البيثيدين..! (حقنة الموت)

0
134

 

تحقيق : أسماء ميكائيل اسطنبول

في إحدى المناسبات الاجتماعية إلتقيت بأحدى الكوادر الطبية كانت تحكي وتصف خبايا ما يحدث داخل بعض المستشفيات ثم بدأت بسرد قصة  زميل لها بحزن وأسى عندما قالت كان شخصاً في منتهى الطيبة والكرم لا يشعرك بإنك أقل منه وظيفياً ودائماً ما يقول : (كل شخص مهم في وظيفته) ويتشارك معنا الطعام على طاولة واحدة، وفي ذلك اليوم المشؤوم تبادلنا  أطراف الحديث والضحكات كالعادة حتى الساعة الواحدة صباحاً وبعدها استماحنا عذراً ليأخذ قسطاً من الراحة فدخل إلى غرفته ولم يخرج بعدها..!

صدمة قوية

وعند الساعة الحادية عشر صباحاً إفتقده زميله وجاء يسأل أين دكتور فلان ؟ فقلنا له مازال نائماً فصاح عليه أكثر من مرة وعندما لم يستجب تحرك نحو الغرفة ولمسه إلا إنه لم يحرك ساكناً.. فهرول نحو زميل آخر مستعيناً به لإيقاظه ولكن هيهات (لقد فارق الحياة )، وكانت المفأجاة  عندما وجدوا بحوزته حقنة الموت.. فكانت الصدمة القوية.

خلع باب الحمام

ثم واصلت حديثها قائلة هذه ليست الحادثة الأولى، هنالك حادثة أخرى ،ثم همست لزميلتها قائلة قصي عليهم وفاة الطبيب “فلان” وبدأت رفيفتها تسرد قصة طبيب آخر قائلة  كنت معه في ذات الوردية كان من المدمنين لحقنة الموت ولكن لم يعلم به أحد إلا بعد وفاته حيث عثر على إثنين من هذه الحقن  ملقية بجواره عندما خلع زملاؤه باب الحمام، فقلت لها ولماذا خلع باب الحمام ؟ ردت قائلة كنا نجلس مجموعة من الأطباء لتناول وجبة الإفطار وفجأة لم يكمل طعامه وقال إنه ذاهب إلى الحمام وسوف يعود فذهب ولم يعد،  وبعد مضي أكثر من ساعة  لم يخرج لإكمال طعامه.. إفتقده زميل آخر وتساءل  أين  دكتور “فلان” ألم يخرج حتى الآن من الحمام؟ الكل نفوا مشاهدته فذهب  مسرعاً نحو باب الحمام ونادى عليه، ولكنه لم يرد حاول فتح الباب.. وجده محكم القفل، طرق الباب لم يفتح نظر من أعلى الباب شاهده ملقياً على الأرض فهرول نحو زملائه وحاولوا فتح الباب بيد إنهم لم يستطيعوا فخلعوا الباب محاولين إنقاذه ولكن هيهات.. وبعدها علمنا بإنه يتعاطى حقنة الموت ولكن زاد الجرعة هذه المرة مما أفقده حياته.

ذكور وإناث

صمتت برهة وواصلت حديثها قائلة هذه الظاهرة لم تختصر على بعض الكوادر الطبية من الذكور  فقط بل هنالك بعض من الطبيبات يستخدمنها، وهذه الظاهرة معروفة بين الكثير من الأطباء ولكن يتسترون على بعضهم البعض، باغتها بسؤال.. ألا يعلم الأطباء بخطورة هذه الحقنة ورغم ذلك يقومون باستخدامها؟  ردت يستخدمونها بجرعات محدودة ولكن الحادثتان كانتا نتيجة لجرعات زائدة ولم تقتصر على حادثة أو إثنتين، ولكن لم يفصح عنها.. وأين الجهات المسؤولة ؟ كل الذي قامت به إنها منعت صرفه عبر الأطباء. ويصرف  بواسطة الممرضات وبعد إجراءات عقيمة، إذاً كيف يحصلون عليها؟  ردت لا علم لي.

