محجوب شريف: إلهام الكرامة والكبرياء

0
15

 

 

كتب: جمال محمد ابراهيم

 

(1)

لقد تقاعدت من وظيفتي سفيرا في وزارة الخارجية ، قبل نحو عقد من الزمان، ولقد استجبت بعدها بنحو عام، ملبياً مقترحا من أصدقاء عزيزين أن أساعد بما خبرت على أيامي ناطقا بإسم وزارة الخارجية، لأن أعمل مديراً لإعلام مفوضية الاستفتاء. تلك مفوضية نصّت على إنشائها اتفاقيات “نيفاشا” التي وقعتها حكومة السودان مع “الحركة الشعبية لتحرير السودان” غي عام 2005 ، وأنهت قتالا بينهما بلغ أكثر من عشرين عاما.

لم تكن تلك تجربة عملي في إعلام تلك المفوضية ، مفيدة لي في شيء، إذ سرعان ما لمستُ ما لرئيس تلك المفوضية، من حساسية تجاه حكومة “الإنقاذ” وقتذاك(2010). مع أن أكثر المراقبين يعرفون أني سفير مهني ولائي كله للمهنة التي احترفت، وليس لأيّ حزب أو أي عقيدة سياسية. ربما لوجودي كسفيرٍ مهني في وزارة الخارجية، وأنطق بإسمها، خلال سنوات “الانقاذ “، لم يفطن كثيرون أني عملت ناطقاً بإسم الخارجية، خلال الحقبة التي تولى فيها القيادي في “الحركة الشعبية لتحرير السودان” د.لام أكول أجاوين، قيادة تلك الوزارة،

وإن نجاح تجربتي في النطق الرّسمي بإسم وزارة الخارجية، بين عامي 2005 و2006، يعود أكثر الفضل فيه إلى الوزير وقتذاك د.لام أكول .

(2)

ممّن أثارت هواجسهم حول عملي خلال حقبة “الإنقاذ”، كان رئيس مفوضية الاستفتاء تلك، أحدهم..! فبدا ذلك أمراً إستراب حوله الرّجل حول انتماءاتي السياسية . ولعلّهُ كان على قناعة، أنّ كلّ من ظلّ يعمل في مهنته خلال حقبة “الإنقـاذ” الكالحة ، ولم تطاله سيوف الفصل للصالح العام، وتواصل عمله تحت حكم الإسلامويين ، هو “كوز” لا تقل “كوزنته”، عن بقية كيزان” النظام القائم. دارتْ معركة إفتعلها الرّجل معي على صفحات الصحف الورقية والإلكترونية، بعد أن قررتُ الخروج من تلك المفوضية قراراً أحادياً لأن كرامتي أثمن من أن تبيح لي العمل مع رجلٍ، لمستُ منه استخفافاً بقدراتي الدبلوماسية والإعلامية . تلك قصّة ، ما أردت أن أزعج قرائي بها، وأنا في ذاكرتي أشياء حميمية عن علاقتي بشاعر الشعب محجوب الذي رحل في أبريل من عام 2013.

(3)

من بين من اهتموا بمسألة خروجي من مفوضية الاستفتاء، إثر ذلك الخلاف العاصف الذي وقع لي مع رئيسها، رمزان من رموز الوطن، أجلّهما وأقدّرهما كلَّ التقدير، هما: الإمام الرَّاحل الصادق المهدي ، وشاعر الشّعب الرّاحل محجوب شريف، طيب الله ثراهما.

الذي دار بيني والإمام الراحل، وتفهمه لحيثيات خروجي من مفوضية الاستفتاء، ستحين سانحة أخرى لتناوله لاحقاً إن شاء الله. غير أني في هذه السانحة التي وددتُ أن أقتصر كتابتي فيها عن حميمية لقائي مع الرّاحل محجوب شريف، فهي تصادف الذكرى الثامنة لرحيل محجوب .

(4)

قدِمتُ لزيارة شاعر الشّعب في داره بالحارة عشرين مدينة الثورة بأم درمان ، وكعادته يبسط حفاوته وترحيبه الحميم، فلا تحسّ أنّك ضيفٌ عليه، بل أنك تجالس أخاً لك، بينك وبينه شراكة الدَّم والرّوح والرّؤى. بعد أن أكرمتني زوجهُ أميرة بكوب عصير مُخفَّف السُّكّر، فأنا قد نبهتُ أني من أصدقاء “السكري”، جاءتْ تحمل إلى محجوب إفطاره المخصص في الوقت المخصص، وهو ليسَ أكثر من قصعة من زبادي غير مُحلّي. أقسمَ محجوب إن لم أشاركه وجبته الخفيفة تلك، فلن يتناول حتى ملعقة واحدة منه. اقتسمنا قصعة الزبادي معا، وتمنيت دون إفصاح أن لو كنت أملك أن أقاسمه بعض معاناته من علة صدره، رحمه الله.

