العلمانية على ضوء إعلان المبادئ مع  حركة الحلو

0
23

 

 

أحمد عثمان محمد المبارك المحامي

 

الدين هو العدالة والحرية والسلام (لا خلاف على ذلك)….! !

والعلمانية دينها العدالة والحرية والسلام ( لا خلاف على ذلك أيضاً).. ! !إذاً أين المشكلة؟

 نص إعلان المبادئ بين السلطة الانتقالية ممثلة في الفريق عبدالفتاح البرهان وحركة تحرير السودان شمال جناح عبدالعزيز الحلو في أهم فقراته على ما يلي:

تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية في السودان تضمن حرية الدين وحرية الممارسات الدينية والعبادات لكل الشعب السوداني وذلك بفصل الهويات الثقافية والإثنية والدينية والجهوية عن الدولة وأن لا تفرض الدولة ديناً على أي شخص ولا تتبنى ديناً رسمياً وتكون الدولة غير منحازة فيما يخص الشئون الدينية وشئون المعتقد والضمير كما تكفل الدولة وتحمي حرية الدين والممارسات الدينية ، على أن تضمن هذه المبادي في الدستور”.

جاء هذا النص واضحاً بلا غموض، محدداً بشكل مباشر ما يجب أن يقوم عليه السودان كبلد متعدد الأعراق والديانات والثقافات تستوجب على الجميع الاعتراف بها لإدارة هذا التنوع بما يحقق هوية وطنية واحدة.  ولأول مرة توضع مسألة فصل الدين عن الدولة في طاولة المفاوضات. فقد تم التعامل مع مسألة فصل الدين عن الدولة والعلمانية بعواطف سطحية وجهل بحقيقتها. لقد سئمنا الخطاب التكفيري للعلمانية ومن ينادي بها  وكأنها مرض أو عدو يجب محاربته، هذا الخطاب المبني على الغلو والرؤية المخلة بالدين جعل البعض يختارون مواجهة هذا التطرف الديني والمناداة بفصل الدين عن الدولة، ومع اشتداد المواجهة أصبح العلماني في سياق الخطاب الديني  (عدوا لله)، يسعى إلى تحدي الله رغم علمه بوجوده،وهذا محض افتراء أريد به متاجرة رخيصة بالدين.  فالعلماني في حقيقة الأمر وجد نفسه في مواجهة مع من يعتقدون في أنفسهم إن لهم الحق المطلق في التحدث باسم الله ممن لا يؤمنون بالحرية والمساواة والعدالة والسلام كقيم إنسانية مرتبطةبكافة الأديان.فالعلمانيون ليسو كفاراً كما يروج لذلك، بل تم تكفيرهم واستباحة دمهم مما حفز البعض لاتخاذ مواقف مضادة أكثر تطرفاً  وصلت في أقصاه إلى إنكار بعضهم لوجود الله، الشيء الذي استغله المتأسلمون  أسوأ استغلال وغرس فكرة إلحاد وكفر العلمانية في أذهان عامة الناس. فهل المقصود تكفير الدولة العلمانية أم الأفراد المؤمنين بها؟ فإن كان المقصود الدولة فالدولة غير مخاطبة باتباع ما جاء به الرسل والأنبياء من أديان، لأن الدولة مكلفة من الأفراد المكونين للمجتمع بالعمل على تنظيم هذا المجتمع وترسيخ مبادئ العدالة والحرية والمساواة وتحقيق التعايش السلمي بين أفرادها كمبادئ دينية يؤمنون بها. فلسنا بحاجة للدين أن يصبح دولة طالما الدولة مكلفة بتحقيق هذه المبادئ الإنسانية التي هي في الأساس نابعة من الدين نفسه. وبالنتيجة فليس هناك فرق بين الدين والعلمانية طالما الهدف هو الإنسان الذي خلفه الله على الأرض وعلمه معاني السلام والعدالة والحرية ليهتدي بها في تنظيم حياته.لقد تجاوز العالم مسألة صراع الدين والدولة لأن الدين موجود بمنهجه التربوي الأخلاقي لبناء المجتمع الذي يبدأ من الفرد وينتهي عنده، وبهذا المفهوم ينعدم الصراع بين الدين والدولة.