ألم ما بعد الجرح

تجولت صحيفة “التيار” في أجزاء من مستشفيات العاصمة المثلثة والتقت بالعديد من الأطباء لمعرفة ماهو البيثيدين الذي يطلق عليه “حقنة الموت” ؟ وفيم يستخدم ومن المسوؤل عنه ؟ وكيف يحصل عليه بعض الأطباء ويستخدمونه  كمخدر؟.

حيث  التقيت بالطبيب خالد أحمد خضر الذي عرف البيثيدين قائلاً هو مسكن للألم يأتي في شكل حقن  وحبوب وأكثر استعماله بالسودان يكون في شكل حقن تستخدم لألم  ما بعد الجرح وفي الغالب للعمليات الكبيرة  وهو مسكن فعال وآمن إذا تم استعماله بالجرعات المناسبة ويمكن أن يحدث تسمماً في الجسم إذا أخذ بجرعات عالية، وهو  من عائلة المواد الإفيونية ومنها المورفين والترامادول وإذا استعمله المريض بشكل متكرر يكون لديه  قابلية عالية للإدمان لذلك لا يصرف للمريض لفترات  طويلة ، وإذا أخذ منه جرعة عالية يمكن أن يصاب بفشل في التنفس وهبوط  في الدورة الدموية ويؤدي إلى وفاة.

كارثة عالمية

وأوضح الطبيب خالد قائلاً غالباً البيثيدين في السودان يوجد في المستشفيات الحكومية ويتم  صرفه بروشتة  مختومة من المدير الطبي ومرفق مع ملف المريض و يتم صرفه بعدما يمر بإجراءات عقيمة مما يساهم في تأخير الزمن الصحيح لجرعة المريض وفي ذات الوقت يكون المريض متألماً وفي انتظارها، وهنالك  بعض المستشفيات لا تلتزم بالإجراءات ويتم صرفه بكل سهولة من غير التأكد إذا كان هذا البيثيدين   لغرض طبي أم لا، سألته هل بالفعل يقوم بعض الأطباء باستخدامه كمخدر ؟ رد ليست لدي معلومة كافية بهذا الخصوص ولكن استخدام المواد الإفيونية عموماً كارثة عالمية  في وسط الأطباء وبقية الناس، ومن المفترض أن  يتم  معالجتها بإجراءات صرف الدواء والتوعية المجتمعية  ومراكز إعادة التأهيل والعلاج من الإدمان.

سر لم يفصح عنه

أما الطبيب “ن . ف”  -رفض ذكر اسمه- عندما سألته من صحة استخدام بعض الأطباء لحقنة البيثيدين كمخد، رد قائلاً من المؤسف جداً يوجد بعض الأطباء يستخدمون هذه الحقنة، ونحن كأطباء فيما بيننا على علم بهم، ولايختصر ذلك على البيثيدين فقط ، البعض منهم  يقوم  بتناول أدوية معينة مخدرة والبعض  توفى، ولكن نعتبر ما حدث لهم سراً لن نفصح عنه (بنغطي لبعضنا البعض) وهو ليس بالشيء الجديد، باغته.. قائلة معذرة هل أنت بتتعاطى؟ رد ضاحكاً ثم قال بصدر رحب  لا والله ثم واصل حديثه الطبيب الذي بتعاطى دائماً يتجنب زملاءه وهم أطباء بعينهم معروفون بالإدمان لهذه الحقنة وتم فصلهم من مستشفيات بعينها وجاءوا إلى مستشفيات أخرى وما زالوا يحتقنوها ولكن باحترافيه عالية، كيف يحصلون على البيثيدين بالرغم من إنه يمر بضوابط عقيمة ؟ قال في الغالب يتم تسريبه من بعض المخدرين وبعض الأطباء لا يحقنون المريض بكل الجرعة، والبعض منهم يبدل عقاراً بعقار آخر وحدثت مشاجرات بين بعض الأطباء المدمنين بسبب هذا البيثيدين، هل كانوا أطباء اختصاصيين ؟ الإدمان لم يحدد اختصاصي أوغيره هنالك بعض الأطباء الصيدلانيين مدمنين !! ومن المسوؤل؟ هذه مهمة  الصيدلي السريري إذ إنه من المفترض أن  يراقب الطبيب من غير أن يشعره وضبط البعض منهم.

