نحو أفق بعيد // د. الشفيع خضر سعيد ( إتفاق البرهان الحلو خطوة في اتجاه السلام الشامل)

0
20

 

 

 

 

نستميح القارئ عذراً في قطع سلسلة مقالاتنا “كرم الطبيعة وبُخل السياسة في شرق السودان”، والتي نستعرض فيها نتائج لقاءاتنا في ولاية البحر الأحمر، وذلك حتى نخصص مساحة اليوم للتطرق إلى الحدث التاريخي والهام، وهو الإتفاق والتوقيع على إعلان المبادئ لتسوية النزاع ووقف الحرب الأهلية في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، والذي جرى يوم الأحد الماضي، 28 مارس 2021، في مدينة جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان، ووقع عليه كل من الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، والقائد عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال. ولاحقاً، في المقالات القادمة، سنعود ونواصل مناقشتنا للقضايا التي برزت وأُثيرت إبان لقاءاتنا في ولاية البحر الأحمر.

أعتقد أن إتفاق إعلان المبادئ الموقع بين الرئيس برهان والقائد عبد العزيز الحلو، يحمل تباشير وقف الحرب الأهلية في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.والإتفاق، مقروءاً مع إتفاق سلام جوبا، بعد حل الإشكالية المتعلقة بمسار شرق السودان، وبكيفية تذليل الصعوبات المتعلقة بتنفيذ اتفاق سلام جوبا، يضع لبنات إرساء سلام دائم في البلاد، خاصة وأن الإعلان يطرح المسألة من منظور قومي عندما أكد على أن جذور النزاع والحرب الأهلية في البلاد لا تكمن في قضايا محلية مرتبطة بالإقليم أو المنطقة التي يدور فيها الصراع والإقتتال، وإنما هي إنعكاس لأزمة وطنية عامة جوهرها الخلل المزمن منذ فجر الإستقلال في هيكلة وبناء الدولة السودانية. وقد أكد إعلان المبادئ، في مقدمته وفقراته الأولى، عن حق، أن ثورة ديسمبر 2018 العظيمة، والتي مهرتها دماء وتضحيات شابات وشباب السودان وثورات حركات الكفاح المسلح، قد خلقت فرصة تاريخية لمعالجة جذور الأزمة السودانية وبناء دولة المواطنة التي تسع الجميع. كما شدد الإعلان على أن التوصل إلى اتفاق سلام شامل يضع نهاية منطقية للحرب في السودان يتم عبر التفاوض، وأن تاريخ وطبيعة الصراع في السودان يؤكدان أن الحلول العسكرية لا تقود أبداً إلى سلام وإستقرار دائمين. وأيضاً أبرزت مقدمة الإعلان نقطتين هامتين، الأولى هي تأكيد الطرفين على العمل سوياً لصون وحماية سيادة السودان واستقلاله والحفاظ على وحدة أراضيه، والنقطة الثانية هي تأكيدهما على أن الحل السياسي السلمي والعادل لأزمات السودان، هو هدف مشترك لكل من حكومة السودان الإنتقالية والحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال. كما حدد إتفاق إعلان المبادئ التوصل إلى حل سياسي وسلمي وعادل كهدف مشتركٍ لطرفي التفاوض. أما المبادئ الأساسية الواردة في الإعلان، والتي إتفق عليها الطرفان كأساس لحل الصراع في السودان، فتتلخص في الآتي:

  • أكد الطرفان على أن السودان بلد متعدد الأعراق والديانات والثقافات، لذلك يجب الإعتراف بهذا التنوع وإدارته ومعالجة مسألة الهوية الوطنية.
  • وكذلك يؤكد الطرفان على حق شعب السودان في المناطق المختلفة في إدارة شئونهم من خلال الحكم اللامركزي أو الفيدرالي.
  • وطرح الإتفاق علاجاً لقضية علاقة الدين بالدولة من خلال الإتفاق على “تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية في السودان تضمن حرية التدين والعبادة والممارسات الدينية لكل الشعب السوداني، وذلك بفصل الهويات الثقافية والإثنية والدينية والجهوية عن الدولة، وأن لا تفرض الدولة ديناً على أي شخص، ولا تتبنى ديناً رسمياً. وتكون الدولة غير منحازة فيما يخص الشئون الدينية وشئون المعتقد والضمير. كما تكفل الدولة وتحمي حرية الدين والممارسات الدينية، على أن تُضمن كل هذه المبادئ في الدستور”.
  • ويقر اتفاق إعلان المبادئ على وجوب أن تستند قوانين الأحوال الشخصية على الدين والعرف والمعتقدات، لكنه في ذات الوقت يشدد على أن يتم ذلك بطريقة لا تتعارض مع حقوق الإنسان الأساسية.
  • ونادى اتفاق إعلان المبادئ بتحقيق العدالة في إقتسام السلطة وتوزيع الثروة بين جميع شعوب وأقاليم السودان للقضاء على التهميش التنموي والثقافي والديني، واضعين في الإعتبار خصوصية مناطق النزاعات.
  • كما نادى بإدراج حقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل الواردة في المعاهدات الدولية التي صادق عليها السودان في إتفاقية السلام، وأن تتخذ حكومة السودان التدابير اللازمة للإنضمام للمواثيق والمعاهدات الدولية والأفريقية لحقوق الإنسان التي لم تصادق عليها جمهورية السودان.
  • وشدد إعلان المبادئ على وجوب أن يكون للسودان جيش قومي مهني واحد يعمل وفق عقيدة عسكرية موحدة جديدة، يلتزم بحماية الأمن الوطني وفقاً للدستور، على أن تعكس تركيبة المؤسسات الأمنية التنوع والتعدد السوداني، وأن يكون ولاؤها للوطن وليس لحزب أو جماعة. كما أكد الإعلان على أهمية أن تكون عملية دمج وتوحيد القوات متدرجة إلى أن تكتمل بنهاية الفترة الإنتقالية وبعد تضمين مسألة العلاقة بين الدين والدولة في الدستور، وفق ما جاء في إعلان المبادئ.
  • وإتفق الطرفان على وقف دائم لإطلاق النار عند التوقيع على الترتيبات الأمنية المتفق عليها كجزء من التسوية الشاملة للصراع في السودان، كما إتفقا على ترتيبات إنتقالية تشمل الفترة والمهام والآليات والميزانيات وغيرها. وإعتبرا أن الإتفاق بينهما يكون من ضمن عملية تطوير الوثيقة الدستورية لكي تصبح دستوراً دائماً بنهاية الفترة الإنتقالية.

