واحة فنون // عوض إبراهيم عوض (مع الرئيس إلى تركيا)

0
21

 

 

في أحد أيام الزمان الجميل استدعاني مدير الإذاعة محمود أبو العزائم إلى مكتبه وقال لي: (لقد تسلمتُ طلباً من إدارة الإعلام الخارجي بوزارة الثقافة والإعلام تطلب مني تزويد القصر الجمهوري بأسماء الذين سيرافقون رئيس الجمهورية في زيارته إلى تركيا ورومانيا وقد وقع اختيارنا عليك لتؤدي هذه المهمة فماذا ترى؟) قلتُ له: (بكل سرور). قال لي: (في الواقع إنَّ الذي رشحك لهذه المهمة هو الأستاذ محمد سليمان نائب مدير الإذاعة ومدير إذاعة صوت الأمة الذي أقنعنا وأقنع كبير المذيعين باختيارك رغماً عن اللغط الذي دار بينهم بحجة أنَّ الرحلة طويلة والمهمة كبيرة تحتاج لشخصٍ قديم ومتمرس في هذه الأمور). كانت تلك أول مرة أرافق فيها الرئيس نميري إلى خارج الوطن، حيث ظلت معظم رحلاتي معه داخل السودان شاملة أرجاءه المختلفة. وخرجتُ من مكتب المدير عازماً ألا أخذل أستاذي محمد سليمان، وعزمتُ أن أفعل كل ما في وسعى حتى تكون التغطية شاملة وكاملة تُقنع الجميع وعلى رأسهم محمد سليمان. وأحسستُ أنَّ ذلك هو التحدي الحقيقي لمقدراتي، لأنَّ تلك المهمة يتطلع إليها كل الإذاعيين والإعلاميين. وحزمتُ أمتعتي وجهزتُ نفسي للسفر حينما طلبتْ مِني إدارةُ الإعلام الخارجي بوزارة الثقافة والإعلام تسليم جواز السفر والشهادات الصحية للسيد عاطف محمد عبد الرحمن بإدارة المراسم بالقصر الجمهوري التي سلمتني مذكرة قبل يومٍ من السفر تضمنت شكل البروتوكول والتعليمات التي علينا اتباعها أثناء هذه الرحلة الطويلة. وكان أول ما لفت انتباهي في تلك التعليمات أن الزي الذي سنرتديه في حفل العشاء الذي سيقيمه الرئيس شاوشيسكو بقصره والرئيس التركي تورقوت أوزال في إسطمبول سيكون الزي القومي السوداني بالعباءة الداكنة. وحار دليلي لأنني لا أملك عباءةً ولم أتشرف بلبسها في حياتي. حتى الجلابية السودانية لم تجد مني حظاً إلا وأنا على السرير أو بين جدران المنزل، حيث سرعان ما أرتدي الزي الأفرنجي كلما هممتُ بالخروج ولو إلى مكان قريب. وعلى الفور اتصلت بإدارة المراسم بالقصر الجمهوري وطلبتُ السيد نبيل مُراد نائب مدير مراسم الدولة بالقصر وقلتُ له: (ما العمل يا نبيل، فأنا لا أملك عباءةً ولم ألبسها في حياتي ولا أحسب أنني في مثل هذه العجالة سأتمكن من شراء عباءة جديدة أو استلاف واحدة من أصدقائي الذين أشك أن يكون أيٌّ منهم قد سعاها في يومٍ من الأيام). ضحك نبيل وقال لي: (لا بأس، فأنت تملك أجمل الجاكيتات التي ظللنا نراها من خلال النشرات وبرامج التلفزيون، ويمكنك أن ترتديها في حفلات العشاء بدلاً من العباءة السوداء لأنها أيضاً تُعتبرُ من أزياء البروتوكول الرسمي في سفريات الرئيس). حمدتُ الله على ذلك الخيار الذي خفتُ أن يحرمني من زيارة بلدٍ مثل تركيا حرصتُ طوال السنوات على التفكير في السفر إليها بحكم دورها التاريخي أيام الإمبراطورية العثمانية وما تلاها. وتذكرتُ صولات السلطان عبد الحميد ومناكفاته للبريطانيين التي أجبرتهم للاستعانة بالملك السنوسي الكبير في ليبيا لحشد الدعم الإفريقي والإسلامي والعربي ضدَّ تركيا التي أوصلها العناد إلى مؤازرة الحلفاء والمعسكر الألماني طوال سنوات الحرب اللعينة. وتذكرتُ سيطرة الإمبراطورية على معظم البلاد الإسلامية التي أشار إليها الشيخ محمد رشيد رضا في مذكراته التي ظلت راسخة في مخيلتي على مدى الأيام. ونواصل

اترك رد