الحلقة (11) البروفيسور جعفر ميرغني في أضواء على الحضارة السودانية بحديقة “التيار”

0
41

 

المؤسسات التعليمية أصبحت أكثر عنفاً وأقل أماناً والموت أصبح يتم داخلها

السودان كان أكثر بلد يعطى إبن السبيل حقه

لابد من وجود الشرطة ولكن تحقيق الأمان يكون بتهذيب النفوس

لوذكرنا هذا(….) قد نبكي مراراً

رأس المال فكرة  وليس مالاً

قال ، مدير معهد حضارة السودان وعضو المجمع الثقافي العربي والمحاضر بجامعة الخرطوم، العالم المعروف البروفيسور جعفر ميرغني ، في الحلقة الحالية بحديقة التيار ،إن التعليم لايحتاج لدعم مادي بقدر حاجته لفكرة مشروع ناجح ، وأضاف أن المميزات التي تمتاز بها المدارس أو الخلاوى كما تسمى قديماً كانت كثيرة جداً، وركز على رسالة التعليم التي تكمن في تطوير الإنسان الحليم وتساعده على مواجهة الحياة  وتناول جعفر، الحياة التي كان يعيشها الشيوخ ومكانتهم وسط المجتمع.

تغطية : رشا حسن

التعليم ومميزاته

نواصل في حديثنا عن أضواء على الحضارة السودانية في حديثنا في الحلقات السابقة عن محور التعليم والتربية وبدأنا نتحدث عن العهود الحضارية إبتداءً ولكن حين دخلنا في محور التعليم والتربية قلنا إننا سنربط الموروث القديم في السودان في مجال التعليم مع الحاضر ونبهنا إلى أن التجربة التعليمية في السودان قديمة قدم الدنيا ، وكثير من التقاليد والأسس التي كان يسير عليها التعليم هي التي شكلت موقف السودان من قضية التعليم عموماً وذكرنا بعض المبادئ المهمة جداً في هذا الموضع وعلى رأسها أن هؤلاء المعلمين القدامى الذين بنوا هذه التجربة كانوا يدعون إلى تعليم الجميع بغض النظر عن فوارق السن أو النوع أو الجنس أو غيره ، “وعلم بما ملكت يداك عقائد وفقه وكذا الطريقة لا تذر بنات وأبناء شباباً وعجائز ” بمعنى إن في الدنيا كلها لا توجد دعوة كهذه قارنا نحن بأوربا وغيرها وقلنا إن في بعض البلاد التعليم كان محصوراً على أبناء النبلاء والأمراء وفي بعض البلاد كان محصوراً على الرجال فقط وليس للنساء فيه نصيب، أما في السودان كان التوجيه بإن كل إنسان يجب أن يتعلم والقاعدة الثابتة أن التعليم مجان يعني الطالب لا يدفع لتعليمه ومسكنه وكسوته وطعامه، المدرسة تتكفل بكل شيء في السودان القديم ولا زالت بعض المدارس في الأقاليم النائية مستمرة على هذا العرف التقليدي القديم، ماتزال الطريقة موجودة إلى الآن في أطراف شرق السودان و دارفور  وفي بعض النواحي يوجد التعليم الذي يستوعب الطلاب مجاناً حتى في ضواحي الخرطوم هنا لا تتلقى أجراً أو ميزانية من الدولة لذلك قلنا إن من أميز الأشياء التي يجب أن ندرسها جيداً  هي السياسات الاقتصادية للتعليم في السودان القديم ، أولاً قلنا أن ميزانية التعليم لا علاقة لها بميزانية الدولة وقلت في الحلقات السابقة أن اقتصاديات البلد تقف على ثلاثة أعمدة تعمل على إنعاش اقتصاديات البلاد وأول مايتبادر في الذهن هي مؤسسة السلطة والدولة وهي مؤثرة جداً في أن ينمو الاقتصاد أو يتراجع لكن ليست وحدها ، المؤسسة الثانية هي مانسميها الآن بالتجارة والأعمال وغيرها وكانت مستقلة بأسواقها وأموالها ومازالت مستقلة إلى الآن ، وآخر حديثي في الحلقة السابقة ذكرت إن البلاد اليوم لاتعتمد على الاقتصاد الرسمي فهي معتمدة اعتماداً كلياً على الاقتصاد الشعبي فمؤسسة رجال الأعمال والنشاط الاقتصادي والتجاري هي الزعامة الثانية من زعامات الاقتصاد الكلي للبلاد  والزعامة الثالثة تتمثل في المؤسسة التربوية التعليمية فاقتصادياتها لم تكن من أجل تغطية حاجة المدرسة داخل جدرانها بل كانت قائدة التنمية في البلاد عند رجال التربية والتعليم ، إبتداء بإن كل مؤسسة علمية مستقلة في منطقتها بمعنى أن البلدة التي تنشأ فيها المؤسسة هي وطن المؤسسة ويسكن حولها الناس وتنشأ حولها الأسواق هذه مهمة جداً وهي مسؤولة ليس عن طلابها فحسب بل مسؤولة عن المجتمع ككل إذا كانت هناك مؤسسة تعليمية كبيرة في مكان السلطان لاتتدخل فيها كل المشاكل بل تحلها المؤسسة التعليمية التربوية وهذه هي التي كانت وراء أنشاء مئات البلدات من مدن وقرى كثيرة في السودان إلى اليوم لأنها كانت تسير بمتوالية هندسية.

