الأحوال الشخصية في الدولة المدنية : هل يمكن الدمج بين الزواج الشرعي والزواج المدني ؟

0
24

 

 

 

 

 

 

الأستاذ/ أحمد عثمان محمد المبارك المحامي

 

على إثر توقيع إعلان المبادئ الذي وقعه عبدالعزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية شمال، ورئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان انتشرت العديد من التعليقات والمقالات الناقدة والمؤيدة حول مسألتين: الأولى إدراج مسألة علمانية الدولة ضمن أجندة التفاوض، والثانية ضرورة أن “تستند  قوانين الأحوال الشخصية على الدين والعرف والمعتقدات بطريقة لا تتعارض مع الحقوق الأساسية”..  وانقسم الناس بين مطالب بقانون مدني مطلق ينظم الأحوال الشخصية دون أي تدخل من الدين، وبين مؤيد لإسناد الأحوال الشخصية للدين  والعرف باعتبار ذلك لا يتعارض مع مدنية الدولة.

فهل إنشاء قانون مدني ينظيم الأحوال الشخصية دون تدخل من الدين فيه تعارض مع الدين؟ وهل إسناد قوانين الأحوال الشخصية للدين والعرف والمعتقدات يتعارض مع مبادئ الدولة المدنية؟ لا أعتقد إن هناك تعارضاً في الحالتين، فإسناد قانون الأحوال الشخصية للدين والأعراف يعتبر من صميم احترام حرية الدين والمعتقد الذي تنادي به الدولة المدنية، كما إن وضع قانون مدني ينظم الأحوال الشخصية سوف يعزز المساواة في الحقوق المتعلقة بشئون الأسرة دون تمييز بين الأديان والمعتقدات المتباينة في المجتمع… فهل يمكن التوفيق بين الاتجاهين؟

 

قد يصعب في مجتمع مثل المجتمع السوادني وضع قانون مدني بشكل مطلق ينظم الأحوال الشخصية دون إعطاء الكيانات التي تدين بأديان وأعراف مختلفة حقها في تطبيق شرائعها، وحتى إن تم التوافق على وضع قانون مدني سوف يجد المشرع نفسه مضطراً على إضافة بند في القانون يحيل بعض المسائل للدين أو العرف كالمسائل المتعلقة بالميراث والوصية وغيرها من المسائل الخاصة بالأسرة المرتبطة بالدين والأعراف. والوضع يختلف في حالة عقد الزواج الذي من الممكن في تقديري إخضاعه للقانون المدني دون أن يكون هناك مساس بالقواعد الشرعية.

 

ما هو عقد الزواج المدني:

لا يختلف عقد الزواج عن بقية العقود التي يبرمها الأفراد في كافة مناحي الحياة، وليس هناك ما يمنع شرعاً ولا قانوناً أن يبرم الزوجان عقد زواج  وفقاً للقانون المدني بوثيقة مدنية يوقعها الزوج والزوجة بحضور شهود ويتم توثيقها وتسجيلها كوثيقة رسمية وفقاً للقانون. وفي هذا العقد يسمح للزوجين أن يستخدما كافة حقوقهما المدنية، ووضع الشروط التي يريدونها لتنظيم العلاقة الزوجية بينهما بما في ذلك تحديد ممتلكات الزوجية وكيفية  تشاركها، والاتفاق على شروط إنهاء العلاقة الزوجية بالطرق الودية، والاتفاق على حقوق الزوجين المترتبة على الطلاق من حيث التعويضات وتقسيم ممتلكات الأسرة، وحقوق الأطفال، وغيرها من المسائل الخاصة بالعلاقة الزوجية كما يريدها الزوجان. ويترك للطرفين حرية الاختيار بأن ينص عقد الزواج المدني على المرجعية الدينية أو العرفية أو المبادئ القانونية التي يرغبان في  أن تحكم العلاقة الزوجية بينهما.

 

هذا المفهوم القانوني لقعد الزواج المدني ظل غير مرغوب فيه في العديد من الدول العربية والإسلامية ومازالت تحاربه العديد من الاتجاهات الإسلامية.  إلا إنه وبالرغم من ذلك هناك بعض الدول العربية مثل تونس التي طبقت الزواج المدني المطلق حيث تتبنى الجمهورية التونسية نظاماً مدنياً. بينما حققت المملكلة المغربية اختراقاً كبيراً بتعديل قانون الأحوال الشخصية بالقدر الذي حقق التوازن بين الحقوق المدنية والشرعية، وكذلك فعلت الجزائر في نطاق محدود.

 

التجربة التونسية

تعتبر تونس البلد العربي الوحيد الذي يطبق الزواج المدني منذ بواكير استقلالها، حيث يتبنى الدستور التونسي نظاماً علمانياً يفصل الشريعة عن الحكم بالنص صراحة في الدستور التونسي على إن (تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلو القانون)  ويمنع قانون الأحوال الشخصية التونسي تعدد الزوجات، ولا يعترف بأية صيغة زواج خارج صيغة الزواج المدني، واستمر الحال كذلك من عقود ولم تنجح كل محاولات الإسلاميين بعد الثورة التونسية في إلغاء الزواج المدني حتى الآن.

