نحو أفق جديد // د. الشفيع خضر سعيد

0
40

 

 

                                         

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ

 لوقف نزيف الدم في دارفور

                     

مخطئ من كان يظن أن نزيف الدم في دارفور سيتوقف بمجرد إنتصار ثورة ديسمبر وذهاب نظام تحالف الفساد والإستبداد إلى المزبلة. ومخطئ تماما من كان يعتقد أن النزيف سيتوقف بمجرد التوقيع على إتفاق جوبا لسلام مسار دارفور. صحيح، لاشك أن الثورة مهدت الطريق وهيّأت المناخ لثلاثية حقن الدماء وتضميد الجراح وبسط السلام في هذا الإقليم المتسربل بالمأساة، ولكن هذه الثلاثية، كانت، ولا تزال، تحتاج إلى إرادة سياسية قوية، وخطوات عملية مدروسة لإقتلاع جذور النزاعات، يبدو أنها غائبة حتى الآن عن الحكومة الإنتقالية، قبل وبعد تعديلها وتوسيعها بإنضمام من حملوا السلاح بإسم دارفور في صفوفها. وصحيح، أن أزلام النظام البائد يستثمرون في تعميق الجراحات وتغذية الفتن والإحن، ولكنهم ما كانوا يجرؤون لولا تقاعس السلطة عن حسمهم، وإقتلاع عيونهم وأياديهم المزروعة داخل أجهزة السلطة الإنتقالية.  ومخطئ أيضا من يحصر نزاعات وصراعات إقليم دارفور في طابعها القبلي التقليدي، وبالطبع مخطئ من ينفي هذا الطابع. ومخطئ من يؤرخ لبدايات الأزمة في دارفور بإستيلاء الإنقاذ على السلطة وفرض سياساتها المدمرة على البلد، ولكن، مخطئ أيضا من يتجاهل دور هذه السياسات في تفاقم نزاعات دارفور وتحويلها إلى مأساة إنسانية دمويه أقامت العالم ولم تقعده حتى بعد دحر الإنقاذ. إن الصراعات القبلية في السودان تجاوزت طابعها التقليدي، وتحولت من مجرد تنازع على الموارد الطبيعية المتدهورة إلى تطلع مشروع نحو مشاركة حقيقية في السلطة وفي صنع القرار السياسي والإداري، ونحو إقتسام عادل للثروة خاصة وأن هذه القبائل تقطن في مراكز انتاج هذه الثروة والموارد. وهذا هو حال الأزمة في دارفور، حيث،رغم الخصوصية والحيز الجغرافي، هي امتداد للأزمة الوطنية العامة الممتدة منذ فجر الإستقلال، والتي تفاقمت وتعقدت بالمعالجات القاصرة والخاطئة علي أيدي الأنظمة التي تعاقبت علي الحكم طيلة العقود الماضية. لكن سياسات وتجاوزات حكومة  الإنقاذ فاقمت الأزمة وأوصلتها إلى مداها الأقصى حتى أضحت مأساة إنسانية عالمية تتصدر أجندة الحكومات والمؤسسات الدولية!