(5)

تبادلنا حديثا عن الشعر والسياسة، وعبّرت عن إعجابي بممازجة الفصيح والعامّي في نظمه الشعري، وتلك موهبة برع في تراكيبها محجوب وتفرّد فيها بما يعزّز ريادته الفذة في المجال . في السياسة استفسرني محجوب عن حيثيات خروجي من مفوضية الاستفتاء، فقد سمع أطرافاً عن القصّة، ورغب أن يسمع منّي التفاصيل. أفِضّتُ في الحكي عن ذلك الخلاف ، وعن صدمتي في رجل ظللنا نجلّه جميعنا، فهو من الجيل المؤسّس للعمل القانوني في البلاد ، قبل وبعد سنوات الاستقلال. حدثت محجوب عما دار من حديث مع الإمام الراحل والذي طلبني عبر سكرتيره أخي محمد زكي، وبعد خروجي من تلك المفوضية، لأزوره، وليسمع مني حول مشكلة إعلام مفوضية الاستفتاء. أسمعتُ محجوباً تفاصيل خلافي مع ذلك الرّجل وأنصتَ مستعجباً لما حكيت، وقد كانت كلّ التفاصيل حاضرة في الذهن بعد التقائي بالإمام الرّاحل. كان خروجي من تلك المفوضية قد انطوى على ملابسات تعلقت بمساس بكرامتي. ولأن محجوب وبصدره العليل ، يتنفّـس شعراً ، فقد كللت ملامحه سحابة حزن، وقد تأثر بثورتي لكبريائي . رفع بصره إليَّ مُعلقاً :

  • والله يا بـروْف. . إنت طلعـتَ “أوْف”. .

تلك عبارة مقفاة . . وأحسب أنه يلغو بكلام مقفى حتى مع أميرة وبنياتها مي ومريم.

رحم الله محجوب شريف ، لقد كان فقده، فقد طرف من ضمير أمّة. .

(6)

بعد نحو أكثر من عام طلبني صديقي الشاعر والإداريّ المعتق : كامل عبدالماجد لأنضم لفريق إدارة كلية جامعية ، يحتل فيها هوَ منصب وكيل الكلية . ولعمق صداقتي بكامل وأيضا لمعرفتي الوثيقة برئيس ومؤسّس تلك الكلية ، فقد استجبتُ للدعوة وتوليتُ إدارة العلاقات العامة في الكلية .

ذات يوم في أبريل من عام 2013، استأذنت من الوكيل لتلبية دعوة لندوة هامة تعقد بمركز مامون بحيرى، ومثل تلك الأنشطة شبه الأكاديمية، هي مما يساعد الكلية التي أتولى مهام العلاقات العامة فيها ، في تنشيط وتوطيد العلاقات مع المؤسسات الأكاديمية وشبه الجامعية. وفيما شرع المحاضر المرموق صلاح منديل في إلقاء محاضرته، بلغني عبر هاتفي الجوّال من صديقي كامل، نبأ رحيل محجوب ذلك النهار . همستُ لمن هو جوار مقعدي، وقد كان هو الأستاذ محمد ابراهيم ” كبج” القيادي في الحزب الشيوعي، ونقلت إليه النبأ الفاجع ، وأنني سأضطر للخروج من القاعة للحاق بصديقي كامل عبدالماجد في الكلية الجامعية، حتى نسرع معاً إلى مدينة أم درمان، وكلينا في حالة من الحزن والإضطراب.

(7)

لم أتصوّر أن خروجنا معاً، ساعة رحيل شاعر الشعب ، هو ممّا يتم رصده من عيون لم نتبيَّنها – لا أنا ولا صديقي كامل – إلا بعد أن وصل تقريرٌ إلى مكتب وكيل الكلية والذي قام بفتح المظروف بطريقة نلقائية ، ليفاجأ الأستاذ كامل أن محتوى المظروف، تقرير يرصد ساعات الحضور والغياب لكلٍّ من وكيل الكلية ومدير العلاقات العامة فيها ، يطلب فيها رئيس تلك الكلية، من مديرها البروفسور محمد الأمين التوم ، أن يتمّ لفتُ نظر المسئولين الكبيرين في الكلية، لتغيبهما المتكرّر بلا مسوغ . من كان يتصور أن خروجنا لتشييع صديقنا شاعر الشعب ، والمشاركة لبضعة ساعات في العزاء، أن يتسبب في تقريعي أنا وصديقي وكيل الكلية الأستاذ الصديق الشاعر كامل عبدالماجد..؟

لقد رأى رئيس تلك الكلية – وعبر عيونه المبثوثة – أنَّ وكيل الكلية ومدير علاقاتها العامة ، وهو أيضا شاعر وله علاقة حميمة مع الرّاحل شاعر الشعب ، لا يحترمان أوقات العمل المحددة، دخولا إليها وخروجا منها، ممّا استوجب تقريعهما .

(8)

لم يكن رئيس تلك الكلية ، ممّن تنبهوا بما يُمثله شاعر الشعب محجوب شريف، من قيمة وطنية سامية، ولا همّه شيءٌ من أمر علاقتنا الحميمة مع الرّاحل محجوب، فآثر تقريعنا، دون أن ترمش له عين ، دعك من أن يذرف دمعة على محجوب الذي سمّاه الوطن “شاعر الشعب”. .

رحم الله محجوب شريف شاعر الشعب ، فقد تزوَّدنا من حميمية اقترابنا منه، ومن عظيم اعتداده وكبريائه ، ما حدا بنا للخروج في ساعة واحدة من تلك الكلية سالمين ، أنا وصديقي كامل عبدالماجد . أما صديقنا مدير الكلية البروف محمد الأمين التوم ، فلم يبقَ طويلاً ولحق بنا بعد فترة.

حتى في ساعة رحيله يلهمنا شاعر الشعب كيف يكون صون الكبرياء والكرامة والصمود. .

 

اترك رد