من كنانتى// النور حمد ( إزالة التمكين من عقول النشء )

0
34

 

 

المناهج التي وضعتها الإنقاذ، في جملتها، مناهج هزيلة، مرتجلة، وغير مواكبة للتطورات التي أحدثتها مختلف الدول، في فلسفة التعليم، ومحتوى مناهجه، وطرق تدريسه. وقد جاءت مناهج الإنقاذ نتيجة لسطو تنظيمٍ واحدٍ، وهو تنظيم أقلية قليلة، على الدولة السودانية. استغل التنظيم المال العام، ومجمل البنية التحتية للنظام التعليمي السوداني، من أجل غرس ورؤاه الخاصة، في أدمغة أبناء وبنات سواد الناس. ورغم أن محاولة صبغ كل مواد التعليم بفكر التنظيم، إلا أن التركيز كان على مادتي التربية الإسلامية واللغة العربية،لكونهما الأنسب، والأكفأ،لخدمة غرض بذر أفكار التنظيم في تلاميذ وتلميذات المدارس. لذلك نلاحظ أن الحملة الشعواء، التي زحمت الأقنية الإعلامية، انصبت على مادة التربية الإسلامية، وتركت كل شيء آخر، جانباً. السبب، أن منهج التربية الإسلامية الذي وضعته الإنقاذ للطلاب، لم يقصد منه أن يكون منهجاً تعليميًا، حديثًا ينتج خريجين ملمين بعلوم العصر، مالكين لطيف المعارف والمهارات العصرية، التي بنت بها الأمم الصاعدة، دولها، وإنما أداةً للتجنيد الأيديولوجي. فلو كان القصد هو رفعة التعليم العام، لاهتموا ببناه التحتية، وزادوا الإنفاق عليه من الموازنة العامة، واهتموا بتحسين معاش المعلمين وتدريبهم، على أعلى المستويات، وهو ما لم يحدث قط.

لقد أفقروا مدارس التعليم العام، حتى أصبحت خرائب، وأصبح معلموها يشترون الطباشير من جيوبهم الخاصة.من الجانب الآخر، أنشأوا، المدارس الخاصة، التي تدر عليهم الأموال. وبعثوا بأبنائهم وبناتهم إلى تلك المدارس الخاصة، بل وإلى المدارس والجامعات الأجنبية، التي توفر المعارف والمهارات العصرية. لقد استخدموا بنية التعليم العام من أجل خلق بيئة صالحة لغرس الأفكار الدينية الانغلاقية، والمتطرفة، لتتسرب تدريجيًا، بمرور الزمن،من المدارس إلى بيوت السواد الأعظم من الشعب، فيصبح الجهل والعاطفة الدينية الفجة هما الضامنين لاستمرارية نظام حكمهم.وفي حين يصبح أبناء أهل السلطة والأثرياء يفكرون تفكيًرا عصريًا، ويعيشون حياة عصرية، يبقى أبناء الفقراء من السواد الأعظم غاطسين في وحل الفقر والجهل والتعصب والانغلاق العقلي.

يحاجُّ الإنقاذيون أن تغيير مناهج التعليم ليس من مهمة الفترة الانتقالية، لأن الفترة الانتقالية لا تملك تفويضًا شعبيًا. وهذه ليست سوى سفسطة فارغة، بلا معنى. هل يوجد تفويضٌ شعبي أكبر من هذه الثورة الجماهيرية التي رفضت نظامهم جملة وتفصيلاً؟ وهل حين جاءوا في 1989، وأعملوا معاولهم في النظام التعليمي بذلك الارتجال العجيب،كان يملكون تفويضًا شعبيًا؟ تغيير مناهج التعليم واحدٌ من مهام إزالة التمكين، التي تمثل أهم واجبات الفترة الانتقالية. وهي عمليةٌ تجري وفق قانون مرتكز على الوثيقة الدستورية، التي تمثل دستور الفترة الانتقالية. إن ما فعلته الإنقاذ في التعليم كان تمكينًا لفكر التنظيم من عقول النشء. وفي تقديري، أن إزالة التمكين من عقول النشء، أهم بما لا يقاس من غيره من صور إزالة التمكين.

 

اترك رد