من كنانتي//النور حمد “الأزمات المُزمنة في السلع الضرورية (1)”

0
57

 

 

هناك أمورٌ محيِّرةٌ جدًّا يتفرد بها السودان، دون غيره من أقطار العالم. من هذه الأمور ظاهرة استطالة أمد الأزمات في السلع الضرورية. فكل من زار أقطار الجوار، وهي أقطار تشابهنا في أحوالها من حيث تخلف التنمية وضعف الاقتصاد، إلا أننا لا نرى فيها مواطنين مصطفين لأخذ حصصهم من السلع الضرورية. لا توجد، على سبيل المثال صفوفٌ للخبز وللوقود ولغاز الطهي في دول جوارنا؛ لا في إثيوبيا ولا في كينيا ولا في يوغندا ولا في جيبوتي ولا في الصومال ولا في تشاد. ولو صحت هذه الملاحظة، وهي عندي صحيحة، لأنني زرت أكثرية هذه الأقطار المحيطة بنا، ولم ألحظ وجود مثل هذه الصفوف، فإن الاستنتاج الطبيعي الذي يمكن أن يصل إليه المرء هو أننا نعاني من علِّةٍ مستفحلةٍ تخصنا وحدنا. يضاف إلى ذلك أننا، لسببٍ ما، قد عجزنا عن تشخيص هذه العلة، وبالتالي فشلنا في التوصل إلى طريقةٍ لإبرائها.

لقد بدأت ظاهرة صفوف السلع الضرورية في سبعينات القرن العشرين، في فترة حكم الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري. فعاصمتنا ومدننا وقرانا، لم تعرف قبل فترة حكم نميري، صفوفًا أمام المخابز، ولا أمام محطات الوقود. أما غاز الطهي فلم يكن استخدامه قد اتسع بعد في تلك الفترة، خاصةً في الأرياف. يضاف إلى ذلك، أن أعداد السيارات لم تكن بهذه الكثرة التي نراها بها اليوم. وهي كثرةٌ لا تتناسب مع الأحوال الاقتصادية العامة للمواطنين ولا مع مستوى اقتصاد البلاد. ويبدو، علاوةً على السياسات الخاطئة، التي جعلت قطاع النقل العام ضعيفًا، الأمر الذي اضطر المواطنين إلى امتلاك السيارات الخاصة. أيضًا، هناك “الاغتراب”، في دول النفط وغيرها، الذي مكَّن الأسر متوسطة الحال ودون المتوسطة الحال من اقتناء السيارات. وكل هذا نتاجٌ لأخطاء التخطيط والسياسات. فمع الهجرة الكثيفة من الأرياف إلى المدن وعلى رأسها العاصمة المثلثة، أصبحت السيارات والحافلات الصغيرة والسيارات الصغيرة وغيرها من المركبات كسيارات “أمجاد”، و”الركشات” وسائل لزيادة الدخل الأسري، ما فاقم من عدد المركبات، وأحدث، من ثم، زيادةً مهولةً في الطلب على الوقود.

تحدث الظواهر السالبة نتيجة لأخطاء في السياسات وفي السياسة. وهي غالبًا ما تكون غير متعمَّدة، وإنما ناتجة عن ضعفٍفي الكفاءة وقصورٍ في الرؤية وعدم دراية بالتخطيط الحاذق. لكن تلك الظواهر السالبة؛كالأزمات في السلع الضرورية، لا تلبث أن تتحول إلى أداةٍ سياسيةٍ يستخدمها قبيلٌ من أجل الكسب السياسي. فلقد كان جزءٌ من الأزمات في حقبة نميري من صنع القوى التي كانت تعارض نميري. وأعني هنا تحديدًا ما كانت تسمى “الجبهة الوطنية”، التي ضمت حزب الأمة والاتحاديين وجماعة الإسلام السياسي. وفي حقبة الديموقراطية الثالثة (1985 -1989)، استخدم الإسلامويون أذرعهم الاقتصادية في خلق الأزمات، ضد حلفاء الأمس، تمهيدًا للانقضاض على النظام الديموقراطي عن طريق الانقلاب العسكري، وهو ما حدث بالفعل في عام 1989.

لقد أصبح خلق الأزمات في السودان سلاحًا سياسيًا. وما يجري الآن ليس منحصرًا في خواء خزينة الدولة من العملات الحرة، وحسب، وإنما هناك أيضًا قصدٌ مبيَّتٌلإضعاف حكومة المدنيين وإظهارها بمظهر العاجز لأمرٍ في نفس يعقوب. وقد ساعد على هذا الوضع الشاذ حقًا، خلق نظام عمر البشير دولةً موازيةً تدير اقتصادًا آخر في الخفاء، لا تستطيع الدولة الأم رؤيته ولا التحكم فيه.إنها سياسة الضرب تحت الحزام التي أدمنتها نخبنا السياسية والعسكرية، سواءً بسواء.

(يتواصل)

اترك رد