حديث المدينة// عثمان ميرغني ‘‘كيف نحول “الجنينة” إلى “جنينة”..‘‘

0
136

المفارقة   مهولة بين الاسم والفعل، مدينة “الجنينة” في أقصى نقطة على حدود السودان الغربية، إسمها يدل عليها، فكلمة “جنينة” تعني الخضرة والجمال والهدوء بل والسياحة ومتعة المنظر، لكنها تولت في عناوين الأخبار إلى مقصلة كبيرة لأرواح بريئة، لا يظهر في الخبر سوى الأرقام.

في اليوم الأول قتل 32، في اليوم الثاني إرتفع العدد إلى “56” في الثالث، الرابع، الخامس وصل إلى “132”.. لا يتغير في بشاعة الخبر إلا الرقم الذي يجعل الإنسان مجرد رقم في قوائم الموت المجاني.

وبكل أسف وحزن وطني نبيل، ليست هذه المرة الأولى ولا الأخيرة، خلال سنة واحدة تقريباً تكررت الأحداث ثلاث مرات.. لا تختلف إلا في عدد الضحايا بينما تتشابه في البدايات الصغيرة بل “الهايفة” حينما ينجح عود ثقاب صغير في إشعال حريق ضخم وسيول من الدماء والثكالى واليتامى والهاربين من الجحيم.. ثم يصدر بيان بارد من الحكومة تتحدث فيه كل مرة عن “حملة لجمع السلاح”.. وتتهم الأشباح بأنها هي التي تأتي من الغيب لتقتل ثم تهرب إلى ما وراء الأفق.. فيظل الفاعل مجهولاً رغم أنه معلوم بالضرورة..

لن يتوقف مسلسل القتل ليس في “الجنينة” وحدها بل في كل أنحاء السودان الملغومة بـ(تحت الرماد وميض نار).. إلا يتغيير هيكلي في علاقة الحكومة بالمواطن..  فالساسة الذين لا يضجرون من مضغ مفردات معلبة يبدو أحياناً كثيرة غير قادرين على فهمها ولا تحويلها إلى سياسة وفعل على الأرض.. فهم يتحدثون دائماً عن “دولة المواطنة” ويجعلونها مجرد عنوان لمطالب سياسة تسمح بإفساح الكراسي والسلطة للقادة دون أن تعني  شيئاً للمواطن المغلوب على أمره..

“دولة المواطنة” تعني تأسيس علاقة مباشرة بين الحكومة والمواطن.. في كل المستويات،  ليست مجرد علاقة وهمية مطرزة بالشعارات والخطب الرنانة بل بالتواصل والتعامل والمصالح المباشرة..

ماهي علاقة “الحكومة” بالمواطن السوداني في مدينة “الجنينة” ؟ على سبيل المثال..

تفحصوا جيداً هذه “العلاقة” لأنها هي التي توفر البارود لإشعال الحرائق، فالمواطن في مفاهيم الحكم هو مجرد رقم ضمن مجموع، هذا المجموع أما قبلي أو أهلي أو سياسي أو جهوي أو فئوي .. لكنه ليس فرداً محصناً بالحقوق والواجبات المباشرة مع الحكومة.

ولهذا؛ كلما أضجر الناس الحال، وأظلمت عليهم الظلامات  لجأوا إلى “المجموع” القبلي أو الأهلي أو الجهوي أو السياسي أو الفئوي إلتماساً للإنصاف أو الحقوق أو منعاً للظلم .. وبكل أسف يستغل البعض هذا الوضع ليخلق مصالح تمتطي فوق مصالح المواطن، فبعض القادة يطرزون من “الوكالة” باسم الجماهير نسيج مصالحهم الخاصة حتى ولو بدا خطابهم عاماً في مظهره.

هل تعرف الحكومة الأبرياء الذين قتلوا في “الجنينة”؟ لا أقصد بياناتهم الشخصية التي تثبتها سجلات المستشفيات التي تنقل إليها جثثهم .. بل أقصد حقوقهم المباشرة على الحكومة وهل نالوها أو تلقوا مجرد وعد بالحصول عليها في يوم ما.

تغير الخطاب الرسمي ليصبح “حكومة- مواطن” هو بداية تأسيس دولة المواطنة التي تمنح شعبها الكرامة وتمنع الإهانة والقتل.

اترك رد