الكرم والتعليم

يعني إذا أنت فتحت مدرسة وتخرج عشر طلاب وأكملوا المستوى العالي هؤلاء الخريجين لا يعودون إلى بلادهم ألا ليحتفل بتخرجهم ولكن سلفاً تكون المؤسسة قد حددت لكل واحد منهم منطقة ليبتدئ فيها مدرسة جديدة وتسير على أمرين أولاً وجود الماء وثانياً أن تكون المنطقة قابلة للنمو وتحفر البئر بالنفير ويجتمع كل الدارسين من المؤسسات التعليمية الأخرى ويحفرون البئر وتبتدئ عملية التعليم وتنشأ بلدة، مئات البلدان في السودان إلى اليوم نشأت على هذه الكيفية وهي تعتبر إضافة حقيقية للدخل القومي وهي مسؤولة كذلك من المساكين والفقراء والمسافرين ، والسودان لم يعرف نظام الفندقة بأن المسافر ينزل في فندق، ومن أثر تربية هذه المدارس للشعب إن أية قرية صغيرة أو كبيرة في وجهها خلوة كما يسمونها كمنزل للضيوف وأية قرية بها مبنى جاهز لإبن السبيل وأكثر بلد كان يعطي إبن السبيل حقه هو السودان وإكرام الضيف أصبح عادات الآن وهي في الأصل كانت تعاليم بأن المسافر يأوي إلى هذا النزول ، وأهم شيء هو تحقيق الأمان في المنطقة وليس عن طريق الشرطة والجيش وغيره بقدر مايكون عن طريق تقويم الخلق وذكرنا في الحلقات السابقة أن المسافر من بلدة لآخرى إذا معه شيخ من شيوخ التعليم أو طالب فهو في مأمن لأن كل البلاد تحترم التعليم ، وصحيح لابد من وجود شرطة ولكن تحقيق الأمان يكون بتهذيب النفوس ولو ذكرنا هذا الموضوع قد نبكي مراراً من تجربتنا الحاضرة بإن أكثر البقاع عنفاً وقلة أمان أصبحت هي المؤسسات التعليمية لأن التعليم أصبح لايقدم الخلق وتقويم الإنسان وتهذيب الإنسان والموت الأحمر أصبح داخل المؤسسات التعليمية وهذا أكبر فشل لرسالة التعليم لأنه من المفترض أن يخرِّج التعليم الإنسان المتحضر والمسالم واليوم نحن لانسير على نهج مؤسستنا التعليمية القديمة لأننا لم نسمع بمثل هذا العنف قديماً إطلاقاً والمؤسسة التعليمية رسالتها تقويم الخلق وتخريج الإنسان الكامل هذا ما ينبغي أن نتأكد من وجوده في المناهج والدليل بالعمل، إذا المؤسسات لا تخرج إلا إنساناً جاهلاً، وفي اللغة العربية كلمة جهل ليس بأنك لا تعرف العلم بل الجهل هو التصرف بطيش والحلم خلاف الجهل وهو العقل ،وهل التعليم يخرِّج ذوي الحلم أم يخرج الجهلاء، يجهل كل واحد الآخر وعلى رأس رسالة التعليم هو تطوير الإنسان الحليم ثم صحة البدن.

