فشل الديمقراطيات في السودان.. النخب والعسكر في دائرة الإتهام

0
39

 

الحاج وراق: يجب أن تكون حجج تشوهات الديمقراطية مدخلاً للإصلاح وليس مدخلاً لتبرير النظم العسكرية

شمس الدين ضو البيت: أربعة أسباب وراء فشل الديمقراطية بالسودان، والوثيقة الدستورية أعطت العسكر سلطة كبيرة

د. عمر القراي: معظم المثقفين السودانيين خائفون على ذهاب المكاسب لذلك لم يتبنوا التوعية

رشا عوض: مشكلة الديمقراطية في السودان أنها كائن مغترب عن الوعي الفكري والسياسي

 

عزا خبراء ومحللون، فشل الديمقراطيات السابقة في السودان لمشكلات عسكرية وحزبية، بجانب الحرب الأهلية والمشكلة الفكرية السلفية، بجانب انعدام التوازن في الساحة السياسية السودانية.

الخرطوم: علاء الدين موسى

من أفشل الديمقراطية في السودان؟ سؤال واتهام ظل يلاحق النخب السياسية والعسكر طوال السنوات الماضية، بعد أن فشلت في إرساء حكم ديمقراطي مستقر يُمهد لتبادل السلطة المدنية بشكل سلمي.

والتقط مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية قفاز المبادرة للإجابة على السؤال وتشخيص الأسباب وتشريح القضية من خلال ندوة «لماذا فشلت الديمقراطيات السابقة في السودان؟» التي أقيمت بمقر المركز مساء الثلاثاء الماضي والتي  رصدتها  (التغيير بمشاركة خبراء ومختصين وإعلاميين وناشطين ومهتمين.

غياب التوازن

وأقر الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الحاج وراق، بوجود مشكلة قيادة في الفترة الانتقالية.

وأشار إلى أن الفترة الانتقالية تُحدد النظام الديمقراطي المستدام، وقال إن التجارب الديمقراطية أجهضت بسبب عدم التوازن.

وأكد وراق أن السودانيين ظلوا في نضال مستمر من أجل الحريات الأساسية، وأنهم ظلوا يبحثون عن نظام ديمقراطي مستدام وقدموا تضحيات هائلة للظفر بنظام ديمقراطي مستدام.

وأضاف: «النظام الديمقراطي هو الحل لمشاكل السودان».

وأقر بوجود تشوهات كبيرة في النظم  السياسية، إلا هذه التشوهات يجب ألّا تكون لتبرير النظم العسكرية.وتابع: «النظام العسكري مستند على القهر لذلك هو أسوأ من الطائفية».

ونادى بضرورة أن تكون حجج تشوهات الديمقراطية مدخلاً للإصلاح، وليس مدخلاً لتبرير النظم العسكرية.

وقال وراق: «لابد أن نفرق بين التشوهات التي صاحبت الديمقراطية وليس التبرير للنظم العسكرية، النظم العسكرية في السودان وصلت الحد والسودان كله وصل الحد».

تغول العسكر

وطالب وراق بالتمسك بالفترة الإنتقالية، وقال: «إذا انهارت الفترة الإنتقالية لن يكون موجوداً السودان الذي نعرفه الآن بوحدته وأراضيه سيغرق في فوضى وتنهار السلطة إلى عقود قادمة، وهذه اللحظة مفصلية».

وأكد  فشل تحالف الحرية والتغيير في تقديم قيادة حقيقية لتحول الديمقراطي.

وقال: «كانت هنالك محاولة للم الشمل، عبر تكوين  مجلس شركاء الحكم ليقود البلاد سياسياً، لكنه بدلاً من القيادة تغول المكون العسكري على المدني، ويعمل تدريجياً على سحب جميع سلطات الحكم».

وأوضح أن آخر اجتماع لمجلس شركاء الحكم ناقش مشكلة الكهرباء وهي قضية تنفيذية فنية لا يمكن مناقشتها في مجلس الشركاء.

