النظام المصرفي المزدوج .. جدل التطبيق

0
130

 

 

 

تقرير : أحمد بن عمر

ظل الاقتصاد السوداني منذ فرض العقوبات الأميركية قبل أكثر من 20 سنة ينزف،من الحصار والمقاطعة ومنع حركة الاستيراد والتصدير، مما أثر على واقع الاقتصاد وجعله خارج المنظومة المالية العالمية.

فحرم من تعاملات بنوكه مع المصارف والمؤسسات التمويلية الدولية، بل إن واشنطن فرضت خلال عامي 2011 و2012 عقوبات على شركات ومؤسسات مالية في كل من إيران وألمانيا وفرنسا وغيرها بعشرة مليارات دولار بسبب تعاملها مع السودان،  وكذلك فرضت عقوبات على كثير من الشركات بمبالغ كبيرة عام 2015، فلم يعد للسودان خلال الفترة الماضية تعاملات عبر مراسلين مباشرين، فاتجهت مصارفه للتعامل بصورة غير مباشرة أشبه بوجود وكلاء برسوم إضافية عالية، مما جعله يخسر أموالاً كثيرة مستحقة من صادراته السلعية المختلفة، بالتالي تعرضت أمواله للتآكل في حالتي الصادر و الوارد.

جذب البنوك العالمية

و بعد إزالة اسم السودان من قائمة  الدول الراعية للإرهاب صرح محافظ بنك السودان المركزي محمد الفاتح زين العابدين في فبراير الماضى ، إن السلطات اتخذت قراراً باتباع نظام مصرفي مزدوج يشمل البنوك الإسلامية وغير الإسلامية وسط مساع لجذب البنوك العالمية وشركات الصرافة ، و يسعى السودان لإعادة هيكلة المصارف المحلية البالغ عددها 36 مصرفاً تشمل (أربعة مصارف حكومية، وسبعة مصارف تجارية عربية، و25 مصرفاً مشتركاً برأسمال محلي وأجنبي) لتغيير الواقع المصرفي في السودان .

الرجوع للنظام المزدوج

في 14 أغسطس 1990م أصدر السودان عبر وزير ماليته    القرار الوزاري رقم (69) الذي يقضي بعدم تعامل الدولة بنظام (الفائدة) في معاملاتها كافة وبهذا القرار الوزاري ، الذي نص في مضمونه على أن الفائدة المصرفية (مُحرم) ، عاد السودان لتطبيق النموذج المصرفي التقليدي  بعد اتفاقية السلام في  الإقليم الجنوبي الذي  الفترة من 2005 الى 2011 حيث كان التعامل بنافذتين واحدة للمعاملات (الاسلامية و التقليدية) بنظام بسعر الفائدة و تم إلغاء القرار بعد انفصال الجنوب بتاريخ 09/07/2011 و ذلك بتجميد كل ما يختص بالبند (14) من بروتوكول قسمة الثروة المتعلقة بالسياسة النقدية والمصرفية والعملة والإقراض .

أسلامي وتقليدي

و بعد اتساع و نفوذ المصارف و المؤسسات المالية الإسلامية قرر السودان الأحد الماضي في جلسة مجلس الوزراء إجازة قانون نظام مصرفي مزدوج يشمل البنوك الإسلامية وغير الإسلامية و كان النظام المصرفي في السودان يعمل وفق موجهات الشريعة الإسلامية التي تمنع الربا وسعر الفائدة في المعاملات المصرفية وأنظمة البنوك.  و هذا عكس النظام التقليدي للبنوك الذي يعتمد على سعر الفائدة.

 

وتاتي خطوة القرار  بعد توصيات المؤتمر الاقتصادي القومي الذي انعقد خلال الفترة من 26 إلى28 سبتمبر الماضي 2020  على توصيتين متعلقتين بالنظام المصرفي المزدوج، وكلتاهما وردتا في توصيات اللجان القطاعية في الجزء سابعاً المتعلق بمجال التضخم وسعر الصرف والميزان التجاري، وهما التوصية 4 والتي تقرأ: اعتماد سعر الفائدة كأداة في تنفيذ السياسة النقدية وتكلفة الاستدانة. والتوصية 13 والتي تقرأ: العمل بالنظام المصرفي المزدوج (نظام النافذتين.

حزمة إجراءات

و جاء القرار أيضاً  بعد حزمة  من الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي بتخفيض  البنك السودان المركزي قيمة العملة المحلية في  21فبراير  الماضي بإعلان نظام توحيد سعر الصرف في السوق الموازية و السوق الرسمية بإستراتيجية  (التعويم)  لمسعى لتجاوز أزمة اقتصادية مُقعدة والحصول على إعفاء دولي من الدين و تفعيل لتفعيل دور المصارف في  دخولها لمنافسة السوق الموازي في اجتذاب العملات.