 

التجربة الجزائرية

وفي الجزائر أخذ قانون الأحوال الشخصية شكلاً مختلطاً بين الحقوق المدنية والشرعية، فالقانون الجزائري يعترف بالزاواج المدني طالما لا يخالف الشريعة الإسلامية ويشترط أن يكون الزوجان من نفس الملة والدين، ووفقاً للإجراءات المعتمدة في الجزائر يجب إبرام وتسجيل عقد الزواج المدني قبل العقد الشرعي وذلك للحد من مشكلات الزواج العرفي ولحفظ حقوق المرأة الذي أجاز لها القانون الجزائري أن تضع ما تراه من شروط تحفظ بها حقوقها في النفقة وعدم الزواج عليها أو حرمانها من العمل.

 

التجربة المغربية

إلا أن التجربة المغربية كانت متميزة وفريدة في التوقيق بين الزواج المدني والشرعي، وفي تقديري إنها التجربة الأقرب للتطبيق في السودان. فلم تصدر المملكة المغربية قانوناً صريحاً للزاوج المدني ولكنها استطاعت إحداث ثورة في قانون الأحوال الشخصية استناداً على الشريعة الإسلامية والحقوق المدنية في نفس الوقت دون الإقرار بالزواج المدني، وذلك عن طريق إدخال تعديلات كبيرة جعلته يتقدم الدول العربية في النهوض بحقوق المرأة المدنية في مسائل الأحوال الشخصية، وكانت البداية عندما تم استبدال عبارة “تحت رعاية الزوج” بعبارة “تحت رعاية الزوجين” الشيء الذي أدى إلى تغيير اسم القانون من “مدونة الأحوال الشخصية” إلى “مدونة الأسرة”، فأصبحت الزوجة متساوية مع زوجها في السهر على رعاية الأسرة وذلك بإعتبارها طرفاً أساسياً وشريكاً للرجل في الحقوق والواجبات، عكس مقتضيات المدونة السابقة التي تضع الأسرة تحت رعاية الزوج، كما جعلت سن الزواج سن 18 سنة كحد أدنى للزواج ينطبق على الفتى والفتاة، وساوت بين البنت والولد المحضونين في سن اختيار الحاضن، كما جعلت الولاية في الزواج حقاً للمرأة تمارسه المرأة الرشيدة، وأقرت المساواة في الحقوق والواجبات بين الزوج والزوجة وبالتالي استبعاد مفهوم طاعة الزوجة لزوجها، وقد جعلت الطلاق تحت رقابة القضاء باعتباره حلاً لميثاق الزوجية بيد الزوج والزوجة يمارسه كل منهما حسب شروطه الشرعية.

ومن أهم ما جاءت به المدونة المغربية هو تقييد إمكانية التعدد في الزواج أو التزوج بأكثر من زوجة وفرضت شروطاً صارمة تجعله صعب التحقق، حيث منعت التعدد إذا خيف عدم العدل، فاشترطت أن يأذن القاضي بالتعدد للتأكد من إمكانية الزوج في توفير العدل على قدم المساواة بين الزوجة الأولى وأبنائها والزوجة الثانية في جميع جوانب الحياة، كما اشترط على الزوج أن يثبت أن هناك مبرراً استثنائياً للتزوج بامرأة ثانية. وبالرغم من عدم اعتماد الزواج المدني في القانون المغربي إلا أن المدونة حققت أقصى درجات الحماية للزوجة من تعسف الزوج في ممارسة حقه في الطلاق وذلك من خلال تدخل القضاء الذي أصبح له سلطة أن يراقب ممارسة الزوج للحق في الطلاق والقيام بدور الوساطة للتوفيق بين الزوجين، وكيفما كان الحال فإنه لابد من الإذن المسبق للمحكمة بالطلاق ودفع المبالغ المستحقة للزوجة والأطفال. وبناء عليه لا يقع الطلاق الشفوي وطلاق الغضبان والسكران والحلف باليمين والطلاق المقترن بعدد (طلاق الثلاث مثلا). وفي هذا حماية رفيعة لبقاء الأسرة التي هي المقصد الأساسي في بناء المجتمع الإسلامي الفاضل. حق آخر اكتسبته المرأة المغربية فيما يتعلق بالزواج عليها، حيث أعطت المدونة الجديدة الزوجة الحق في أن تشترط على زوجها عدم التزوج عليها، باعتبار ذلك حقاً لها، عملاً بقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه “مقاطع الحق عند الشروط”. أما في حالة عدم استخدام الزوجة لهذا الحق أوجبت المدونة على القاضي استدعاءها لإخبارها بالتزوج عليها، وإخبار الزوجة الجديدة بأن الزوج متزوج بغيرها، والغرض من ذلك هو إخطار الزوجة الأولى بأن هناك طلباً من زوجها بالتزوج من أخرى، ولا يعطي إخطار المحكمة للزوجة الحق في الاعتراض، فإذا استوفى الزوج الشروط المطلوبة في المدونة بحقه في التزوج من امرأة ثانية والتي من ضمنها علم كل من الزوجة الأولى والزوجة الجديدة سمحت له المحكمة، كما أعطت المدونة للزوجة الأولى الحق في طلب التطليق إن رغبت في ذلك.

 

اترك رد