العنف القبلي  .. منظور مختلف

0
12

 

 

مصعب الريح رشاش

 

 

خطيب المسجد في الجمعة الماضية خصص الخطبة كلها للحديث عن ضرورة نبذ القبلية و التعصب القبلي و طفق يردد الآيات القرءانية و الأحاديث الشريفة و بعض المواقف من السيرة النبوية التي تجرم القبلية و تحرمها . جاء ذلك على خلفية الأحداث الدامية و المؤسفة التي شهدتها مدينة الجنينة بغرب البلاد و أبتلينا فيها بنقص في الأموال و الأنفس و الثمرات .

و مثل غيري من ملايين السودانيين , فقد ظللت أستمع إلى ذات الخطبة و إن كانت بعبارات مختلفة و لكن بذات المضمون منذ الصبا و حتى الآن . و بالتأكيد سأسمعها مراراً في المستقبل و إلى أن يتوفى الله نفسي .و بالتالي ستستمر النزاعات القبلية الدموية كذلك , تستعر و تخبو وفقاً لتقلب الظروف و تعاقب الأزمان حتى نلتفت يوماً فنجد أننا البشر الوحيدون الباقون على سطح هذا الكوكب . ليس لأننا الأفضل أو الأقوى , بل لأنه في خضم صراعنا العبثي لم نفطن إلى أن البشر هجروا الأرض و صعدوا إلى المريخ .

اولاً : مما ينسب إلى إنشتاين قوله : ( من الحماقة أن تظل تكرر الشيء نفسه و ترجو نتائج مختلفة ) . فنحن السودانيين مطالبون بفهم أوسع و أكبر لأنفسنا و طبيعة مشاكلنا . فهم علمي عميق ينتج عن جهد و تجرد عظيمين و ليس فهماً معلباً و موروثاً و نمطياً . فلماذا الدولة في السودان , اليمن , الصومال , ليبيا  مثلاً أكثر هشاشة من الدولة في مصر , تونس و الجزائر رغم وجود القربى الثقافية بين هذه الدول على الأقل في جانب اللغة و الدين و الجغرافيا و التاريخ ؟ . بالطبع تعود الهشاشة في المجموعة الأولى إلى تفوق البناء القبلي على الوطني بما يحمله البناء القبلي من تباين ثقافي , تعصبي و إقتصادي يأتي عادة على حساب الوحدة و الوجدان العام و القيم الوطنية .

و بما أن القبيلة هي في الواقع محطة من محطات تطور المجتمعات الإنسانية , ففي هذه الحالة لا يمكن بالطبع القفز فوق منطق التاريخ و إلغاؤها بقرار مثلاُ . لا يمكننا إلغاء القبيلة و لكن باستطاعتنا إلغاء القبلية . و يندرج تحت بند إلغاء القبلية , تصميم برنامج وطني حقيقي يعزز حقوق و واجبات المواطنة و يبنيها على أساس الفردانية ما يجعل الفرد مسؤولاً بشكل شخصي عن سلوكه العام أمام الدولة و المجتمع . و أول الخطوات في سبيل تطبيق هذا البرنامج هو إلغاء مفهوم المصالحات القبلية و دفع الديات بشكل جماعي تكافلي و كل الفعاليات التي ظلت تلغي الفرد و تتعامل معه بوصفه عضو فقط في مجموعة مستعدة لتحمل المسؤولية عنه عندما يخرق النظام و القانون و جاهزة لتتقاسم معه ما يصدر بحقه من عقاب .

ثانياً : في تقديري أن فهم طبيعة الصراعات و منشأها هو المدخل الأول لحلها . فالعامل الإقتصادي في الغالب يمثل أحد أهم محاور الصراع بين المجموعات السكانية التي تتشارك موارد طبيعية تمضي إلى تناقص بفعل التغيرات المناخية و يحتكم الناس في الإستفادة منها إلى الأعراف و التقاليد . فمعركة الإنسان من أجل أن يبقى حياًعندما تتعرض حياته للتهديد , في الغالب , تجعل القيم و المثل العليا على المحك .و فهم أصل الإنسان بوصفه كائن حي يستوجب تفهم سلوكه لإعلاء قيمة حياته على كل قيمة أخرى . و الصراع بين المزارعين و الرعاة هو صراع قديم على مستوى العالم و قد تطرق إليه المؤرخ الشهير وول ديورانت في سفره ( قصة الحضارة ) . فهو في الواقع صراع بين حضارتين بما تحملانه من قيم و نظرة مختلفة للأنا و الآخر و أسلوب حياة مختلف و نحو ذلك من الإختلافات . فالرعي يمثل الحضارة التي خلفت حضارة الصيد . فلما تعب الإنسان من تعقب الطرائد و القتال معها من أجل اصطيادها , فكر في تأليف الحيوانات و ترويضها لخدمته في الغذاء و إتخاذها مطية للتنقل و حمل الأغراض . و الزراعة هي الحضارة التي أعقبت حضارة الرعي و التي أعقبتها الصناعة و أخيراً الثورة الرقمية .

