مع ذالك//عبد لله علي ابراهيم “الجنينة ومرتع الشيطان: واللا عديلة بتبقى عوجا”

0
52

 

 

“إلى روح العالم الفذ بروف آدم الزين”

كان الزين سيد “عرس الزين” يصيح متى أحب فتاة من قريته: “أنا مكتول في حوش فلان” يشير إلى دارها. وصرت كلما قرأت عن قتال بين جماعتين في السودان أصيح “أنا مكتول في حوش الفكر” لا عحباً بل كرهاً. فاقتتل أمام ناظرينا المساليت وجماعة من العرب للمرة الثانية خلال عام ولسنا نعرف من فكرنا عنه كثير شيء. فالصحافة وبيانات الأحزاب والحركات والوسائط الاجتماعية (أكثر فكرنا) بخيلة بما يسمى ب”خلفيات” الخبر. يكفيها الخبر لتنصرف كل منها لتجييره لمآربها في الزمان والمكان.

 

ولا يستقيم خبر بغير هذه الخلفيات. وقال صحافي أمريكي إن الخبر خبر حيث وقع مُذاعاً ولكنه علم اجتماع حيث وقع. أي أنه تدافع حول مصالح وتاريخ لهذا التدافع. وعلم اجتماع الخبر هذا ما تسهر عليه صحافة حاقة الاسم تحسن تدريب كادرها في البحث في آراشيف الورق والأسافير، وذات قوائم لخبراء في الشأن تستفتيهم فيه متى ادلهم الخطب، ولها وجود حيث وقع الخبر.

 

يرجع صراع المساليت إلى سياسات الإنقاذ العرقية. وهو التفخيخ الذي يغيب حين نجرد الخبر من خلفياته ويجري به كل منا إلى مأربه الشاغل في الزمان والمكان كما سنرى من بيانات الأحزاب والحركات المسلحة الكئيبة. وتَخَلق النزاع في سياساتها التي عبأت بها العرب الموثوق بهم لخوض حرب الجنوب. فأتخذ عرب سكنوا دار المساليت ك”تبع” دالة الإنقاذ هذه عليهم لطلب سلطان في الدار لا تأذن بها الأعراف. و”التبع” هم الضيوف على أهل الدار لهم المعاش فيها بشروط منها ألا يكون لهم سلطان سياسي مثل النظارة. وانتهز عرب دار المساليت، المهادي والثعالبة والحوطية وغيرهم من حيث أتوا، هذه الدالة من حكومة الإنقاذ للخروج على “التبع” وطلب الوظيفة السياسية في دار ليست دارهم حسب الأعراف. ولما أعادت الإنقاذ الإدارة الأهلية بقانون  1995أكرمتهم بجاه وصلاحيات لا تقع إلا لمالك الحاكورة، وهم بلا حظ منها. وزاد الطين بلة إن الحكومة لم تتفضل بمناقشة هذا الأمر مع السلطان و”الفرش”، أي جهاز المساليت الأهلي.

 

وقد دفع هذا المساليت إلى تجييش دفاعهم القبلي مستعينين بالمعارضة الشادية التي بينها قيادي مسلاتي ودعمتهم هيئة شورى المساليت. وحين قالت الإنقاذ لسلطان المساليت لترضيته سنجعلك أمير الأمراء فوق الأمراء العرب المستجدين قال لهم “هذا مقام إبني الأكبر فكل من أبنائي أمير.”

فدعا ديوان الحكم الاتحادي لجنة لتتدارس أوضاع تجديد الإدارة الأهلية. وكان جرى حرق بعض بيوت المساليت خلال النزاع. ولما اجتمع مجلس الصلح متأخراً في أغسطس 1996 لم يناقش حتى مسألة الأمارات. بل جاء في بيان الصلح ما أوحى للمساليت أنه أضحى للعرب قسمة في الدار مثل قول البيان: “رعاية مساواة في الحقوق والواجبات سلطة وأرضاً وماءً وكلأ” . وهذا نص من شأنه أن يمنح العرب حاكورة ليست لهم أصلاً. وتشدد الطرفان: العرب حول ما نالوا والمساليت حول ما فقدوا. وأصبح للنزاع منذ ذلك الحين طابعاً عرقياً بين العرب والزرقة. وكانت من إسقاطاته المشروعة توجس ساد بأن الحكومة قد وجهت محافظيها إلى طرد الزرقة وإحلال العرب مكانها في ما  عرف بالحزام العربي. والمقصود به احتواء الزرقة وقطع صلتها بشاد وغيرها لأن ولاءهم للبلد مشكوك فيه.  وانتهى مؤتمر صلح لاحق في نوفمبر 1996 إنعقد بعد تفاقم القتال إلى “الإبقاء على الأمارات القائمة دون ربطها بالحواكير”. وهذا طلس سياسي لأن جوهر الحاكورة أمارة. ومع ذلك لم ينصع العرب لذلك لأنهم لم يريدوا التفريط في مكتسبهم بينما انتظم المساليت في “جبهة تحرير دار المساليت”. وفشا منذ ذلك الحين الثأر بحرق القرى.

 

ويعتقد آدم الزين، رحمه الله، بأن قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970 قد ألقى بظل بشع على أزمة دارفور. فقد أصبح بوسع بادية عرب دارفور الشمالية، وعديمي الدار جميعاً، امتلاك أرض لهم بذريعة أن الحكومة قد أصبحت المالك للأرض غير المسجلة مثل الحاكورة والدار.  وقال إن الحكومة طبقت قانون 1970 حيث شاءت وتراخت في تطبيقه حيث شاءت. وقد أدت هذه الانتقائية إلى شرور كثيرة. ومن ذلك تحيز الحكومة لتطبيق القانون في دار المساليت دون غيرها كما رأينا. فقد أذنت لبعض العرب بحقوق في دار المساليت الزرقة بينما حجبت هذه الحقوق حين سكنت الزرقة بدور البقارة العرب. وهذا ما تطرق له مؤتمر الأمن الشامل بمدينة نيالا في عام 1997 ونبه إلى مخاطر إنشاء كيانات إدارية جديدة دون مراعاة النزاع على ملكية الأرض. وكان الأمر ضاغطاً وقتها لأن الإنقاذ أرادت مكافأة القبائل الموالية لها في حرب الجنوب بمنحها نظارة، أو محافظة، في مناطق إدارية وحواكير قبائل أخرى. فهي مثلاً نصّبت أمراء من بين العرب على أهلهم في دار المساليت. وهذا من محظورات عرف الحاكورة. وقالت جريدة الميدان إن  هناك من قال للحكومة أن لا تخرج عن هذا العرف بقرية اسمها عديلة “لأن عديلة بتبقي عَوْجَة”.

هذه خلفية الخبر عن المساليت والعرب التي نتراخى عنها فنجرده من علم الاجتماع الذي يكتنفه. وهو علم الاجتماع الذي لا محيد عنه للإحاطة بواقعة الخبر، وحسن تشخيصها، وطلب حلها. وهو ما قال عنه آدم الزين: “احتواء المسألة بالبحث”. فالذهن الكسول مرتع الشيطان.

من كتاب “الماركسية وصدأ الريف: جنجويد وحاكورة” يصدر قريباً

اترك رد