المخرج المصري يوسف نعمان لـ ديكوباج : على صانع الافلام أن يعي جيدا كيف يخلق عالم درامي يعبر عن قصته

0
9

 

 

 

 

كيف بدات تجربتك في فيلم هذه ليلتي ، الفكرة ، ما الشي المثير الذي رأيته كمخرج فيها ؟

بدأت التجربة عندما عرض على سيناريو بعنوان آخر  كان يتحدث عن رحلة بسيطة لأم فقيرة تصطحب إبنها من ذوى الإحتياجات الخاصة لشراء آيس كريم, وقضاء يوم بأحد أحياء القاهرة الراقية، محاولة منها لإسعاد طفلها الجالس معظم وقته فى المنزل

لم أرى وقتها أن السيناريو جاهز لصناعته كفيلم مكتمل من وجهة نظرى, إنما رأيت ما أبحث عنه منذ فترة, فقد كنت أبحث عن فيلمى القصير الثانى, وكنت أتمنى التحدث عن أحد السيدات اللائى يواجهن تحديات مجتمعية يفرضها المحتمع عليها بثقافتة المشوهة, وفى نفس الوقت كنت أتمنى لو أصنع فى وقت ما فيلم عن ذوى الإحتياجات الخاصة, و أستطيع القول بأن التوفيق كان حليفا لى, عندما عرض علي سيناريو هذه ليلتى,ورأيته يتحدث عن الخطين فى فيلم واحد, فسعدت بذلك كثيرا وسرعان ما تكررت الجلسات بينى و بين كاتب السيناريو لخلق عالم بصرى و درامى يعبر عن ما يجول بخاطرى و يشبه شبقى السينيمائى من خلال هاتين الشخصيتين,  إمرأة تواجه مجتمع لا يحمل ثقافة واعية أو راقية فى التعامل مع الآخر, تزداد وطأة معاناتها بسبب وجود طفل  لها من ذوى الإحتياجات الخاصة, فتكررت الجلسات حتى أصل بالسيناريو للإكتمال الذى أرجوه قدر الإمكان

 

يعتمد الفيلم علي بطل من ذوي الاحتياجات الخاصة (متلازمة داون) ماهي أدواتك التي استخدمتها في توجيهه ؟

لا أرى أن البطل الأوحد للفيلم هو الطفل, إنما الأم بطل حقيقى يصاحب  الطفل رحلته و معاناته, و المدينة أيضا بطل, بطل يؤثر فى الرحلة و الشخصيات بشكل واضح ومباشر,  يجعل الشخصيات لا تستطيع الإنفصال عنه أو التنصل من مواجهته, فتصبح البطولة متلاحمة, و كل شخصية تواجه هذه المدينه بما تراه فى قلبها و معتقداتها, فالقاهرة دائما قاهرة كما عهدتها فى صباى أو شبابى, و رايتها بعين سينيمائية عندما قررت أن أصنع أفلام , ولذلك أرى أن الأماكن و الشخصيات كلهم أبطال, فى رحلة مفادها الأخير هو التعبير عن واقع مصرى تتحمل معاناته أم بسيطة و طفل من ذوى الإحتياجات الخاصة فى مواجهة مدينة بأكملها.

أما عن الأدوات التى إستخدمتها فى التعامل مع عمرو ” الطفل” كانت هى الإحتواء، لا أرى كلمة مناسبة غير هذه الكلمة, فمنذ لحظة قرارى – منذ سنتين – بإختيار عمرو للقيام بدور الإبن, كانت مسؤليتى تجاهه أن أقوم بخلق جو أسرى سهل و بسيط و حميمى حتى لا يستشعر أى تردد أو خوف, و يتناسب مع خصوصيته, فكانت جلسات التحضير كثيرة جدا, و كانت محاولاتى دائمة لإيجاد طريقة يتم بيها صناعة حوار و حركة بشكل طبيعى حتى لا يتحول الفيلم لشئ باهت تبدو فيه أى صناعة تمثيلية, بل كان الهدف هو خلق روح طبيعة أسرية بين طفل و أمه, و أعتقد أننى نجحت فى ذلك من خلال تدريب عمرو و ناهد السباعى وخلق هذه الروح بينهما, ولا أنكر مساعدة ناهد هى الأخرى فى خلق روح الألفة بينها و بين الطفل .

 

 

أختيار ممثلة معروفه(ناهد السباعي) ، هل يمكنه أن يكون عامل جذب للفيلم ، بمعني آخر ، ما الأسباب التي جعلتك تختارها  ممثلة بعينها ؟

إختيارى لناهد السباعى سببه الأول هى أنها موهوبة للغاية و مناسبة للدور بشكل كبير جدا, و كنت واثقا فى جودة أدائها, هذا هو العامل الأساسى والأول فى إختيارى للممثلة قبل كل شئ و فى أى فيلم قادم, أما عن كونها ممثلة لها صيتها, فلا أنكر أن هذا يضيف للفيلم بالطبع, فالجمهور دائما ما يحب أن تطل عليه نجومه من خلال الشاشة, يراقبهم و يسمع ويرى منهم الحكايات التى تعبر عنه، ففكرة الجمع بين الموهبة – فى المقام الأول – و النجومية ، هى أمر جيد و مفيد.

أحب أن أوجه تقديرى  الكبير للأستاذ شريف الدسوقى, وهو الممثل الحاصل على جائزة أحسن ممثل بمهرجان القاهرة السينيمائى الدولى لعام 2018، لقبوله لدوره بالفيلم و أداءه الجيد بشكل كبير بالرغم من كونه فى مشهد واحد، وأيضا للمنتجة رشا جودت فهي كانت صمام امان هذا العمل .