النزاع القبلي في دارفور قديم، لكن قبائل دارفور لم يكن ينقصها الوعي والحكمة في التصدي لحل هذه النزاعات. ففي خلال الفترة من1957 وحتى اليوم عقدت عشرات المؤتمرات للصلح القبلي في دارفور، صدر عنها عشراتالإتفاقات حول كيغية يسط التصالح القبلي والسلم المجتمعي في دارفور. وقد لخصت تلك المؤتمرات، إضافة إلىالوثائق أخرى صدرت عن ورش العمل وكتابات المهتمين والباحثين، سودانيين وأجانب، لخّصت مفردات الأزمة والمشاكل في: احترام الحق التاريخي للقبائل على حواكيرها، والاتفاق على تحديد مسار مرحال غربي (غرب جبل مرة) وآخر شرقي، مع تحديد دقيق وقاطع للمعالم الطبيعية الثابتة لكل مرحال والمواقيت الزمنية، وأكدت على التقيد بالأعراف التي تواضعت عليها القبائل لفض نزاعاتها، والأعراف القبلية في الاستضافة أو الاستجارة لقبيلة أو عشيرة أخرى، كما بحثت مخاطر أنشاء كيانات إدارية جديدة دون مراعاة النزاع على ملكية الأرض، ومخاطر تشطير وتجزئة إدارات أهلية معارضة للسلطة المركزية وفرض إدارات أهلية موالية، ومخاطر عدم مراعاة الأعراف القبلية في الالتزام بسداد الديات والتعويضات، ومخاطر التمييز بين القبائل في جمع السلاح أو توزيعه، ومخاطر إنتشار المليشيات المسلحة، بعلم السلطات أو نتيجة تهاونها، التي تمتلك أسلحة متفوقة على أسلحة القوات النظامية، وأن أفرادا من القوات النظامية يشاركون قبائلهم في القتال القبلي ورسم الخطط العسكرية، ومخاطر إنتشار الأسلحة التي عاد بها من كانت تسميهم حكومة الإنقاذ “بالمجاهدين” من القتال في جنوب السودان الموحد كغنيمة أو فيئ، واستخدامها في الصراعات القبلية، ومخاطر البيعة للإنقاذ باسم القبيلة، وضعف نفوذ الإدارة الأهلية أمام نفوذ الروابط القبلية وقياداتها من المتعلمين والمثقفين، وعجزها لدرجة الشلل والخوف في أحتواء النزاع المسلح، واستغلال بعض المثقفين الانتماء القبلي لتحقيق تطلعاتهم لمناصب السلطة، وصراعات دول الجوار وتداخل القبائل وتدفق السلاح، والاستقواء بقبائل دول الجوار، والتساهل في منح الجنسية السودانية والرقم الوطني للوافدين….الخ. عشرات التوصيات السليمة والمجمع عليها، خرجت من هذه المؤتمرات والورش، ولكنها ظلت حبرا على ورق مختلف الحكومات المتعاقبة، خاصة الإنقاذ، فهل يا ترى ستسير حكومة الثورة على ذات النهج؟.

لقد ظل أهل دارفور يجأرون بصيحات المظالم السياسية والإجتماعية والإقتصادية والتي تمثلت في

خلو المنطقة من مشاريع التنمية، وضعف خدمات التعليم والصحة، وصل الأمر في ظل حكم الإنقاذ انتهاج سياسة التطهير العرقي عبر عصابات الجنجويد وبتوجيه مباشر من أركان النظام. صحيح أن قضية التنمية تشكل عصب الحل لتظلمات أهل الإقليم. لكن يصعب إلهاء أو خداع أهل دارفور بشعارات وبرامج التنمية كمشروع مستقبلي، وهم يعيشون خذلان الماضي وانهيار الحاضر، سواء في المصير المجهول للأموال التي اقتطعوها من لحمهم الحي لتمويل طريق الإنقاذ الغربي، أو انهيار مشروع جبل مرة، أو إختفاء مشاريع السافانا وأم عجاج وخور رملة وساق النعام، أو توقف مدبغة نيالا، أوتراجع الاهتمام السنوي والموسمي بضبط مياه الخيران كتجربة ناجحة طورتها مساعدات ولاية سكسونيا الألمانية، أوتوقف حملات العيادات البشرية والبيطرية المتحركة، أومشروع تحسين الماشية وتسويق الألبان، أوتدهور حال المدارس والمستشفيات، أو عجز حكومة الثورة، خاصة بعد خروج قوات الأمم المتحدة من الإقليم، عن حماية الأهالي في معسكرات النزوح أو حين يخرجون للزراعة.