حول القانون الجديد

يرى عضو القطاع الاقتصادي بحزب المؤتمر السوداني نجم الدين داؤود في حديثه لـ(التيار) بأن إجازة قانون النظام المصرفي المزدوج خطوة ضرورية ومهمة لإدماج السودان في النظام المالي العالمي وإصلاح القطاع المصرفي والسياسات النقدية و النظام المصرفي الإسلامي الإسمي التي طبقتها الإنقاذ في السودان أضر كثيراً بالقطاع المالي في السودان وحجَّم من دور بنك السودان المركزي في  رسم السياسات النقدية التي تمنكه من التحكم في عرض النقود والقطاع المصرفي والمالي و بيَّن داؤود إن : “هذا الأمر  فتح باباً كبيراً للمضاربات والمرابحات في الأنشطة الطفيلة التي أضرت كثيراً  بالاقتصاد السوداني وإجازة قانون النظام المصرفي المزدوج أول خطوات إصلاح القطاع المالي والمصرفي ، كما يتيح فرصة لبنك السودان المركزي استخدام أدوات فعالة من أدوات  السياسات النقدية لبناء نظام مالي حديث تواكب الحداثة المالية التي تعيشها العالم ” وإستطرد داؤود :”ولكن تظل هنالك العديد من الإصلاحات الآخرى مطلوبة لضمان فعالية نجاح القانون في تحقيق التحول المالي منها إصلاح بنك السودان المركزي نفسه  وتشجيع  المصارف التجارية على الاندماج وتصفية بعض المصارف وتخليص هيمنة السياسة المالية على السياسة النقدية”

فتح أبوب الإستثمارات

أما د. زحل النور  الخبيرة الاقتصادية في البنك الدولي تقول لـ(التيار)  ” بأن قرار عودة النظام المصرفي المزدوج سيفتح باب الاستثمارات خاصةً في المجال المصرفي بعودة البنوك العالمية مرة أخرى للسودان و هذا الأمر سيزيد كتلة رؤوس الأموال البنوك العالمية  مما يساهم في عملية تمويل مناسبة تسهم في تمويل القطاعات التي ستؤثر في التجارة الخارجية و أيضاً ستزيد قدرة القطاع المصرفي على تأدية مهامه كاملة   و توقعت زحل ” إنتعاش القطاع الخاص  بتعامله مع النافذة الجديدة مما يدفع بعملية الإنتاج نحو الأمام و انتعاش خزينة البنك المركزي بحصائل الصادر و دخوله أيضاً في استثمارات مهمة مثل المعادن  و قطاع البنى التحتية و الثروة الحيوانية و السمكية “.

دعوة لدراسة القرار

في المقابل  يعتقد الخبير المصرفي الهادي هباني في أفادته لـ(التيار)  بأن القانون كان من المفترض قبل إجازة هذا القانون نشره للشعب على نطاق واسع وإخضاعه لمزيد من الحوار من قِبَل المختصين في هذا المجال بالذات الخبراء الاقتصاديين والماليين الذين شاركوا في المؤتمر الاقتصادي الأول وكانت لهم إسهامات في هذا المجال وأوصوا باعتماد النظام المزدوج”  و زاد : “إذا كان القانون الجديد يختص فقط بالنظام المزدوج فهذا خطأ، والصحيح أن يتم إلغاء قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002م المعدل 2012م وعمل قانون جديد يشتمل على النظامين التقليدي والإسلامي ويعالج كل أوجه القصور في قانون 2002م المعدل 2012م ويستفيد ويستصحب معه كل الإيجابيات الموجودة في قانون بنك السودان المركزي الملغي لسنة 1959م” و تابع : “إجازة قانون بهذا الشكل المنقح سيساعد القطاع المالي والمصرفي لجذب حصة مقدرة من سوق المال العالمي شريطة أن تستصحبه إعادة هيكلة كاملة لكل القطاع المالي والمصرفي تبدأ بتصفية الدولة العميقة بشكل جذري إبتداءً من بنك السودان المركزي وانتهاءً بأصغر مؤسسة مالية، ولكن عملية الانتقال من النظام الإسلامي للنظام التقليدي بالكامل لبعض البنوك والمؤسسات المالية أو فتح نوافذ تقليدية لها أمر معقد جداً ويحتاج لاستراتيجية محكمة حتى لا يؤثر ذلك الانتقال سلباً على القطاع المالي والمصرفي بأكمله”

*تحديات  ماثلة

من جهته  يشير الخبير  محمد عبد الغني في إلا أن مستقبل القطاع المصرفي في أجتذاب الأستثمار الخارجي مرتبط بتهيئة البيئة الملائمة للاستثمار أولاً بصورة تضمن تقليل كلفة المخاطرة العالية للأستثمار – التي بطبيعة الحال ستفرض شروطاً عالية بالمقابل سيكون أثرها المستقبلي سلبياً في غالب الأحوال “،  وأضاف إن : “هنالك تحضيرات فنية من النواحي الإجرائية والتقنية تحتاج إلى مراجعة كبيرة تمتد إلى القوانين واللوائح والأنظمة المصرفية ككل ”