أما الصراع القائم حالياً في مجتمعاتنا الإسلامية، فهو صراع وهمي فرضه الكهنوت والتطرف لا علاقة له بالدين إذ أن الدين هو القاعدة التي ينطلق منها المجتمع إبتداءً من تمسك الفرد  بقواعد الأخلاق كالأمانة، والنزاهة، والرحمة، والمودة، التي هي من أهم الواجبات الدينية، إنتهاءً بمجتمع خاضع لسلطة الدولة المسئولة عن مراقبة سلوك الأفراد  فيها بقوة القانون القائم على فكرة العقد الاجتماعي القائم على مبدأ تنظيم سلوك الأفراد داخل المجتمع. أما الدين فهو موجود في المجتمع ويمثل المرجعية لتلك المبادئ والأسس التي ما كان للأنسان أن يتعرف عليها لولا وجود الدين،فلا وجود للدين  في مجتمع تنعدم فيه مبادئ السلام والعدالة والحرية التي تؤمن بها العلمانية أيضاً، فلا يمكن تصور أن تكون تلك المبادئ بذاتها دولة. كما أن الإنسان الذي تربى بالدين أصالة، لا يحتاج للدين كي ينشئ دولة منظمة لسلوكه في المجتمع وفقاً لتلك المبادئ التي أوجدها الدين مسبقاً قبل قيام الدولة. فالمجتمع البشري بكافة أشكاله وأعراقه ودياناته يبحث (بذاته الفطرية)، إلى السلام والحرية والعدل ولأجل تحقيق ذلك إرتضى لنفسه التعايش مع الآخر في نفس الرقعة الجغرافية وتنازل لفئة منه اختارها بنفسه (الحكومة) لتنظيم ومراقبة هذا التعايش وفقاً لأسس العدالة والحرية والسلام.

 

إذاً الدين موجود في مجموعة من القيم الأخلاقية والمبادئ والأسس الإنسانية، بينما الدولة هي المؤسسات القانونية التي يقع على عاتقها تحقيق تلك المبادئ في إطارها العام. وبما أن تلك المبادئ التي تسعى الدولة لتحقيقها هي أساساً مبادئ مشتركة في كل الأديان، إذاً هي موجودة في كل مجتمع بغض النظر عن الدين الذي يتدين به أفراد ذلك المجتمع سواء كان إسلاماً، أم مسيحية، أم يهودية أم غيرها، لذا فمن أوجب واجبات الدولة الوقوف على مسافة واحدة من كل الأديان التي يدين بها أفراد المجتمع الذي تحكمه، وأن لا تجعل من دين معين مسيطراً على الآخر  في نفس المجتمع، بل يجب على الدولة تكريس هذه المبادى المشتركة دون تفرقة باعتبارها تهدف لحماية كل الأديان والحفاظ عليها.فلا يوجد شخص لا دين له لأن اللا دين غير موجود ، ففي كل مجتمع نجد أفراداً ينتمون لديانات بعينها وآخرين لا ينتمون لأي دين إلا إنهم يؤمنون بنفس المبادئ والقيم التي يؤمن بها من ينتمون للأديان بل ويلتزمون بها ويطالبون تطبيقها على المجتمع. إذاً اللا دين غير موجود لأن اللا دينيين هم أيضاً متدينون بمبادئ أصلها ديني تحترمها الدولة وتقوم على ترسيخها بين كل أفراد المجتمع دون تمييز بسبب الانتماء لدين. وتتحقق هذه الصورة المثالية من خلال الدور الذي تقوم به الدولة وليس من خلال الدين، أي  أن الدين موجود كما ذكرنا بالقيم الأخلاقية التي يؤمن بها الديني واللا ديني كقيم إنسانية تقوم الدولة التي توافق أفراد المجتمع على إنشائها بالحفاظ عليها وفرضها بقوة النظام المجتمعي (القانون)مما ينفي فكرة وجود اللا ديني.

 

اترك رد