مع ذالك//عبد الله علي إبراهيم”اتفاق البرهان والحلو: الهوس العلماني”

0
59

 

 

 

 

يقال البابا الصلح ندمان. وأحب، حيال اتفاق البرهان والحلو حديث التوقيع ، أن أندم لو لابد. فالاتفاق والظاظا له بالترحاب به، أو التنفير منه، عنوان على قلة عقلنا السياسي في مواجهة جدل السياسة والدين مالي الدنيا وشاغل الناس. فإذا كنا قد اعتدنا على هوس اليمين الديني عن هذا الجدل فبدا لي إننا نخوض على أيامنا هذه في هوس اليسار العلماني.

أريد في البداية أن أخرج من صدري زفرة حرى في قول الطيب مصطفى. فأكثر ما استثار الناس أن من وقع مع الحلو هذه المرة هو الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة لهذه الدروة. ويخضع الفريق منذ تولي مسؤوليته هذه لعملية تريد تصنيعه ك”الرئيس القائد أو رئيس الجمهورية” على شاكلة نميري أو البشير. فلم نخرج بعد من عادة أن يكون فينا ولي مطلق.  فأكثرنا رمى بتوزيع الاختصاصات الدستورية في الفترة الانتقالية عرض الحائط ليخلص لهم منه رئيس “صاقعة نجم” أو “أب عاج” ينتظره حسم كل مسألة كبرت أو صغرت بالضربة القاضية.

 

وكنت أربأ بالحركة الشعبية أن تمتثل لهذا العقل الرئاسي. وهذا أقل ما يتوقعه المرء من حركة تريد كسر صورة المركز. وليس ما يسوء المركز مثل مؤسسة الرئاسة الدكتاتورية. فيكفي أن بوسع مثل نميري أن يعقد اتفاقية أديس أبابا في ١٩٧٢ و”ياخد خيرها” ثم يطيح بها في توقيته الخاص. وقس على ذلك تخريب البشير لاتفاق عقار-نافع بليل. وكنت أرغب من الحركة بشكل خاص أن تقبل على السلم، متى أقبلت، في زفة المدنيين. وهذا ما منتنا به. فلم يكف ضابطا علاقاتها العامة، ود يوسف ومحمد جلال، من تقريع المدنيين لتفريطهم في واجبهم الدستوري لإدارة عملية السلام بتركها للعسكريين وللفريق حميدتي بالذات (مع اللعنات المناسبة). ومع ذلك لم تتأخر الحركة من التوقيع مع شيخ العسكريين في أول فرصة سنحت. لقد ناشدتها من هذا الباب أن تحسن إلى الثورة بما لها من ثقل سياسي وتفاوضي بالحلف مع المدنيين وهم من تبقى من ومض الثورة الذابل. وكان في ذمتها عهد كاودا لمن صلى فيها مأذوناً لا بالطلعات الحارقة من فوق سمائها. واستبشر الناس. وشكوت لها منها فهي تعتزل الثورة بل وتركلها وهي طريحة على الأرض كما في العبارة الإنجليزية.

وليس هذا مستغرباً من حركات الكفاح المسلح. فقلبها أي مواثيقها (جوبا، باريس، أسمرا. كوكا دام، أمبو إلخ) مع المدنيين وسيفها مع العسكريين (جوزيف لاقو ١٩٧٢، قرنق ٢٠٠٥، أبوجا، الدوحة الأولى والثانية، جوبا ٢٠٢٠). فهي على عقيدة أن الميثاق مع العسكري هو الميثاق وما عداه إزجاء فراغ.

وجئت هنا إلى الهوس العلماني. فأحصيت كلمات نص اتفاق المباديء فوجدتها نحو ٥٥٠ خصصت منها ١٥٢ كلمة لعلاقة الدين والدولة بصورة أو أخرى، أو نحو ٣٠ في المائة. وهذا إسراف بخاصة لو لم يأتِ المزيد من تلك الكلمات بغير اللف والدوران حول المسألة. فدارت فقرات الاتفاق حول المواطنة، والتعدد ومنع التمييز، ولا فرض دين. وفصل الدين عن الدولة بعد تأكيد احترام الأديان قاطبة في ديباجة الاتفاق. again and again and again . وبدا لي أن العقل الذي وراء النص مهجس بالدين حتى لا يكاد يعرف نقطة خاتمة للتشبع من فصله عن الدولة. وكان بالوسع ضغط نص العلاقة بين الدين والدولة إلى ٣٠ كلمة مفيدة ومباشرة لولا “شفقة” العقل الذي أملى الاتفاق ألا يكون قد فرَّط في العلمانية من شيء.

أنا علماني. ولا أريد لإسلامي أن يكون “فزاعة” تروعني فأتبرأ منه إلى حد الهوس. وعلمانيتي علمانية الشفقة على الدين من الدولة بعد تجربة الإنقاذ فينا التي محَّنت الدين محنة. فقلت لها في عمود قديم إنك تتهمين أمثالي بالدعوة لفصل الدين عن الدولة بينما أنت التي أقمت بينهما سداً. وأضفت قائلاً إنه والله ثم والله والله لولا تمسك الناس بدينهم في رمضاء نظامك لجنُّوا وفلَّعوا بالحجار. وشهد الله رعوا الرحم والجار والأهل. وعالجوهم. وعلموهم. وأناروا القرى. وأثثوا المستشفيات. فلو رمت الإنقاذ بالإسلام إلى قارعة السياسة كما رأيناها فالناس المسلمون حفاظ عليه. وفي الحقيقة ما الذي عندهم غيره ديناً وثقافة.

 

اترك رد