أعتقد أن المفاوضات هذه المرة، بين الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال والحكومة الإنتقالية، من المفترض أن تتم وتُنجز في وقت قياسي، بعيداً عن المطاولات والتأجيلات المتكررة كما حدث في عمليات السلام السابقة. وفي ذات الوقت، لابد من الإهتمام الجاد بالمبادرة التي طرحها القائد عبد الواحد محمد نور، والتعامل معها بما يليق بها كمبادرة محترمة، تتخطى نهج التفاوض الكلاسيكي، وتبتعد عن فكرة محاصصة كراسي السلطة التي تهيمن على عمليات التفاوض الأخرى. والإهتمام الجاد نعني به الإلتقاء بعبد الواحد وقيادة حركته، للتباحث والتفاكر حول تفاصيل المبادرة، والتي جوهرها عقد مؤتمر شامل لبحث مسألة السلام في السودان، وكيفية تجسيدها عملياً على أرض الواقع، وبحث تقاطعاتها مع الإتفاقات الأخرى الموقعة مع الحركات. وفي ذات السياق، نجدد إقتراحنا، الذي كررناه كثيراً، وهو يقترب، إن لم يتطابق مع إقتراح القائد عبد الواحد محمد نور، ويتلخص في أنه بعد إنجاز عملية التفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال على ضوء إعلان المبادئ المذكور أعلاه، وبعد الإتفاق على الترتيبات العسكرية والأمنية مع حركة تحرير السودان بقيادة القائد عبد الواحد محمد نور، وحتى يتحقق فعلاً سلامٌ شاملٌ في البلد، لابد من إلتئام مؤتمر قومي للسلام الشامل، مؤتمر مائدة مستديرة، يُعقد في الخرطوم،يحضره كل الفاعلين السياسيين والإجتماعيين وقيادات المجتمع المدني والأهلي، إضافة إلى أصحاب المصلحة من مناطق النزاعات والحروب في البلد، كما تحضره المجموعات التي لم تشارك في عمليات السلام، وكذلك القوى التي وقّعت إتفاقات الدوحة والشرق وغيرها، على أن يناقش المؤتمر كيفية المزج والمزاوجة بين نتائج إتفاقات السلام المختلفة، والخروج بتفاهمات حول المشاركة في هياكل الحكم في المركز والولايات، وحول قضايا النازحين وقاطني الشتات (دايسبورا)، وقضايا التعويضات، الأرض والحواكير ومسارات الرعي، والعدالة الإنتقالية والمصالحات، خطط التنمية ومشاريع إعادة الإعمار، كيفية التعامل مع التجاذبات الإقليمية وإلتزام السودان بعدم إستضافة ما يعكر صفو أمن البلدان المجاورة، ربط قضايا مناطق النزاعات بالدعم القوي لنجاح الفترة الإنتقالية وتثبيت أركان النظام المدني الديمقراطي وتصفية مواقع الثورة المضادة والنظام البائد، وصولاً إلى التوافق على إعلان حول المبادئ فوق الدستورية والقضايا التي سترحّل إلى المؤتمر القومي الدستوري المناط به الإجابة على الأسئلة المصيرية المتعلقة ببناء الدولة السودانية وصناعة الدستور الدائم. أعتقد أن النتائج الإيجابية لكل جولات التفاوض السابقة والراهنة، بما في ذلك إعلان المبادئ الموقع بالأمس بين البرهان والحلو، إضافة إلى ما سيتم التوافق عليه في مؤتمر السلام الشامل، إن عُقد، أعتقد يمكن أن تكون كلها بمثابة الفصل الأول في، المؤتمر القومي الدستوري المناط به الإجابة على الأسئلة المصيرية المتعلقة ببناء الدولة السودانية وصناعة الدستور الدائم، وكل ذلك، في رأينا، يمثل المدخل الملائم لمعالجة ما ظل يتردد في كل المخاطبات والكتابات والمواثيق والبيانات السياسية المتعلقة بالأزمة الوطنية في السودان، حول ضرورة مخاطبة “جذور المشكلة السودانية، وعلاج أسباب الحرب الأهلية من جذورها”.

اترك رد