر  تلك الأيام وكأنها كانت أمس .

كان  الدكتور عبد الرحيم حمدي  بالفعل هو مؤسس سياسة التحرير الاقتصادي في  السودان ، وهو أول من تبنى سياسة الخصخصة ،،في العام 1992 م ،، وهو من قام بتغيير العملة السودانية  (من الجنيه الى الدينار)  ،،  حتى يقوم بحذف أصفار  بدون أن يشعر بالأمر المواطن البسيط  ،، وتبنى سياسة الاعتماد على الذات ،، ونجح  لحد كبير في تغيير الفكر الاقتصادي السوداني   ووضع الخطوط الأساسية في السودان لتثبيت الاقتصاد على  الاعتماد  على الذات ،، وكان أكثر ما ساهم  في إفشال السياسيات المالية في البلاد على عهد الدكتور عبد الرحيم حمدي ،، هي  حرب الجنوب ! ! . لقد كانت بالفعل  هي حرب استنزاف مقصود منها تدمير وتفكيك السودان .

 

كان  على عبد الرحيم حمدي أن يوجه معظم الموارد المالية  وما يعود عبر الناتج القومي لصالح  الوقوف إلى جانب القوات المسلحة ، فإن حرب الجنوب استنزفت مقدرات الاقتصاد السوداني واستنزفت كذلك موارد البلاد  ،، وتسبب  في كل  ما  أصاب السودان  حتى يومنا هذا  من علل  اقتصادية وما يعاني المواطن اليوم  ما  هو إلا تراكمات مما صنعت الحركات المتمردة ضد البلاد في تلك المرحلة  ،، وبع تلك المعاناة ما زالت مستمرة حتى ولو من بعد توقيع اتفاقية سلام مع الحكومة الانتقالية  .

ولكن البعض  الآن عرف بأن التحرير الذي كان يقوم به  حمدي وهو في موقع  وزير المالية  ،، لم يكن إلا مجرد  محاولة  من أجل أن  يصنع تماسكاً للاقتصاد  السوداني  ، الراحل  ( حمدي ) كان أسطورة وعالماً في مجال الاقتصاد والبنوك  ،، وشتان بين سياسة التحرير التي قادها  (الدكتور عبد الرحيم حمدي  له الرحمة)   وبين سياسية التحرير المدمرة التي تقوم بها حالياً حكومة ( قحت التنفيذية ) .

قبل وفاته بثلاثة أيام فقط  ،، حكى  لي قصة تأسيس بنك البركة ،، و كيف  هو قام بعملية  التأسيس  لبنك  البركة  ،، وكيف  تم التأسيس  لهذا البنك والذي انطلق   بمجرد  فكرة خرجت من عبد الرحيم حمدي بنفسه ،،  وحكى لي أشياء كثيرة ،، وكنا في حديثنا نترحم على البروف مالك حسين فقد كان صديقاً كذلك  لشخصي  وللدكتور حمدي عليهم الرحمة .

في أفضل أيام الأرض ،،   أمس  يوم الجمعة ، وهي أول جمعة في رمضان ،، ومن بعد صلاة العصر مباشرة  توفى الدكتور عبد الرحيم حمدي ورحل إلى رب العالمين،،  إنا الله وإنا إليه راجعون،، وفقدت البلاد مرجعية اقتصادية ، ومرجعية  لتاريخ الحراك الإسلامي في البلاد ,

ما  كان  الراحل عبد الرحيم حمدي ، يخفي المعلومات  الإقتصادية  إن كانت سالبة  أو إن  كانت موجبة ، فهو لا يخفي  شيئاً  عن الإعلام بصفة خاصة  ،، لقد   كان شخصاً واضحاً وضوح الشمس فيما يعمل ويقول ،، وكان لايخاف من قول كلمة الحق  مهما  كلفه الأمر ،  وكان يحكي أسباب فشل الاقتصاد السوداني بكل شفافية ،، ويرسل روشتات العلاج ،، ولكن  ما كان يسمع له ،،  فإن للحزب الحاكم (  المؤتمر الوطني )  في ذلك الوقت  غطرسة وعنجهية  ( وغباء)  لدى البعض  مما يدعون إنهم  من   القادة المفكرين  ومن العباقرة  وبينما  هم سبب  سقوط  وانهيار الحركة الإسلامية  بكل أركانها .

رحم  الله الأخ والصديق والجار( الدكتورعبد الرحيم حمدي) ، ونرفع العزاء لأسرته الكريمة ، وندعو الله أن يجعل البركة في ذريته،، و(إنا لله وإنا إليه راجعون )

 

 

اترك رد