و بالعودة إلى الطبيعة الإقتصادية للنزاع , في تقديري أن أية محاولة حل لهذه المشاكل يجب أن تتضمن استراتيجية إقتصادية تعمل على حسن إدارة الموارد الإقتصادية و تنميتها أولاً . و أن تعمل الإستراتيجية على دمج الأنشطة الإقتصادية بأسلوب يقضي على التنميط الذي يميز القبائل على أساس النشاط الإقتصادي . و ذلك بأن ينخرط قسم من أفراد القبائل المشهورة بالزراعة في نشاط الرعي و العكس صحيح . و بذلك يصعب الإستقطاب و التصعيد القبلي في حال نشوب أي صراع ذو طبيعة إقتصادية . و بذلك تتوحد الأهداف و يحدث الإندماج  و الإنصهار الإجتماعي و هو أحد أهم الأهداف العامة لأي دولة راشدة . و يمكن أن تتبنى الدولة مثل هذا المفهوم عبر العودة إلى نظام الجميعات التعاونية . و كذلك من خلال الدخول في شراكات إقتصادية مع المجتمعات كصيغة الزراعة التعاقدية و الشراكة المعمول بها الآن في مشروع الجزيرة و غيره من المشاريع الزراعية القومية .

ثالثاً : المدخل الثاني إلى الحل بحسب رأيي الشخصي , هو مدخل ثقافي . فوجود الأندية الرياضية و الثقافية و إحياء المهرجانات الثقافية و المنافسات المحلية يمكن أن يكون لها أثر كبير في هضم طاقات الشباب و تحويلها إلى نشاط حيوي مفيد للنفس و المجتمع . و الأنشطة الثقافية وسيلة فعالة لصهر المجتمعات المحلية مادياً من خلال التجمعات و الإحتشاد و معنوياً عن طريق إعادة توحيد الوجدان و تشكيل أرضية ثقافية مشتركة تعيد صياغة الأفراد و إهتماماتهم و تغيير طرق تفكيرهم و إعادة نظرتهم إلى أنفسهم و إلى الآخر .

وقد عملت الدولة الوطنية في مصر على الجانبين الإقتصادي و الثقافي من أجل القضاء على ظاهرة الثأر و الصراعات القبيلة في الصعيد . و المشهود من جانبنا من ناحية العمل الثقافي بشأن ظاهرة الثأر في مصر هو العدد الهائل من الأفلام السينمائية و الدراما الهادفة التي أنتجت و تم بثها في هذا الصدد إلى الدرجة التي علق الكثير منها بالذاكرة الجمعية السودانية .

والمؤسف أن كل البرامج التي أتينا على ذكرها هي من صميم مؤسسات و وزارات تعج بالمسؤولين و الخبراء و الموظفين يصرفون مرتباتهم و مخصصاتهم بشكل راتب و يتنافسون على الدورات الخارجية و المناصب .

و لذلك في إعتقادي أن الحلول السهلة و ( اللعب على الواقف ) لا تجدي فتيلاً في نزع فتيل الأزمات القبلية المزمنة في البلاد . فالخطب الواعظة في حالتنا هذي تبدو مثل أن تكفكف دموع طفل يبكي بشدة و تقدم له قطعة حلوى دون أن تجتهد قليلاً لإكتشاف العقرب التي تختبئ بين أثوابه و تقتلها و من ثم تقدم له الترياق الشافي . و قوافل الساسة و خطابهم في مؤتمرات الصلح تشبه إلى حد بعيد حال من يقف على الشاطئ و ينادي شخص يتخبط في لجة الماء وهو على وشك الغرق , و يوصيه بالتحلي بالثبات و الشجاعة و الصبر و الوطنية و الصمود  .

فالمطلوب من السياسيين تقديم برامج سياسية ناضجة و ليس مجرد فصاحة خطابية و خطب سياسية . فقد شبعنا من ( طق الحنك ) هذا و ضاعت وراءه سنين عزيزة من عمرنا الوطني .

 

اترك رد