وقبائل دارفور التي لها حقوق تاريخية على الحواكير، لم تبخل بإقتطاع أي مساحة من حواكيرها تدخل ضمن مشاريع التنمية ذات العائد لمصلحة كل سكان الأقليم، رعاة ومزارعين. ورغم قسوة الظروف الطبيعية، ظلت دارفور رحبة تسع إنسانها وحيوانها. وظلت قضية التنمية في دارفور ذات أسبقية ضاغطة منذ ثورة اكتوبر 1964، وتراكمت دراسات جدوى وملفات مشاريع رائدة لا تحصى. لكن الحلقة المفقودة كانت وما تزال الإرادة السياسية لإتخاذ القرار، وتعبئة الموارد البشرية والمادية للتنفيذ، ولو في حيز إعادة إعمار المشاريع التي كانت قائمة، وتلك التي جادت بها المنظمات الدولية. وهذا ما فشلت فيه تماما حكومة الإنقاذ، التي جادت بسخاء على المحاسيب بالمراعي التجارية الشاسعة، 300 إلى 600 ألف فدان، دون مراعاة للغطاء النباتي وغابات الهشاب والطلح، مصدر الصمغ العربي، وإسقاط حق صغار المزارعين والرعاة والمنتجين في المشاركة في الحيازة وعائد الإنتاج، ودون مراعاةللآثار السالبة للآتفاقية الحصرية واستنزاف الثروة الحيوانية التي يزخر بها أقليم دارفور. ومن زاوية أخرى، فقد ظلت دارفور تتحمل عبء تقلبات السياسة السياسة الخارجية للحكومات المركزية في الخرطوم، حيث أنحدود دارفور الطويلة والمفتوحة على ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، إضافة إلى التداخل القبلي عبر تلك الحدود، جعل دارفور تتأثر بشكل مباشر بالصراعات الدائرة والمتجددة في تلك البلدان.

إن الأوضاع المأساوي المتفجر الآن في إقليم دارفور، ولن تكون آخرها الحرب التي تدور رحاها الآن في الجنينة، تفترض تنفيذ تدابير عاجلة وفورية منها: القبض على مثيري الفتنة ومن يستثمرون فيها من بقايا نظام الإنقاذ وتقديمهم للمحاكمة، تصفية الملشيات ونزع سلاحها ومراقبة كل المنافذ لمنع دخوله، تنفيذ قرار الحكومة المتخذ منذ يوليو 2020 بتكوين قوات مشتركة لحماية المواطنين خاصة في المعسكرات،أن تلعب الحركات المسلحة، والتي جعلت من قضية دارفور همها الرئيس، وخاصة الحركات الموقعة على إتفاق سلام جوبا، أن تلعب دورا رئيسا في وقف الإقتتال القبلي ومنع تجدده، توفير وتوصيل الإغاثة من غذاء ودواء للمتضررين عبر ممرات آمنة وبمساعدة المجتمع الدولي، الشروع في تهيئة عودة النازحين إلى ديارهم الأصلية وحمايتهم وتعويضهم، وأن تحسم الحكومة أمرها فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية… هذه التدابير العاجلة، وغيرها، لابد من تنفيذها فورا، قبل التصدي لجذور الأزمة وتقديم الحلول الناجعة لها.لكن، الحلول الأمنية وحدها لن تكفي ولن تمنع تجدد العنف، بل لابد أن تصحبها حلول سياسية لعل مدخلها السليم هو الاعتراف بأن ما يحدث في دار فور هو إفراز حقيقي للأزمة العامة التي يعيشها السودان، والتي من أبرز تجلياتها التهميش المتواصل لأطراف البلاد ومن ضمنها دارفور، وأن المشكلة سياسية تتطلب حلاً سياسياً قومياً، يبدأ بعقد مؤتمر سياسي جامع يسع كل القوى السياسية والمسلحة في البلاد، ويمثل فيه أهالي دار فور بمختلفقطاعاتهم، مستصحبا كل مبادراتهم لحل النزاع في الإقليم. أما الحل النهائي للأزمة، فلن يتأتى إلا عبر الاتفاق على مشروع وطني للخروج بالبلاد من أزمتها، يراعي التعدد الإثني والثقافي والتفاوت التنموي في مختلف ربوع البلاد، ويتصدى، عبر الديمقراطية ومشاركة الجميع، لقضايا التمية المتوازنة والمشاركة العادلة في السلطة وموارد الثروة بحيث نحتفظ بالسودان موحدا وآمنا لكل سكانه.

 

 

اترك رد