الصرعة والشوزوفرينيا

من جانبه ابتدر الطبيب الصيدلي يوسف شكاك، حديثه قائلاً  الإدمان لم يختصر على طبيب أوغيره أوفي السودان فقط  ففي كل دول العالم موجود أما البيثيدين فإنه يستخدم للآلام الحادة وبجرعات ونسبة معينة ويدخل السودان بكميات معينة ويصرف بكمية محدودة  وهنالك الكثير من المشتقات الكيميائية يمكن أن تستخدم للعلاج وبتكرارها  تصبح  مخدراً على سبيل المثال  حبوب الصرعة والشوزفرينينا وأيضاً لا تصرف إلا بإجراءات معينة ولها ضوابط صارمة أكثر من ذي قبل حتى للعاملين داخل الإمدادات الطبية وهي تدخل السودان بكميات محدودة وتذهب إلى المستشفيات أيضاً بكمية محدودة ولا تخرج من الصيدلية إلا بختم من المدير وتذهب لجراحي العمليات.

ضبط طبيب يتعاطى

الطبيب وائل الدوش  إبتدر حديثه قائلاً البيثيدين  من الأدوية المخدرة  ولا يصرف إلا عبر أختام إخصائي التخدير وإخصائي العمليات ولايوجد في الصيدليات الخارجية إلا في الصيدلية الحكومية والخاصة المصدق بها في العمليات الجراحية والمناظير وهو من الأدوية المخدرة ويقود للإدمان إذا استخدمه المريض بطريقة متكررة ويعمل على الشعور بالنشوة والانتعاش، باغته سائلة هل هنالك أطباء يستخدمونه كمخدر؟ قال الإنسان ليس معصوماً من الخطأ بعض الأطباء تعرضوا لمثل هذا وخاصة الأطباء اللصيقين بالعمليات مثل النساء والتوليد والجراجة  يستغلون هذه الفرصة، ومن المفترض أن يكون تحت طاقم من التمريض لملاحظتهم هل أعطوا المريض الجرعة بالروشتة المدون بها النسبة أم سحب منه، لأن بعض الأطباء يتلاعبون في نسبة الجرعة،  وبالفعل حدثت ولكن للأسف ليست لدي إثبات والآن يوجد بعض الأطباء (الصغار) بتعاطون وعندما كنت في إحدى المستشفيات ضبطت إدارة المستشفى طبيباً يتعاطى بيثيدين بعد أن كثرت الشكاوى من الممرضات و أنا كنت شاكاً فيه لأن لديه  سوابق في إثنين من المستشفيات، وللأسف الشديد هو خريج من كلية معروفة ودرس بمبلغ وقدره وبعدها  إدارة المستشفى حققت معه، وغالباً الشخص الذي يتعاطى يكون لديه جانب خفي  قد تكون مشكلة اجتماعية أو عاطفية أو من باب التجربة باعتباره طبيباً، وخاصة غير اختصاصيين يستغلون المستشفيات التي لا توجد فيها رقابة وخاصة المستشفيات الحكومية الطرفية كيف تتم الرقابة؟ تبدأ من صرف الدواء  في العمليات والعناية لذلك لا بد من مراقب صيدلي سريري أو أمني يكون من ضمن الطاقم وغيرمعروف، كم جرام يؤخذ البيثيدين ؟ على حسب درجة الألم  ووزن المريض هنالك 25 مل 50 و200 وهكذا.

ظاهر متنامية

وأوضح الطبيب الجراح فواز الجيلي قائلاً عقار البيثيدين واحد من الأدوية المستعملة بصورة متكررة كمسكن للألم فى المستشفيات وخصوصاً بعد العمليات والحالات الحرجة في قسم العناية المكثفة ولكن يتم التعامل معه وصرفه بطريقة خاصة في المستشفيات  لاعتباره واحداً من الأدوية المخدرة المعرضة للإدمان من قبل الشخص المستخدم إذا تم بصورة غيرصحيحة و في حالة الإفراط، وأصبح ظاهرة متنامية  في الظهور في الفترة الأخيرة خصوصاً بين أفراد المجتمع الطبي بالمستشفيات مع ملاحظة الآثار السالبة الناتجة عن ذلك وأحياناً حدوث الوفاة.