حياة الشيوخ

قال أحد علماء التاريخ إن الشيوخ في السودان  كانوا يغتسلون في اليوم أربع مرات (2) صباحاً و(2) مساءً ويزيلون كل الشعر من أجسادهم ويلبسون الملابس الخفيفة ولو لاحظتم في الصور القديمة دائماً يلبسون مايستر العورة لأن الطقس حار وبه غبار و هذه الأقمشة تمسك الأوساخ والحشرات الضارة والحاجة الثانية حتى لا تغير عرق الإنسان هذا الحديث في القرن الخامس قبل الميلاد قال بإن هناك أشياء لا يأكلونها على رأسها لحم الخنزير والأسماك واللوبة، والسودانيون حتى الآن يسمونها “لوب عفن ” لأنها تتسبب في عمل غازات وبلاوي وكانوا يحافظون على الصحة العامة ومن الأشياء التي خلفها التعليم هي النظافة والطيب وكان آنذاك يوجد تطوع في صناعة الطيب وأقدم أحواض الحمام المعروفة الآن تجدها في البجراوية ونعلم الآن أن المرأة السودانية تركز على الطيب الزيتي الهندي ومتى بدأت هذه الأشياء في السودان الله العليم، لأني شاهدت في المصورات غرفة يستخرجون منها قدح الدلكة وحفرة الدخان فإذاً التعليم كانت هذه رسالته الصحية معالجة الأمراض ثم على رأس رسالة التعليم الخلق العظيم وصحة البدن بعدهم المعارف لابد للناس أن تعرف وهذه الأشياء الثلاثة هي لب التعليم، إذا فشل التعليم في تخريج الإنسان قويم الخلق فهو فشل في التعليم، نحن ذكرنا أن التعليم مستقل باقتصادياته وفي الحقيقة على رأس المعارف التي تجعلك تواجه الحياة ، لذلك ليس محل جدل أن المؤسسة التعليمية تعتمد كلياً على اقتصادياتها ، لايمكن أن أخرِّج ناحجين وأنا فاشل في تدبير نفسي إذا كانت المؤسسة فاشلة في تدبير أعمالها كيف تقدر أن تخرِّج أناساً ناجحين ،رأس المال في تدبير الاقتصاد هو الفكر والرؤية فالرؤية هي التي تمكن الإنسان من التعليم منها فالتعليم أساساً يجعل الإنسان ذاعقل ناقد بصير والأمثال كثيرة في الحلقات السابقة ذكرت لكم أن أعطِ مال قيصر لقيصر وأعطِ مال الله لله هذه أمثال ضربت ولم تضرب من فراغ.

مشروع ناجح

معظم المدارس في الأرياف ليست مسورة وإذا أراد مدير المدرسة أن يسورها لابد من أن يبحث عن تكلفة للسور وفي هذا الزمن التي تعتمد المدارس على ميزانية الحكومة في هذا الزمن من المضحك أن يكتب لوزارة التربية والتعليم يطلب منها دعماً مادياً لبناء السور لأن في بعض المدن يوجد طلاب ليس لديهم كراسي، ولكن هذا الناظر سوَّر وزرع وربح ولم يخسر جنيهاً لأنه اعتمد على مال الله كيف! بعد الدروس يفتح الماسورة ويقول للخفير أتركها مفتوحة طول الليل وأصبحت الأرض كلها طيناً. صباح اليوم التاني خاطب الطلاب في الطابور الصباحي وقال لهم” شايفين الطين” لديكم (5) دقائق قبل الدرس كل واحد يأخذ من هذا الطين يعمل (5) طوبات فقط ويضعها للشمس ويستجيب الطلاب وبكل سهولة ومرح يذهبوا على الطين وبعد (5) دقائق كل واحد عمل ما طلب منه ، وطلب منهم الناظر الوقوف وكان عددهم (400) طالب وأصبح أمامه (200) طوبة في (5) دقائق مجاناً ، لكنه يريد أن يعلم الطلاب وفرض على كل طالب أن يعمل (5) طوبات يومياً لمدة (15) يوماً وكل طالب يأخذ علبة ويضع عليها تربة ويختار الشجرة التي يريد غرسها ويضعها تحت الماء في المنزل إلى أن اكتمل طوب السور فطلب منهم بأن يأتي كل واحد منهم بطورية كل يوم يحفر شبراً للسور إلى أن وصل (50) سنتاً، النتيجة اكتمل السور وكانت هناك شجيرات وتم زرعها ونمت، هذا نموذج بإن رأس المال فكرة ولكن العائد ضخم جداً وغير العائد المادي الطلاب تعلموا شيئاً من المدارس التي تعلم الطلاب الحيل لمواجهة الحياة و لديها أكثر من باب وذكرت في حديثى أن الكلمة التي لا استخدمها أبداً هي “عطالة” وأي شخص لا يملك عمل أسميه فائض عمالة و عمالة جاهزة تحتاج لمن يستفيد منها .

فائض عمالة

وتحدثت كثير جداً من سنين عن العطالة من نهاية الثمنينات والناس يتحدثون لأنهم يستخدمون كلمة عطالة والأعداد بالآلاف وحولهم المشاكل “طيب نعمل لكل واحد شنو” من هنا بدأ الفشل أول ما بدأت بكل واحد فإنك بدأت بالفشل أذكر أن وزير مالية سابق قال لي صدقت (450) مليون لبعض العطالة ولا أعلم ماذا عملوا، لأنها دفعت لأشخاص ليس لديهم فكرة لكن لا أذكر كلمة عطالة وأذكر كل واحد بسبب عطالته أقول فائض عمالة لدي (16) ألف يبحثون عن عمل ، أنا لا أنظر لحل مشكلة كل واحد على حدا أنا سأنظر إلى كيفية الاستفادة من القوة العاملة في عمل مشروع متكامل في جوانب مختلفة ، لابد من أن تختار مشروعك بالأول هناك دراسات يفترض أن تتم مبدانياً مثلاً الاستثمار نحن نبحث عنه ونقول لابد أن يأتوا إلينا ، قبل أن تنادي المستثمر لابد من أن تعرف ثمرة أرضك وتعرف مشروعاً مثل مشروع الجزيرة كيف بدأ.

 

اترك رد