من كنانتى // النور حمد ( الأزمات المُزمنة في السلع الضرورية )

0
28

 

(2-2)

فصلت بين بداية السبعينات من القرن الماضي وزمننا الحالي خمسون عامًا. ولقد بقيت الأزمات في السلع الضرورية وفي الخدمات الضرورية، عبر هذه الخمسين سنة المنصرمة، تراوح مكانها. فنخبنا السياسية ونخبنا العسكرية، كانت، في تقديري، هي الأفشل، من بين نخب العالم النامي، في خدمة الشأن العام. فكل شيء في بلادنا بقيَ مُجيَّرًا للصالح الجهوي؛ من حزبي، ومؤسسي،وقَبَلي، وطائفي،وشخصي. باختصارٍ، هناك علةٌ مزمنةٌ لم نعمل قط على تشخصيها ولا على إبرائها، من ثَمَّ. عادت،كرَّة أخرى، طوابير السيارات التي تبيت ليلةً وليلتين أمام محطات الوقود، إلى ما كانت عليه في فترة حكم جعفر نميري، والصادق المهدي، وعمر البشير. وعاد الناس يقفون على حواف الشوارع لوسائل نقلٍ لا تأتي. بل، زهد كثيرون في الحركة وبقوا في بيوتهم. وفي كل حيٍّ تكتظ واجهات الأفران بالمنتظرين للخبز طيلة اليوم. وهو خبزٌ لا تنفك موادُّه وصناعته تسوءان باضطراد. ولا أظن أن هناك شعبًا من الشعوب النامية تعرض للمهانة اليومية الممنهجة المتطاولة، بمثل ما تعرض له الشعب السوداني.

رأينا مرارًا وتكرارًا من يدلقون عجين الخبر في مكبات النفايات للتضييق على الشعب حتى يكره حكومته ويثور ضدها. غرضهم أن يعودوا إلى سرقة المال العام والرضاع من ثدي الدولة الذي عز عليهم الفطام منه. ورأينا الشاحنات التي تأتي إلى المخابز في جوف الليل لتأخذ كميات هائلة من الخبز، لا ندري أين تذهب. كما رأينا النخب العسكرية تخرج ما بين حين وآخر، لتتصدق على شعبها، وتمن عليه بذلك من على وسائط الإعلام بصدقةٍ تُقدَّمُ له ماله الذي لم يعد يملكه. ويجري ذلك على قاعدة قول المتنبي: “جوعانُ يأكلُ من زادي ويُمسكُني لكي يُقالَ عظيمُ القدرِ مقصودُ”. كما رأيناهم يتباطأون في إسعاف أهلهم وهم في أوج المسغبة، وأموال الشعب في حوزتهم، استدرارًا لهباتٍ وعون يأتي من الخارج، لقاء مواقف سياسيةٍ مشتراة. ولربما يكون حرصهم على ألا ينفقوا مثقال ذرَّةٍ مما احتاشوه من المال العام،متطابقاً مع خطة القوى الخارجية الكارهة للثورات، التي لا تريد أن يكون للشعوب صوت. فالخطة الموضوعة، فيما يبدو هي خنق الشعوب بالضوائق وشظف العيش، بل وبالمسغبة الشديدة، حتى ترضخ.فيأتيها العلف، وتستيقن حينها أن شرط العلف هو الصمت، والاكتفاء، من الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بدورِ السائمةِ المعلوفة. لكن، هيهات، فما لهذا خُلق الإنسان.

لم تكن السياسية في أي يوم من الأيام لعبةً نظيفة. لكن ممارستها على المستوى الدولي، والإقليمي، والمحلي، قد ساءت في العقود الأخيرة، بصورةٍ بالغةِ الغرابة. لقد انقرضت، أو كادت، على مستوى الكوكب، النخب المبجَّلة من سياسيين مدنيين وعسكرين،ممن كانوا يهتمون بالشأن العام، أو، على الأقل، يولون الشأن العام جزءًا كبيرًا من اهتمامهم. وأمسكت بمقاليد الأمور نخبٌ سياسيةٌ؛ مدنيةٌ وعسكريةٌ لا ترى في السياسة ولا في العسكرية سوى منصة لملء جيوبها، وتحقيق مجدها الشخصي والأسري، وإنشاء امبراطورياتٍ صغيرةٍ تافهة، يعقبها فيما رأينا من حولنا خرابٌ عظيم. لقد تعمق وسط نخبنا المحلية؛ المدني منها والعسكري، ومنذ أمدٍ طويلٍ، نقصانٌ مريعٌ في الشعور بما يحيط بهم من فقرٍ ومرضٍ وسوء أحوال، حتى تحوَّلت تلك الغفلة إلى تبلُّدٍ شبه كاملٍ بلغ حد فقدان الحياء من الذات.نراهم في وسائط الإعلام؛ مدنيين وعسكريين، منخرطين في ذات الملهاة القديمة، فنتساءل: يا ترى،أي فعلٍ إيجابيٍّ ملموسٍ لهؤلاء في واقع حياتنا؟

 

 

اترك رد