الحد من الآثار

وواصل الجراح فواز قائلاً ومن أجل الحد من هذه الآثار السالبة يجب أن تقوم إدارة المستشفيات بوضع ضوابط للصرف بعد اتباع خطوات محددة تبدأ بكتابة اسم العقار والجرعة المطلوبة مع كتابة اسم الطبيب ومعه إثبات هوية المهنة ليتم إبراز الملف المعني بالوصفة الطبية المحددة ويذهب الصيدلي  المسؤول مع الطبيب المعني لحضور لحظة إعطاء الجرعة للمريض و يتم الاحتفاظ بالعبوة الفارغة بعد سحب العقار من أجل مراجعة الصيدلي مع الإدارة المسؤولة لاحقاً، ثم قال جميع حالات التعاطي غير الصحيح تكون نتيجة لتهاون أحد الأفراد المذكورين وبالأخص الصيدلي في المتابعة والتأكد من صحة إعطاء العقار بالجرعة  المحددة للمريض المعني.

الورديات الليلية

واسترسل في قوله يحدث سوء الاستعمال والإدمان على عقار البيثيدين عادة من قبل بعض الأطباء الأكثر تواجداً في المستشفيات وفي أغلب الأحيان خلال وردية الليل حيث الجميع منهك ومرهق وغير مركز بحيث يستغل الشخص المدمن ذلك ويبدأ في كتابة وصفة طبية بهذا العقار لمريض غير ذي حاجة له ويذهب لصرفها ثم يستبدل العقار بمحلول الملح الطبي الذي يشبة العقار دون أن يلاحظ أحد ذلك

العناية المكثفة

وقال الأخطر أن يكون المدمن على العقار شخص لديه السلطة وإمكانية  الوصول للعقار بكل سهولة (اخصائي العناية المكثفة ) لكثرة احتكاكه وتعامله بهذا  العقار في القسم وسهولة تسريب الجرعات  دون المحاسبة أو الملاحظة من أحد وذلك بحجة منصبه وإنه ليس موضوع شك لكثير من أفراد الطاقم الطبي، تم اكتشاف مثل هذه الحالات وسط  البعض من الإختصاصيين و فقدوا منصبهم وتم سحب رخصهم   من مزاولة  المهنة ولكن نحن نعلم جميعاً أن حالات  الإدمان  ليس من السهل  التعامل معها وتحتاج لاهتمام وتعامل خاص مع وجود دعم وعلاج نفسي حفاظاً على  الخصوصية نظراً لحساسية الموضوع  للبعض والشعور بالوصمة الاجتماعية مما يسبب حرجاً ويعقد من العلاج.

بداياتهم بتجربة

في غضون ذلك أوضحت عزة بسطاوي طبيبة علم النفس، قائلة   معظم المدمنين تكون بداياتهم “بتجربة” وفي الغالب منذ فترت المراهقة مثل تجربة “السجائر والصعوط” وتكون نتيجة لمشاكل اجتماعية أو عاطفية أو نتيجة لصدمة ما أو نتيجة لضغوطات داخل الأسرة و الإدمان يغيِّب الشخص تماماً بمعنى لايجعل الشخص يفكر في المشكلة في لحظتها ولكن بعدها تنعكس سلبياً، والأطباء الذين يتعاطون المخدر يستخدمونه من أجل إعطائهم القوة والمقدرة على مواصلة العمل في لحظتها (خاصة البعض من أطباء السهرة) خوفاً من الوقوع فى الخطأ ولكن يحدث العكس فهنالك بعض الأطباء المدمنين إرادتهم قوية يتوقفون من الإدمان والبعض يفضل الاستمرار خوفاً من الوصمة الاجتماعية إذا علم بحقيقته لذلك يفضل الاستمرار وممارسته في الخفاء فيصبح سلوكاً وعادة يصعب التخلص منها.

 

اترك رد