السّودان و”السـخاء” الإثيـوبـي بشأن سد النهضة

0
26

 

 

 

كتب: جمال محمد إبراهيم

(1)

ما بين السودان وإثيوبيا شد وجذب دبلوماسي في خلاف غير معهود بين دولتين جارتين، حول مشروع سد النهضة العظيم الذي شرعت في تشييده إثيوبيا في الأحباس العليا لنهر النيل الأزرق، والذي يجري إلى أحباسه الدنيا عبر السودان ومصر. كتبت الجغرافيا للسودان ولإثيوبيا أن يكون النيل الأزرق شريانا يجسّد اللّحمة بينهما، وقد كانا في التاريخ القديم إقليما واحدا اسمه “كوش”. ومن عجبٍ ألا يستشعر البلدان ذلك العمق التاريخي الذي جمعهما. وإن نظرنا في التاريخ القريب، فقد شهدت الدولة المهدية في السودان علاقات وطيدة مع الحبشة، وهو الاسم القديم لإثيوبيا. لقد بعث إمبراطور الحبشة منيلك، أواخر القرن التاسع عشر، أحد سفرائه إلى أم درمان، عاصمة الدولة المهدية، وحمّله رسالة نيابة عن فرنسا، تحذّر من نيات بريطانيا إعداد حملة للقضاء على الدولة المهدية القائمة في السودان وقتذاك. على الرغم من استخفاف الخليفة التعايشي، الحاكم في السودان، بتلك الرسالة، لكن الشاهد أن ذلك التواصل الدبلوماسي يعكس تلك الصلات المتجذّرة في التاريخ.

(2)

عوض أن تعكف الدولتان لحسم خلافاتهما بالطرق الدبلوماسية، ولهما فيها تاريخ قديم، إلا أنّ بعض ما بدا من توجهاتٍ لتصعيد، قد يدفع البلدين إلى حوافّ مواجهات، لا تحمد عُقباها، خصوصا من إثيوبيا، وإن بدت أيضا ردود أفعال تصعيدية من بعض أطراف في السودان.

مع أن الخلاف المحتدم الآن حول السدّ، بين دولة المنبع، إثيوبيا، ودولة المعبر، السودان، ودولة المصب، مصر، فإنّ تزامن ذلك الخلاف مع تطوراتٍ ليست ذات صلة مباشرة بذلك الملف، لكن لها أبعادا سياسية وفنية غير خافية، تتجاوز خطورتها التعقيدات المتصلة بمشروع سد النهضة الإثيوبي. خشية مصر من تشييد السد تتصل بتأثيره على الأحباس الدنيا، واحتمالات تناقص حجم مياه النيل االمنسابة إليها حال تشغيله. أمّا السودان فخشيته أكبر، لجواره الجغرافي والتاريخي المباشر لإثيوبيا، حال اكتمال مراحل ملء السّـد أو تشغيله. ثمّة انشغالات فنية وأمنية تتصل بالسدود المقامة داخل شرق السودان وإلى أواسطه. يبعد سد النهضة الذي يجري تشييده غربي إثيوبيا، على بعد نحو خمسة عشر كلم من الحدود المشتركة مع السودان. في حال نقصان في انسياب مياه النيل الأزرق، ستتأثر الأراضي الزراعية في السهول الخصبة في شرق السودان وحتى أواسطه، كما أن زيادة انسياب مياه النيل الأزرق سيهدد المدن والقرى في كامل شرق السودان بدمار وخراب يصعب تقديرهما. في الوقت نفسه، لا تنفي تلك الانشغالات منافع ومكاسب للسودان متوقعة، لناحية ضبط معدلات انسياب مياه النيل الأزرق العابرة أراضيه، وأيضا الطاقة الكهرومائية المستولدة من ذلك السد، وتعهدات إثيوبيا بتزويد السودان منها.

(3)

للسودان وإثيوبيا علاقات ضاربة في عمق التاريخ، إلا أن مشروع تشييد ســد النهضة حاليا شهد تزامنا غير متوقع لملفاتٍ سياسية، تراجعت معها احتمالات احتوائها بيسر، أو تجاوزها بسلاسة، بحكم علاقات الأخوة التاريخية بين البلدين.

ثمّة ملف أول شهد صراعا محتدما بين الحكومة المركزية في إثيوبيا وإقليم التيغراي غربي البلاد، إذ من تداعيات تلك الحرب الأهلية في إثيوبيا أن نزح عشرات الآلاف من “التيغراي”، هرباً من الحرب، وعبروا إلى الأراضي السودانية لاجئين. وشكلت تلك الظروف الإنسانية عبئا إضافيا على الحكومة الانتقالية في السودان، والتي كلفت بتهيئة البلاد لحكم مدني رشيد في السودان، وليس لتنشغل بتحمّل مشكلات وأعباء إضافية من جوارها مع إثيوبيا.