وحول قيام الانتخابات، قال إن نظام الحكم الحديث يأتي بالنظم التقليدية، وأن الانتخابات الديمقراطية تعطي وزناً ضئيلاً للقوى الحديثة ووزناً كبيراً للتقليدية، لذلك لابد من حدوث توازن بين القوى التقليدية والحديثة.

وأشار إلى أن كل تجارب النظم السابقة تقيم انتخابات على مستوى البلد ولا يوجد حكم  محلي ولا توجد لا مركزية حقيقية، والوالي يعين من المركز.

الحكم المحلي بالبدء في ترسيخ الديمقراطية من الآن.

وأكد وراق ضعف قوى الحرية والتغيير خصوصاً في الريف، لعدم استيعابها القوى التقليدية التي عملت على تهديدها، وطالب بضرورة استيعاب القوى التقليدية للعبور بالمرحلة الإنتقالية.

وقال: «نواجه في الانتقال أسوأ بما يقاس بفترة عبود والنميري».وأضاف: «نحن  الآن  في محنة وورطة».

وتابع: «إذا كانت هنالك نقطة إيجابية إمكانية السلام والديمقراطية أن يترافقوا لحل المشكلة».

التدخل الخارجي

وعزا وراق تعثر الديمقراطية في السودان للتدخل الخارجي، وقال إن دول الجوار تدخلت في الشأن السوداني منذ نظام عبود وحتى نميري، وأن المحور السعودي الإماراتي المصري داعم للنظام العسكري غير الآيديولوجي.

وذكر أن المحور القطري التركي والإيراني يرغب في عودة الإخوان المسلمين، واعتبر أن هذا التجاذب يمكن أن يحرق البلد.ونادى بضرورة أن يتقبل السودانيون بعضهم البعض وألّا يتقاتلوا من أجل محور من المحاور.وقال إنه لابد من تحييد التدخلات الخارجية «حرية سلام وعدالة وسيادة»، ولابد من تحييد التدخلات الخارجية السلبية، وأوضح أن الغرب مع التحول الديمقراطي.

وأشار إلى أن القوى الإقليمية تريد تخريب التحول الديمقراطي في السودان، وقال إن النظام الوحيد الذي يريد أن يصدر هو نظام الإخوان المسلمين، ومن مصلحتهم استقرار النظام الديمقراطي.

عقلية مفتوحة

وأوصى وراق بأن نجاح الفترة الإنتقالية وتحقيق ديمقراطية مستدامة يتطلب عقلية مفتوحة، وقال إن عدم تقبل الآخر يؤدى إلى انزلاق البلاد.

وحذر من أن التوحش الزائد يمكن أن يؤدي إلى حرب، ووصف تشبث الوزراء بالمناصب وعدم إفساح المجال للكفاءات فيه استسهال وطمع وعدم رغبة في إعطاء براح لبعضنا البعض.

وقال: «المشكلة الموضوع يقع في رأسنا وبقى عليهم حال غنم الفراشة تدخل رأسها في جوال العيش ولا تخاف العواقب».

ودعا وراق لقيام مجلس تشريعي يشبه السودانيين ويعبر عن القوى الاجتماعية الحقيقة.

واقترح وراق لقيام المجلس التشريعي استقطاع خمسة مقاعد من الأحزاب، ليكون هنالك مقعد لأستاذ جامعي غير حزبي وامرأة في منظمة نسوية غير حزبية وقيادة أهلية ورجل أعمال غير حزبي وعامل أو مزارع غير حزبي واشترط كوتة أوسع لتوزيع قاعدة الانتقال.