برنامج صندوق النقد الدولي

كما اتفق  عضو التحالف الإقتصادي د. حسام الدين عباس في هذا الحديث و ذكر” بهذا القرار سيستفيد القطاع المصرفي من القروض و ومنح الاستثمار” ورجح  بأن”السودان استعجل في تطبيق القرار قبل الهيكلة المصرفية ،و  الاستعجال لهذا القرار وتطبيق سياسات  البرنامج  المراقب من صندوق النقد الدولي بتطبيقه دون توفير معايير الشفافية و بوجود اقتصاد موازٍ  سيصعب عملية تدفق الأموال فوراً بعد تطبيق القرار بإعتبار أن السودان ليس مجهزاً بعد “.

تغيير في طبيعة التمويل

كما تشير د. زحل إلى  أن “اجتذاب الاستثمار الخارجي في القطاع المصرفي سيسهم في إحداث تغيير في مستوى طبيعة التمويل،  بالسماح للمشاريع الصغيرة والمتوسطة  بالنهوض و وصول الشرائح الفقيرة على قيمة الفعلية المجتمعية للمصارف ” وأضافت ” علينا أولاً إيجاد حوكمة للقطاع المصرفي بإعتباره تحدياً متمثلاً في توفر مقدار معين للشفافية التي تعمل بها البنوك الخارجية و أيضاً مكافحة الفساد ” و في سياق إزالة  السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب أشارت زحل أن ” معظم البنوك السودانية لديها إشكالات ، فحجم السيولة يبلغ داخل الجهاز المصرفي بنسبة 50٪؜، مقابل 40 خارج هذا الجهاز  ، وأيضاً ازدياد  حجم طباعة النقود من دون وجود احتياطي، حتى وصلت نسبة الطباعة في نهاية العام الماضي بنسبة  733 مليار جنيه سوداني” و توقعت :”دخول البنوك العالمية يمكن إحداث التغيير على مستوى الاحتياطات بالعملة الصعبة و توفير السيولة المناسبة التي يمكن أن تؤثر في عرض النقود”

إجازة القانون دون التشريعي

يقول عضو القطاع الاقتصادي بحزب المؤتمر السوداني نجم الدين داؤود “الأصل في إجازة القوانين هي المجلس التشريعي ،تعطيل تشكيل المجلس التشريعي وتحويل مهامه وصلاحياته إلى الاجتماع المشترك بين السلطة التنفيذية  وأعضاء مجلس السيادة التي هي نفسها تحول إلى سلطة تنفيذية و أضاف: هذا تشوه  وخلل كبير في الفترة  الانتقالية ويجب الإسراع في تكوين المجلس التشريعي ليقوم بكامل دوره في إجازة التشريعات والرقابة على السلطة التنفيذية خاصة القرارات الإقتصادية و المصرفية”

قرارات مصيرية

محمد عبد الغني الخبير الاقتصادي و عضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر الأقتصادي الأول صرح بأن ” تمرير القرار في ظل غياب المجلس التشريعي كارثة حقيقية ككل القرارات المصيرية التي تم تمريرها بعيداً عن استطلاع أراء الجماهير فيها ، و بعيداً عن أن انفراد السلطة الحكومة التنفيذية بالسلطتين التنفيذية و التشريعية لما يقارب العامين هو وجه مباشر من أوجه الشمولية و لجوء الحكومة إلى تبرير هذا الوضع المخل بتعقيدات ملف السلام سابقاً و أشكالات التوافق على صيغة تشكيل المجلس التشريعي و أشار: كانت هنالك صيغ أخرى أكثر معقولية كان يمكن من خلالها توسعة قاعدة المشاركة في اتخاذ القرار في القرارات المصيرية المشابهة سواء كانت عبر تكوين مجالس أستشارية من المختصين بالمجال المعين و مراجعة القوانين المختصة معهم و السعي لتوسعة قاعدة المشاركة فيها قدر الإمكان .

وتوقع عضو التحالف الاقتصادي الدكتور حسام الدين عباس بأن “تمرير القرار بدون مجلس تشريعي سيحدث الكثير من الإشكالات في المجتمع بإعتبار  توفر متوسط تدين لا يمكن أن يقبل بالبنوك الربوية”  وأضاف: هناك سلبيات في تقبل المجتمع للفكرة وقد اقترحنا في أوراقنا إلى إرجاء تشكيل المجلس التشريعي أولاً ثم إجازة القرار عبره  ، وأضاف : ” لم استبعد تمرير القرار  بعد إجازة قوانين من قبل و لكن مثل هذه القوانين يمكن أن تحدث إنتقاداً كبيراً .

 

اترك رد