 

التمويل ، التطوير ، مشاكل متعددة تواجهه صناع الافلام ، كيف تعاملت معها ؟

أبتسم كثيرا عندما أستمع لهذا السؤال, فسرعان ما أتذكر كم المعاناة المضنية التى واجهتها على مدار سنتين محاولة منى للحصول على دعم للفيلم, والتى أثرت على حياتى الشخصية نفسها … صناعة الأفلام – وخصوصا القصيرة – شئ صعب للغاية فى مصر, يتطلب كثيرا من الإصرار بلا كلل أو ملل, و إلا سيضيع كل المجهود ولن أصل إلى شئ, فلا مفر من المواجهة و الإستمرار, هذه هى وجة نظرى

بدأت رحلة الفيلم كمشروع مقدم على الورق, لجهات دعم متعددة, و طبيعى لم تأتى الموافقة من أول جولة, إلا أنه بعد حوالى سنه ونصف جاءت جائزة الدعم من مسابقة كليك فاندينج لدعم مشاريع الأفلام القصيرة ذات الطابع الإنسانى, فتنفست الصعداء, و بدأت فى طرح الفيلم على شركة ريد ستار للإنتاج السينيمائى, والتى أدين لها بفضل كثير فى دفعى لصناعة الأفلام, و ذلك منذ فيلمى الأول ” جميــلة ”

تحمست ريد ستار للفيلم بشدة, و شاركنى الصديق العزيز ” صفى الدين محمود ” فى هذه اللعبة الممتعة القاسية, و سرعان ما قال ” ياللا نعمل الفيلم ” و بالفعل بدأنا فى التحضير بشكل عملى على قدم وساق, إلا أننا واجهنا مشكلة أخرى, وهى التصاريح للتصوير بالشارع, فالفيلم كله تصوير خارجى لا توجد به أى بلاتوهات أو أماكن مغلقة, فتعطل الفيلم لمدة 6 شهور أخرى, مما أصابنى بإحباط شديد. ولكن تظل  المواجهة و الإستمرار هما الملاذ الوحيد, ولكن يشاء القدر أن فى هذه الفترة التى توقف فيها الفيلم أن أحصل على منحة من مؤسسة اليونيسيف – الإتحاد الأوروبى وذلك قبل تصوير الفيلم بأيام قليلة, فنفذت الفيلم كما أردت, و أدارت ريد ستار إنتاج الفيلم وشاركت فيه, وكنت أستشعر بالفعل كما قلت سابقا, أننى و الصديق “صفى” نقوم بلعبة ممتعة أحببناها بشدة بالرغم من قسوتها, وكل يعمل على الفوز فيها بإمكانياته المختلفة عن إمكانيات الآخر, و أحب أن أوجه الشكر الكبير أيضا لرفيقة هذا المشوار, المنتجة ” رشا جودت” التى ساندتنى وساندت المشروع منذ لحظات البحث الأولى

 

ماهي المشاكل التي تواجهه صناع الفيلم القصير ، من تجربتك يمكنك أن تسرد لنا هذا المعضلة ؟

مشكلتين أساسيتين من وجهة نظرى, أولا الحصول على سيناريو جيد, فغالبية الكتاب يكتبون سيناريوهات صعبة التنفيذ, فالفيلم القصير له ظروف مختلفة عن الفيلم الطويل إنتاجيا, و بالتالى يجيب أن يتم وضع ذلك فى الحسبان أثناء الكتابة, فأنا أرى أحيانا تفجيرات و سيارات تنقلب و أمطار غزيرة  ومواقع تصوير كثيرة و عالية التكلفة, كل ذلك فى سيناريو فيلم قصير, ذلك ليس بعيباً على الإطلاق, ولكنه يؤخر الفيلم كثيرا فى حال البحث عن إنتاج كبير للغاية لتحقيق تلك التصورات, فى فترة يريد فيها صانع الفيلم القصير أن ينجز فيلمه ليضع قدمه على الخريطة السينيمائية و يستكمل مشواره

أما المشكلة الثانية هى إيجاد جهات للدعم الإنتاجى تتحمس لصناعة فيلم قصير

يركز صناع الفيلم علي جودة الصور في أفلامهم، ويحالون خلق عالم مبهر يحكي صور باذخة ، هذا الجانب كيف تصفه ، أو يمكننا قوله بمعني أخر ، ما الأهمية في الفيلم ، السيناريو الصورة ؟

خلق عالم بصرى مبهر أو صورة جيدة شئ ضرورى, لكن دعنا نتسائل, ماهو أصلا العالم البصرى المبهر, هل هو بإستخدام كاميرا باهظة الثمن, هل هو خلق ألوان مبهرة, هل هو إستخدام مؤثرات بصرية شديدة الجاذبية ؟!

العالم البصرى المبهر من وجهة نظرى هو اللغة البصرية التى تعبر عن دراما الفيلم و طريقة سرده, كانت هذه الطريقة هى إستخدام كاميرا موبيل أو إستخدام كاميرا باهظة الثمن, كانت من خلال عدسات من نوع خاص أو عدسات عادية .. إلخ.

على صانع الأفلام أن يعى جيدا كيف يخلق عالم درامى يعبر عن قصته وهمه من خلال الفيلم الذى يطرحه, وماهى الأساليب التى تعبر عن ذلك بشكل حقيقى يصل إلى المشاهد, ثم يقرر هل سيحقق هذا من خلال كاميرا محمولة أو من خلال رافعات تصل للسماء, المهم أن يعي أولا كيف يحكى حكايته, ولا أرى أن البحث عن صورة ذات جودة أو نصوع أو بإستخدام آلات تصوير كثيرة هو سبب نجاح لأى فيلم, فكيف لفيلم أن يصل لقلوب وعقول الناس بصورة جيدة و قصتة فارغة تُحكى بإسلوب خاطئ  .

 

اترك رد