«4» مشاكل

من جانبه، حدّد القيادي بالاتئلاف الحاكم شمس الدين ضو البيت، أسباب فشل الديمقراطية في السودان في أربع مشاكل هي: المشكلة الحزبية، العسكرية، الحرب الأهلية، المشكلة الفكرية السلفية.وقال إن  المشكلة الحزبية، تلجأ للجماهير الجاهزة، ولا تريد العمل على استقطاب الجماهير، وهذه  واحد من أمراض الحركة السياسية السودانية.

وأضاف: «الأحزاب الجماهيرية والديمقراطية كانت ضعيفة جداً سواء تقليدية أو حديثة».

وتابع: «قالب الإخوان المسلمين لم يكن يتأقلم مع السودان ولم يكن له بعد ديمقراطي».

وأشار ضو البيت إلى أن المشكلة العسكرية ليست جديدة وموجودة على مستوى التاريخ بوجود تيار المدرسة الحربية وتيار مدرسة غردون.وأوضح أن ثورة ديسمبر أبرز تجليات كلية غردون، وحدث جدل حول تأسيس المدرستين.

وأكد أن الوثيقة الدستورية أعطت العسكر سلطة كبيرة، ولابد من تواصل مع المؤسسة العسكرية لإيجاد حل لمشكلة الانتقال للخروج بالبلاد إلى بر الأمان.

وحمّل ضو البيت الحرب الأهلية مسؤولية ضعف الديمقراطية، وقال إن الحرب الأهلية هي السبب المباشر في فشل الديمقراطية بالسودان.

وأضاف: «العسكر استغل الوضع الأمني غير المستقر لإجهاض الديمقراطية».

واتهم القيادي بالاتئلاف الحاكم، نظام الإنقاذ بقطع الطريق أمام اتفاقية الميرغني- قرنق التي أقرت عقد المؤتمر الدستوري وانقضت على الحكم.

ووصف التغيير الآن بالفرصة الجيدة  للوصول إلى سلام شامل.وأوضح أن الفكر السلفي فكر غير ديمقراطي ولن يصلح لنظام الحكم.

وقال إن مفهوم الحاكمية الذي جاء مع الحكم التركي المصري في العام 1921م يفرض على المجتمع تطبيق الشريعة الإسلامية حتى لو اقتضت الضرورة فرضه بالقوة.

روشتة للحل

وقدم ضو البيت روشتة لحل مشكلة الحكم في السودان، وقال إن الحل يكمن في تنظيم القوى الاجتماعية الجديدة.

وأضاف: «على القوى الجديدة أن تنظم نفسها لاحتلال كامل للفضاء السوداني».

وأشار إلى أن القوى التقليدية لن تستطيع ملء العقد الإجتماعي الجديد لأنها تفتقر لهذا، وتابع بأن القوى الجديدة هم الذين يحملون جينات التغيير والعقد الإجتماعي الجديد يخرج البلد من الحرب والتخلف إلى الأمام.

وقال إن مشكلة الأحزاب مربوطة بالإصلاح الحزبي. وأضاف بأنه بعد ثورة ديسمبر جهد الإصلاح الحزبي كبير جداً.

عدم معرفة

من جهته، قال مدير المركز القومي للمناهج السابق د. عمر القراي، إن الشعب السوداني لا يعرف الديمقراطية، رغم أن النظام الديمقراطي هو الوحيد الذي يحقق كرامة الإنسان.

 

وأوضح أن الأشخاص في القطاع التقليدي، لا يعتقدون أن كرامتهم تتحقق بالديمقراطية، لأن فهمهم الديني يرى أن الإسلام ليس فيه ديمقراطية أو اشتراكية.

وأكد أن المشكلة ليست في القطاع التقليدي ولا حتى في جمهور الطائفية، وإنما في الحركات الإسلامية السلفية التي استغلت الطائفية وجمهورها عبر تاريخ السودان.

