مع ذلك // عبدالله على إبراهيم ( الله لا وراك غلظة أولاد البحر على أولاد البحر: ٢٢ يوليو ١٩٧١ )

0
42

 

استنكرت في كلمة الأمس صمت أحزابنا وقحت ومنظمات المجتمع المدني عن مؤاخذة حركات دارفور التي احتلت بسلاحها منشآت عامة في الخرطوم في خرق صريح لاتفاق جوبا. فبدا لي ذلك منها تنصلاً عن دورها في عدل رأس سكان العاصمة المهجسين بالواقعة. ومتى لم تثب الأحزاب وقحت وغيرها برأي في الأمر المقلق وبمخرج منه تركت الناس ل”زفارة” أدب تاريخي في الحزازات مشترك ومعلوم. ولا أعرف ما مصلحة القضية الدارفورية نفسها في استثارة مثل هذا الأدب على الضفتين.

وقلت إن صمت هذه الهيئات السياسية والمدنية قديم. وعدت إلى مقال كتبته بعد عملية لحركة العدل والمساواة (الذراع الطويل) في الخرطوم في مايو ٢٠٠٨ انتقدت فيه الهيئة الوطنية للحماية والدفاع عن المتأثرين بالذراع الطويل. وهي الهيئة التي تكونت في أعقاب العملية لغرضها الذي في إسمها. وعبت عليها أنها لم تترك للحكومة جنباً ترقد عليه في حين لم تعتب العدل والمساواة بالاسم مجرد عتاب على ترويع المدينة بغزوة غير مدروسة. وقلت لهم إن مثل شغلكم هذا شغل معارضة للإنقاذ ساكت لا شغل قادة رأي يحيطون بالموقف من جوانبه كلها. وأخذت عليهم أنهم ذكروا في سياق ما تعرض له الدارفوريين من أذى الإنقاذ ما فعله بهم نميري بعد “غزوة المرتزقة” في ١٩٧٦. وفي هذا إيحاء كأن المركز الشمال غليظ على الهامش شديد الحساب. وقلت لهم لماذا لم ترد على لسانكم غلظة المركز على “أولاد البحر” متى ما ثاروا عليه. وكتبت في المقال القديم أقول:

والله ما وراك ما يفعله أولاد البحر (المزعومون) في المركز بأولاد البحر (المزعومين) متى ما كبا فريق منهم وتعثر. فقد عشت أيام نكسة 22 يوليو متفرغاً حدثاً بالحزب الشيوعي. ولما بدا لنا أننا أنهزمنا “جَد” بعد سقوط انقلابنا تلفت حولي في منزل الصديق جرجس نصيف فوجدت طاقم مديرية الخرطوم الشيوعي، الذي عليه الرك في التأمين لأمثالي، تبخر من حولي. ولم أعرف عمق الهزيمة ومتاهاتها حتى بلغت منزل عزابة أصدقاء عند تقاطع شارع كترينا والسكة حديد. وسمعت النميري يأمر بالقبض على الشيوعيين عن بكرة أبيهم على الهوية. وينذر بالثبور من آواهم لا فرق بين قريب حبيب أو عاطف: القبض على الهوية السياسية.

وكان اليوم وما بعده مثل يوم القيامة: يوم يفر المرء من أخيه. حدثني من قال إن زوجته طلبت منه أن يبحث عن مخرج ليأمن الأطفال. فبحثت عن موضع لرأسي في تلك الليلة لصعوبة البقاء في منزل أصدقاء مطلوبين مثلي. فأخذني زميل هميم إلى دار قريبة من بيت العزابة. وصبروا عليّ ليلتهم تلك. وأفزعهم صوت نميري يتوعد الشيوعيين وأواتهم فطلبوا مني أن أترجل. وأستأذنتهم استخدم التلفون. فأدرت أقراصه لأتصل بإبن عمي المرحوم الباشمنهدس محمد على إبراهيم (وأبوه بالحق اسمه عطا المنان الشهير بشقتت وله مترة ود شقتت بالقلعة مركز مروي. وأكتسب محمد اسم أبي لأنه رباه وعلمه وزوجه من أختنا المرحومة قمر القسوم عليهما الشآبيب) وقلت له أنا بخير ولكن تقطعت بي الأسباب فأبعث بأمي إلى منزلي بحي الزبيرية بالديوم عند شارع النص (دكان عطا) لتفتحه فسأبقى فيه حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وحين خرجت من باب مضيفي لليلة واحدة ثقيلة عليه توقعت أن ينقض عليّ أمن نميري وجنده المهتاجون بعد خطوتي الأولى في الشارع. ولم يحدث. وبلغت الدار.

سأكتفي بهذا هنا حتى أعود إلى كيف انتحبت على مرأى من أبي وأخي حين سمعت بإعدام حبيبنا وأستاذنا عبد الخالق محجوب في منزل الزبيرية حتى خشيت أن يظنا بي الظنون. فقد ضاقت بأستاذنا الدنيا بما رحبت من سماحته وجزالته وعلو همته للوطن.

لا يريد المتمسحون بالهامش (من فرط قلة جرمهم وحيلتهم السياسية) أن يذكروا “كسرة” 22 يوليو الشيوعية لأنها تخرب “رصة” عقيدتهم عن العداء الأزلي بين أولاد البحر وأولاد الغرب الموروثة جزافاً عن مصطلح المهدية. فلو اعتبروا نكسة 19 يوليو، التي لم يكتب تاريخ بأسها وبأسائها بعد، لبدا لهم أن التكتيكات المغامرة من انقلاب وغزو أم درمان تؤذي أهلها وغير أهلها وتفسد فساداً كبيراً. وإن أهل الحكم لا يرحمون من “سولت” له نفسه إخراجهم منه . . . وقصرت همته. قال صحفي عن مصرع الضابط الذي قاد انقلاب 1960 الفاشل على الإمبراطور هيلاسيلاسي في الحبشة: لقد أسرع الخطو سابقاً التاريخ وقد تأبط بندقية فدفع ضريبة العجولين. وهذه هي التربية التي خلت منها مذكرة صناع الرأي الذين لم يجدوا الشجاعة في أنفسهم ليقولوا للعدل والمساواة ما هكذا تورد الإبل . . . يا خليل.

 

اترك رد