ملف ثان تزامن مع نزوح اللاجئين من إثيوبيا هو تزايد تغوّلات مجموعات إثيوبية ومليشيات توغلت، وأقامت في منطقة الفشقة الحدودية، منذ خمسينات القرن العشرين، داخل الأراضي السودانية، قبلت الأنظمة السابقة إبقاء ذلك الملف من دون حسم. أما وقد سعى السودان إلى تأمين حدوده، بعد ثورة ديسمبر المجيدة التي أسقطت النظام المباد الذي فرَّط، مع فساد حكمه، في سيادة البلاد على أراضيها، فقد أبدت إثيوبيا احتجاجا لا تملك معه وثائق تسند ادّعاءها، أن منطقة الفشقة ليست سودانية، فيما يملك السودان الوثائق والاتفاقيات التي تؤكد تبعيتها له، ويدعو إلى احترام الحدود بين البلدين.

ملف ثالث يتصل بالوجود الإثيوبي في السودان، يحمل إيجابيات غير منكرة من الطرفين، أن أبناء الجالية الإثيوبية المقيمين في مختلف أنحاء السودان، وعددهم أكثر من مليون، ويعملون في القطاعات الخدمية في البلاد، يعكس وجودهم تأكيدا لعلاقات الإخوة بين المجموعات السكانية بين البلدين. وإلى جانب الوجود المدني الكثيف للإثيوبين، فإن لهم وجودا عسكريا ضمن القوات المشتركة الأممية والأفريقية التي أنشأتها الأمم المتحدة في منطقة أبـيـي، ولم تحسم تبعيتها بعد بين السودان ودولة جنوب السودان.

ملف رابع أثارته إثيوبيا، وله علاقة مباشرة مع مشروع سد النهضة، وهو ما يتصل بتقاسم مياه النيل بين البلدان الثلاثة، إثيوبيا والسودان ومصر. تصر إثيوبيا على مراجعة ما تسميها الاتفاقيات الاستعمارية المجحفة. لقد بدا أن مشروع سد النهضة قد أثار انتباه مصر إلى احتمالات تناقص انسياب مياه النيل، فشكل ذلك انشغالا استراتيجيا، فتطور ذلك الانتباه إلى انزعاجٍ تقول مصر إنه يهدّد أمنها المائي.

(4)

على خلفية هذه الملفات التي تتباين طبيعتها، فإن خلط ملفٍ بآخر، أو ربط مشكلة بأخرى، لن يساعد في إنجاح المساعي الدبلوماسية، ولا جولات التفاوض بين الدول الثلاث، حول مشروع سـدّ النهصة. والسخاءُ الذي تدّعي إثيوبيا أنها ستوفر عبره المعلومات الفنية التي يحتاجها السودان، حتى يتجنّب المخاطر التي قد تقع على أراضيه وعلى سدوده، تظلّ محض تعهداتٍ لفظية، تتحاشى إثيوبيا توقيع اتفاق سياسي وفني ملزم حولها مع السودان. هذا السخاءُ ينبغي أن تعكسه إثيوبيا بمبادرتها إلغاء المطالبة بمراجعة اقتسام موارد مياه، بحجّة أنها اتفاقيات “استعمارية”، وهي حجّة لا يسندها منطق ولا تاريخ. لم تكن إثيوبيا، في أي يومٍ، دولة مستعمرة، كما لم ترصد لها تحفظات في تاريخها المائي، وحتى آخر اتفاق بشأن مياه النيل، تم بالاتفاق بين مصر والسودان عام 1958، ولم يكن لإثيوبيا من تحفّظات حوله.

على السخاء الإثيوبي أن ينظر بالاعتبار إلى الوجود الإثيوبي في السودان، المدني منه والعسكري. وعلى السودان ألا يندفع إلى ما فيه خلط للملفات، أو التصعيد الذي تتعثر معه جهود التفاوض، فيعمد إلى التهديد بما قد يؤثر على أوضاع المغتربين أو اللاجئين أو الوجود الإثيوبي ضمن القوات الأممية والأفريقية المشتركة في السودان.

(5)

السّـخاء الإثيوبي ينبغي أن تعكسه القراءة الإثيوبية لأقدارها الجغرافية، وأيضاً لتاريخها العميق المتصل بالسودان ومصر. لعلّ المطلوب، حسبما يجمع المراقبون، أن تبدي إثيوبيا بعض المرونة، وبعض التفّهم لانشغالات كلٍّ من السودان ومصر. أما التصعيد المُفضي إلى مواجهاتٍ عاصفة، فلن يعود إلا بالخسائر على الأطراف المعنية. تبقى الدبلوماسية طريقا سالكاً لا ينبغي أن يهجره أيّ طرف، فالتعاون العادل والسلم الآمن هما صمام أمان جميع الأطراف. المنظمة الإقليمية، وكذا الأممية، لن تقفا بعيداً عن مساعي الحلول السلمية، ومساعي أطراف من المجتمع الدولي ستساعد حتماً في تجاوز الاستعصاء الماثل.

 

اترك رد