 

واتهم حركات الإخوان المسلمين بطرح الدستور الإسلامي، وحل الحزب الشيوعي السوداني، والقوانين الإسلامية، على الطائفية وهي تتبعها في ذلك، لأنها ليس لديها فكر وهذه خطورة القطاع التقليدي.وقال إن الشريعة الإسلامية تحتاج لفهم جديد لمواجهة نصوصها وتجاوز أحكامها المرحلية، وهذا الأمر لا يمكن للمثقفين السودانيين القفز فيه.وطالب بمواجهة النهج السلفي من داخل نظام الإسلام نفسه.

واتفق القراي، مع الحاج وراق حول وجود طمع في الحكم وخوف، وقال «الخوف والطمع وجهان لعملة واحدة، المثقفون السودانيون معظهم خائفون على ذهاب المكاسب لذلك لم يتبنوا التوعية في مواجهة الصور المتخلفة التي  تقتضي التضحية، وهذه مشكلة التغيير في السودان».

كائن مغترب

بدورها، تخوّفت رئيس تحرير صحيفة «التغيير» رشا عوض، من أن تكون الديمقراطية صعبة المنال في السودان.

 

ففيما نبهت إلى أن الديمقراطية نظام يهدف إلى التعايش السلمي والإيجابي بين الاختلافات الفكرية مهما كانت عميقة، قالت إن مشكلة الديمقراطية في السودان أنها كائن مغترب عن الوعي الفكري والسياسي.

وأضافت رشا: «غربة السودان نتجت من أن الديمقراطية هي عابرة للمرجعيات الفكرية التي شكّلت التيارات السياسية في السودان».

وأكدت وجود مشاكل في الفكر السلفي، والتيارات الحديثة التي تبنت مرجعيات ماركسية سياسية أو قومية عربية مرجعيتها تتعارض مع الديمقراطية.

ونوهت إلى أن هنالك أولوية مقدمة على الديمقراطية، عند الإسلاميين الشريعة الإسلامية مقدمة على الديمقراطية، وعند الماركسيين الحقوق الاقتصادية والإجتماعية مقدمة على الحريات المدنية والسياسية.

ثورة ديسمبر

 

وذكرت أن الجميع يستبطن مشاريع وصاية على المجتمع وفكرة إقصائه وهذا هو السبب، «أنه حتى الآن لم نتفهم طبيعة النظام الديمقراطي القائمة على التسويات التوافقية والاعتراف والقبول المتبادل والاختلافات».

 

وقالت رشا إن جميع الأيديولوجيات تعتقد أن ثورة ديسمبر قامت من أجل تحقيق الفكرة الموجودة في أدمغتهم.

وأضافت: «لو نظرنا للجماهير التي خرجت في الثورة تشمل جماهير الأحزاب التقليدية والشباب والنساء».

وتابعت: «سبب انتصار ثورة ديسمبر أن جميع جماهير الشعب السوداني توحدت خلفها وتوّحدت في هدف معين إسقاط النظام الاستبدادي».

وزادت: «إذا أردنا لحظة عبور تاريخية جديدة تتطلب توحيد الهدف».

وأردفت: «الهدف الذي يمكن أن يتوحد خلفه السودانيون هو الانتقال إلى أرضية الديمقراطية التعددية، وأية فكرة غير هذه لن توحد السودانيين».

واستطردت: «ندرك أن الانتقال يمر بمخاض عسير ويستغرق زمناً طويلاً، وأن نجاح الفترة الإنتقالية يجب أن يمر عبر الأرضية التي نستطيع أن ندير فيها خلافاتنا بصورة سلمية».

وذكرت رشا أن من أهداف الاصطفاف تقوية الإرادة الوطنية لمواجهة معضلات بعينها.

وقالت: «من بديهيات الديمقراطية وجود جيش وطني يخضع لسلطة مدنية، وهذا يحتاج إلى إرادة سياسية عابرة للأحزاب والتيارات تضم أصحاب المصلحة في التغيير للعمل والضغط من أجل تحقيق مثل هذا الهدف، كذلك الدستور المدني الديمقراطي يحتاج لمعارك فكرية».

 

اترك رد